السبت، 31 يناير، 2015

لحظة: الأرض والله والذاكرة





 لقد ولدنا على هذه الأرض
ومن هذه الأرض..

وحين أدركنا أن فيها الكثير من التاريخ والعديد من الأنبياء
تعلمنا أن التعددية
فضاء لا زنزانة
وأنه ليس فى وسع أحد
أن يحتكر الأرض والله
والذاكرة

كانت هذه الكلمات الناصعة للشاعر محمود درويش مدخلاً لكتاب نادر عنوانه: «لحظة»
 يجمع 500 صورة من عمل 500 طفل من أطفال المخيمات الفلسطينية فى لبنان، أعمارهم ما بين: 5 إلى 11 سنة.


نظمت جمعية (ذاكرة: مهرجان الصورة) أن تضع فى يد كل منهم كاميرا لصورة واحدة، فكان هذا الكتاب الذى يشير إلى قلب قضية القضايا، لكى يضع حقيقة الحاضر والمستقبل أمام كل عين وكل ضمير، هنا قلب الحاضر وعيون تحاول أن ترى المستقبل، الكاميرا فى يد هؤلاء الأطفال جعلتهم يكشفون عن جوانب خاصة فى حياتهم اليومية، إنهم أطفال مقموعون فى شتى جوانب حياتهم، يعيشون أوضاعاً فى غاية القسوة، نفى، وحرب، وفقر، وحصار. من خلال الكاميرا كشفوا عن جوانب متنوعة فى حياتهم لا نعرفها ولا نراها.


أمامها لا نملك نحن إلا الوقوع فى صمت مؤلم، وشعور أخرس بمسؤولية نقف أمامها عاجزين.

أشرف فنياً على الكتاب والصور المصور اللبنانى الذى عاش تجربة الحرب الأهلية اللبنانية كلها، ويعيش ملاصقاً لمخيمات الفلسطينيين، هو رجل عاش، ويعرف ويملك وسيلة تعبير فتحت، وتفتح كل يوم، أنواعاً حارقة من المعرفة الإنسانية بأوضاع البشر.


كم تقول الصورة الفوتوغرافية الآن؟!
 بلاغة جديدة تسكت إلى جوارها الكلمات.
 تنسق عمل الجمعية، ريما أبوشقرا، وتعمل منذ 2007.
كل صورة من صور الكتاب:
 لوحة، وعذاب، وقضية، لكنها أيضاً ضوء على المستقبل، أجدنى مضطرا إلى لفت نظر القارئ الكريم إلى باب «365 يوم» فى آخر صفحة من «المصرى اليوم»!


عالم الكتاب
أخيراً بعد طول انتظار خرج الإصدار الثالث من هذه المجلة «الضرورة»!
 وأسندت وزارة الثقافة هذه المسؤولية إلى 4 من الفرسان الشباب:
 محمد شعير وأحمد اللباد وأحمد شافعى وأمير زكى، فى مغامرة محسوبة أقدم عليها أحمد مجاهد، رئيس هيئة الكتاب، وسط زحام المعرض والسلاسل والإصدارات التى لا تعد ولا تحصى، صدر العدد الأول من الإصدار الثالث لمجلة تضع القارئ المصرى فى قلب بحار الكتب التى تصدر فى الداخل والخارج، وتحاول أن تقود اختياراته، وعقله وتفكيره، يقول محمد شعير، رئيس التحرير، فى كلمته الافتتاحية: يسأل كثيرون ما رسالة عالم الكتاب، وقد تبدو الإجابة صادمة.. ليست لنا رسالة، الرسائل تعنى الحكمة، تعنى اكتمال المعرفة، تعنى الوصاية ونحن لا ندعى الحكمة.

لا نملك يقين الإجابات، وإنما عذاب الأسئلة.
 استطاع المدير الفنى والمصمم أحمد اللباد أن يرقب حيرة الأسئلة ويقين الأمانة والمسؤولية فى شكل جديد جميل يغرى بالمتابعة ومحاولة الفهم.



كان الملف الأساسى فى المجلة عن المفكر الفلسطينى الفريد الراحل إدوارد سعيد، ولم تكن الكتابة عنه مجرد تذكر أو احتفاء لكن مجموعة الكتابات كانت تطرح قضايا أساسية أثارها وجوده وغيابه وكتبه الأولى «الاستشراق» والأخيرة «خارج المكان»، لقد كانت حياة إدوارد سعيد (1935 – 2003) رحلة نادرة الدلالة على عذاب وضياع وارتباك، ليس الوطن الفلسطينى والكيان الصهيونى فقط، بل منطقتنا كلها، والأزمة الجوهرية فى الوجود العربى الآن:

 أزمة العلاقة مع الغرب ومع العلم ومع فلسفة العصر وقوانينه، كان المدخل إلى عالم إدوارد سعيد عن طريق عرض مهم ونادر كتَبَه أمير زكى عن كتاب نجلاء إدوارد سعيد أقرب بناته له، وقد أصدرت كتابها «البحث عن فلسطين» عن «دار بنجوين»، وقدمت من خلاله صورة حية فاهمة لحياة أبيها وأعماله واهتماماته، عن غربته المستقرة فى أمريكا، وعن إسهاماته الأساسية فى الفكر المعاصر فى السياسة والفلسفة والفن، وعن زياراته الإنسانية لفلسطين، ومعناها الشخصى والتاريخى له، كل ما أحاوله هنا أن أشير إلى ضرورة معرفة قضايا حياة هذا الرجل وكلمات ابنته عنه بعد رحيله، ترك إدوارد سعيد خطاباً قصيراً لابنته أحب أن أنقل لك منه هذه الكلمات:

 يقول إدوارد سعيد لابنته نجلاء:
 «لا تدعى هذه الأشياء تقودك:
الوقاحة والاستخفاف والتبرير والتشاؤم.. وفوق ذلك تعلمى أن تقبلى وتسامحى نفسك، تعلمى أن تحبى ذاتك، وبذلك يمكنك أن تحبى وتقدرى الآخرين».


فى المجلة عدد من الموضوعات المهمة منها مقال الدكتور عماد أبوغازى عن تجربته القصيرة فى وزارة الثقافة، كتبه بصدد تعليقه على كتاب الدكتورة شيرين أبوالنجا«المثقف الانتقالى من الاستبداد إلى التمرد»، وقد كتبت عن نفس الكتاب عزة كامل مقالاً يثير أسئلة حرجة.

 فى المجلة مقال مهم ومثير عن ظاهرة توفيق شحاتة!
 ومقال آخر مهم عن نادى برشلونة وعلاقته بالسياسة الإسبانية، كل صفحة من صفحات المجلة الجميلة والمهمة تؤكد «أننا نستطيع».
شيماء الصباغ.. عيد الثورة

الشاعر أمين حداد الذى أرّخ شعراً لثورة 25 يناير يوماً بيوم كتب عن احتفال الثورة بعيدها، ومقتل شيماء قصيدة، ليسمح لى أن أردد منها هذه الأبيات:
شيلوا الشريطة السودا من المشهد
خلوا الولاد أسعد
وديتوا فين السما
فين السما الزرقا
حتى القتيل اللى شيفينه
مقتول بقاله زمان
وكل ثانية تعدى يبقى الزمن أبعد
شيلوا الشريطة السودة من المشهد

القصيدة وردة لشيماء بدلاً من الذى كانت تحمله وقت الشهادة!!
حزن
استقبلت كل محافظات مصر ابنا أو أكثر من أبنائها بعد جريمة سيناء.
 مجند فى العشرين قطع تذكرة بلا عودة من أجل مصر، يا حكام البلد.. يا مسؤولين: الزهر يتساقط.. ولا ثمر.. لا ثمر.. الفقراء والضعفاء يدفعون الثمن.

لحظة – دار أمار – بيروت
مجلة عالم الكتاب: الهيئة المصرية للكتاب 2015

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 31 يناير 2015

الأربعاء، 28 يناير، 2015

التغيير.. و«قلب الرجل»





النافذة هذا الأسبوع لاتفتح على صوت جديد.
لكنى أحاول أن أعيد النظر فى عمل قديم:
 «قلب الرجل» تأليف السيدة «لبيبة هاشم»الصادرة 1904
وقد أعيد إصدارها فى سلسلة رائدات الرواية العربية مع تقديم «للدكتور سيد البحراوي» يشرح فيه:
 لماذا «قلب الرجل» ولماذا لبيبة هاشم مرة أخري.
العمل رواية قصيرة مشوقة، تقع فى نحو 150 صفحة وواحد وعشرين فصلا متسارعة وممتعة.

الحكاية التى ترويها «قلب الرجل» ترجع إلى زمن الفتنة الأهلية القديمة التى مرت بها لبنان 1860.

 لم تسرد الرواية تاريخا ولكنها خلقت عالما تتشابك فيه مصائر عدد من الشخصيات، تدخل فى صراع روائى يجسد الحالة الاجتماعية والنفسية واللغوية، فى وقت حساس وذى دلالة سياسية واجتماعية خاصة فى علاقات هذه المنطقة
(لبنان ـ سوريا ـ مصر) هى الساحة التى تحرك فيها الشخصيات التى تسافر إلى فرنسا وانجلترا وتدخل فى علاقات متشابكة مع القيم والذوق والمعايير الشرقية والغربية.

 الرواية تخرج من قلب هذا الصراع الشرقى الغربي، مشيرة إلى البحث عن شكل روائى يجمع فى خلق فنى بين ثلاثة نماذج: نموذج الرواية الرسمية، والرواية الشعبية، والرواية الأوروبية.

الكاتبة لبيبة هاشم شخصية نادرة، تقدم نموذجا فريدا للمرأة العربية (1880 ـ 1947) ويقال إنها عاشت حتى 1952وتوفيت فى البرازيل، ولدت فى لبنان، وكانت تحمل اسم لبيبة ماضي، بعد الزواج حملت اسم زوجها وصارت لبيبة هاشم، انتقلت إلى مصر 1897، واصدرت واحدة من أهم المجلات النسائية التى صدرت فى مصر:
مجلة (فتاة الشرق) التى ظلت تصدر (1906 إلى 1930)، لها عدد من الأعمال الأدبية مثل «حسناء الجسد تشرين» كما أن لها مقالا مذكورا فى المجلة بعنوان: نور العلم يرفع الحجاب) ثم سافرت مع زوجها إلى البرازيل، وباقى تفاصيل الحياة تحتاج إلى تحقيق وبحث تاريخى واجب.

 تشمل الحركة التى كانت محيطة بحياة لبيبة هاشم، ومجلة فتاة الشرق، وأسماء مثل وردة اليازجي، وعفيفة كرم، وأليس بطرس البستاني، حتى نصل إلى »مى زيادة« التى عرف عن حياتها وأعمالها أقل مما يجب.

المهم أن مقدمة الدكتور سيد البحراوى تضعنا مباشرة أمام القضية الفنية والاجتماعية والسياسية التى يثيرها هذا النص.

عشنا لعقود نناقش مسألة «أول رواية عربية» وظل النقاد كبارهم وصغار الدارسين يكررون حديث عيسى بن هشام وزينب الهيكل« متناسين أن «انتاج الشكل الجمالى أو القصصى ينبغى أن يرى باعتباره حدثا أيديولوجيا بذاته، له وظيفة استدعاء حلول خيالية أو شكلية لتناقضات أجتماعية غير محلولة».

وقد أكد نقاد ومؤرخو الأدب الأوروبى أن «الرواية الأوروبية» جاءت تطويرا للأشكال الشعبية فى عصور أوروبا الوسيطة.

لم يقع الإنتاج الأدبى والرواية خاصة ـ فى التبعية الأوروبية بل وقعت المنطقة كلها أقتصاديا وفكريا وسياسيا، ويرى الدكتور البحراوى أن «التبعية» هى التى أصابت إنتاجنا فى الأغلب بأمراض متنوعة.
أخطرها وأكثرها استمرارا هو حالة الانفصال بين الأنتاج الفكرى والأدبى وبين جموع الناس فى شمال البلاد وجنوبها.

عمل كثير من رواد الفكر بجهد وأمانة وإجتهاد ولكن الحصيلة ظلت مجموعة من الأجتهادات التطبيقية، واستيراد مباشر لنظريات فكر فنى أو اجتماعي، تماما كما أستوردنا كل شيء من الأبرة حتى الكومبيوتر.

قضية التبعية هى قضية هذا الناقد التاريخية فى كتبه ومحاضراته، وتعليمه لدفعات متعاقبة من دارسى الأدب، فكرة المحتوى القومي، وفكرة محتوى الشكل كمحاولة للخروج من أزمة اللغة والأدب، وقد أثير مؤخرا فى مجال التطبيق، أما فى مجال النظرية النقدية وفلسفة الفن فمازالت الأمور على ما هى عليه، خضوعا للمركزية الأوروبية فى الفهم والتذوق والتقييم!!

وهو يقدم فكرة محتوى الشكل كوسيلة من وسائل الخروج من التبعية يكررها نقديا، كما أنه يحاولها فى أعماله الفنية التى امتازت بنوع خاص من التجريب فى الشكل له علاقة بمضمون الأعمال القليلة التى قدمها فى الرواية (ليل مدريد ـ شجرة أمي)، وفى القصة (صباح وشتاء)، و(طرق متقاطعة) وكل أعماله القصصية الجديدة تلمح فيها ظل من هذه المحاولة، وخطوة فى هذا الطريق، لقد درس الفكرة وحاول التمسك بها منذ أن قدم »لؤلؤة المستحيل« لأمل دنقل وفى مجموعة كتبه النقدية الأخيرة التى بدأت بـ»محتوى الشكل فى الرواية« 1996ثم دراساته لمحتوى الشكل فى أعمال، صلاح جاهين، يحيى الطاهر، والطيب صالح.

«قلب الرجل» رواية لبيبة هاشم، ومقدمة البحراوى عن التبعية ومحتوى الشكل، صفحة جديدة تفتح، خاصة بعد ما طرحت ثورة يناير مركزية مسألة التبعية كعائق أساسى نحو التغيير الجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 نشر فى الأهرام بتاريخ 28 يناير 2015

السبت، 24 يناير، 2015

حديث الحجر الأسود

                    
                

«عتيق رحيمى» روائى ومخرج أفغانى الآن يحمل الجنسية الفرنسية، ويحمل معها الإصرار على التعبير عن واحدة من كبرى جرائم العصر وأشدها إيلاماً وبشاعة:
 جريمة تفجير وطن وتدميره:
ثقافته وتراثه ذاكرته ومستقبله:

 من يعرف ما مصير أفغانستان الآن، طحنه الاحتلال البريطانى.. ثم الشيوعى، ثم الأمريكى، وأخيراً التهم ما بقى من الوطن فرق التطرف الدينى والملالى. وكتائب طالبان.. ومن يدرى ماذا سيأتى بعد.

ولد عتيق رحيمى في كابول 1962، مع أسرته غادر إلى باكستان عند الاجتياح السوفيتى 1984، ثم أكمل الدراسة وبدأ الكتابة في باريس، ظل يكتب بالفارسية «لغة البشتون» ثم انتقل إلى الإخراج السينمائى، والكتابة مباشرة بالفرنسية، بعد ثلاث روايات وعدد من الأفلام الدرامية والوثائقية«أرض ورماد- ملعون ديستويفسكى- ألف منزل للحلم والرعب» كتب روايته النادرة(حجر الصبر واحتفظ لها باسمها الفارسى سنك صبور) أخرج روايته فيلماً آية في القوة والجمال، وحصل على روايته هذه على أعلى جائزة أدبية فرنسية جائزة غونكور عام 2008، وقد حققت الرواية والفيلم نجاحاً غير عادى في أوساط النقاد والمهرجانات، وكذلك حققت نجاحاً شعبياً غير عادى لتضع قضية الوطن والتراث والثقافة المدمرة أمام كل من له عينان أو بقى في داخله أثر من ضمير..

 لكن يبدو أن العالم قد أصيب«مع كل الأوبئة والأمراض الجديدة» بالعمى والصمم كبعض أبطال عتيق رحيمى «فى رواية: أرض ورماد» يكفى أن تعرف أن رواية حجر الصبر قد ترجمت إلى العربية أكثر من ثلاث مرات
«دار الساقى- دار الجمل- دار الآداب- والترجمة الدمشقية التي بين أيدينا عن دار (دال) وقد قامت بها راغدة خورى».

ظل الكابوس الأفغانى يطارد الفنان القاطن في باريس، كما يطاردنا في كل أنحاء العالم صباح مساء، لما يأتيه من خارجه وما ينفجر في داخله من مآس وجرائم ترتكب باسم الدين وتفوقت طالبان منذ 1994 على نفسها في تدمير وطن قدم للإنسانية جلال الدين الرومى- والشهنامة، وملاحم وتراثاً وأغانى، تجاور تراث اليونان والفراعنة والفينيقيين، كما حاول أن يقدم في السنوات القريبة آخر محاولات جمال الدين الأفغانى، كانت أفغانستان وطناً تحول إلى كابوس.


القشة التي قصمت ظهر البعير كانت الحادثة التالية:
لعتيق رحيمى صديق وصديقة أقاما في أفغانستان، الصديق أستاذ جامعة مثقف أما زوجته فهى شاعرة، تحمل في روحها صوفية الرومى ومعرفة بالتراث الشعبى الأفغانى، خاصة في شعر ومواويل الوحدة والحزن وحياة النساء، وقد حقق شعرها انتشاراً كبيراً في الداخل رغم الحصار والرقابة وترجم إلى لغات أجنبية عديدة، خاصة الفرنسية، بتحريض من عائلة الزوج التي تحاول حماية مصالحها الداخلية وسمعتها واسمها، حاول الأستاذ الجامعى منع زوجته الشاعرة «ناديا أنجومان» من كتابة الشعر وإلقائه في التجمعات، ورفضت الشاعرة الاستجابة، وكانت ناديا قد أنجبت طفلها الأول، اعتدى عليها زوجها الأستاذ الجامعى بالضرب، وحدث أن توفيت الشاعرة وحوكم الزوج، في السجن حقن الرجل نفسه بالبنزين وتوفى، سافر عتيق رحيمى 2005 إلى كابول وحاول تحقيق الجريمة وجمع تفاصيل ما حدث، أغلب الأطراف رفضت الحديث.


 العائلات أغلقت في وجهه أبوابها، وأراد الجميع إخفاء الجريمة والعار الذي يكشف حالة البؤس العقلى والفكرى الذي تعيش فيه البلاد، جمع رحيم عتيقى أوراقه وشتات نفسه وعاد إلى هناك لكى يكتب روايته القنبلة المحمومة التي حملت فيما يقرب من 150 صفحة عمق المأساة وبشاعة الواقع الذي تعيشه أمة بأكملها في القرن الحادى والعشرين.

في التراث الشعبى الأفغانى أسطورة تقول إن لكل إنسان حجراً أسود ثميناً إذا عثر عليه ووضعه أمامه وجلس إليه يحكى همومه وأحزانه وشكاواه، فإن الحجر يسمع ويسمع ليحمل عن الإنسان كل همومه، وفى النهاية ينفجر الحجر ويتبعثر إلى شظايا، حول هذه الأسطورة التي يرددها الناس وفيها إشارة خفية إلى الحجر الأسود التاريخى الشهير الذي يحمل عبر ملايين السنين شكاوى وأحزان ودعوات ملايين الحجاج، سيأتى عليه يوم ويفيض به الكيل لكى ينفجر، ويكون هذا اليوم هو نهاية العالم، حول هذه الأسطورة نسج الفنان واحدة من أكثر الروايات التي أعرفها تشويقاً وحداثه، رواية مشحونة بالشعر والإنسانية والدلالة المؤلمة على واقع الحال.


منولوج واحد متصل لزوجة يمرض زوجها المجاهد السابق الذي أصيب برصاصة في رقبته ويرقد في غرفة عارية فقيرة هي كل بيته مع زوجته التي تمرضه وتشرف على سريان المحلول المعلق في ذراعه وابنتاه الصغيرتان تقبعان تحت نافذة صغيرة عليها ستارة زرقاء مرسوم عليها طيور صفراء ومحبوسة، والغرفة بعد ذلك عارية.. عارية في الصمت الواقع بين طلقات الرصاص المتبادل في الخارج وتكبيرات الصلاة وصياح الله أكبر وسعال الجيران المجاهدين في بيوتهم بالسن والفقر والخوف، لا يتحرك في الغرفة إلا فقط المحلول الذي يبقى الرجل الجريح حياً، وذبابة بليدة لا تجد ما تأكله، وعنكبوت ضل طريقه إلى بيته المنسوج على القوائم الخشبية الفاسدة التي تقيم السقف.


كان الملا «شيخ الجامع المجاور» قد وصف للزوجة طريق الشفاء: أن تجلس عند رأس زوجها، وأن تقرأ قرب رأسه صفحات من القرآن، وأن تستمر طوال ثلاثة أسابيع تردد على مسبحة سوداء أسماء الله الحسنى وأن تراعى المحلول «والقطرة» في عينيه وتحاول أن تبقيهما مفتوحتين.


الرواية هي رصد فنى شعرى لمنولوج يدور داخل ذهن الزوجة، يخرج أحياناً في شتات وأحياناً يتحول تماماً إلى الداخل، في تذكر متصل لتفاصيل حياتها منذ الطفولة، ثم قصة الارتباط والزواج الذي استمر الآن ما يقارب عشر سنوات خالية تماماً من أي معرفة أو اقتراب حقيقى من الآخر، الأسرة الكبيرة رتبت الزواج والمجاهد البطل في ساحة الجهاد.


وعقد القران في غيابه، في حضور الأهل، وصورة للبطل على الحائط وإلى جواره خنجر، وبقيت العروس تنام إلى جوار أم البطل في سريرها لكى تحرس عفتها وعذريتها للمغوار الذي يعود فيختلط عليه الدم الشهرى بدم العذرية، لا فرق المهم الدم، في العنق أو على اليد، البطل عاطل مجرم عاشق خائب ومدمن أفيون، والحياة تحولت إلى ذهول، وفقد المجتمع ذاكرته ومستقبله ومصيره، خوف متوارث من عقيم النساء أو إنجاب البنات حوّل الزواج إلى كذبة ومحاولة خداع، عاشت المرأة سنواتها العشر منتهكة، مستباحة، يستعملها الزوج متى شاء، وهى تخدعه عند الحكيم المشعوذ لكى تهرب من تهمة العقم ولكنها تسقط في فخ إنجاب البنات، والمجاهد تحول إلى فرد في عصابة تتصارع على السلطة والرصاصة التي في عنقه أصيب بها في شجار في سبيل سب أمه وليس في جهاد وفى سبيل الله.


وجدت المرأة التي لا اسم لها
«لا أحد في الرواية كلها له اسم كلهم أشباح» وجدت المرأة أخيراً في الزوج الراقد الذي لا ينطق حجرها الأسود وهى تحكى له بشكل متواصل كل ما كان في حياتهما معاً من ظلم وقهر ولا إنسانية، وتدخل الغرفة أشباح بلا اسم لمجاهدين بلا أسماء يحملون السلاح ويبحثون عن صيد:
طعام أو نساء، أو ساعة في يد المريض أو دبلة زواج ذهبية، والمرأة بلا إرادة وبلا اعتراض تسلم نفسها لشبح من الأشباح بعد أن كانت قد صرفت ابنتيها إلى دار عمة تعيش مستترة من غبار المعارك والغباء.


الشيخ يتهمها بأنها لا تتقن القراءة ولا التسبيح، تبدأ بالاسم السادس عشر «القهار» وتنتهى بالاسم الأخير الصبور عيونه مفتوحة ولا أحد يدرى إن كان يسمع الاعتراف المتواصل المذهل الذي تصبه على رأسه تحت الصورة التي شهدت عقد القران، وإلى جوارها الخنجر.


وفى نهاية عبثية كنهاية العالم، يتبادل الزوجان في حركة أخيرة الانفجار، هو يخبط رأسها في الجدار لتغرق في دم قرمزى، وهى تغرز الخنجر في الصدر الذي يصدر آخر الأنفاس.
رواية فريدة، تحدث في غرفة واحدة عارية، كأنها أفغانستان أو كل العالم الذي فقد السمع والبصر والضمير.


حجر الصبر، رواية عتيق رحيمى
ت: راغدة خورى
دار دال للنشر، دمشق 2014.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر هذا المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 24 يناير 2015

السبت، 17 يناير، 2015

لويس عوض: معلم يبحث عن الحرية

                 
                 

مائة عام مرت عليه وهو يعلم الحرية والصدق في الفن والحياة منذ وعى وفكر وكتب حتى ما بعد الرحيل، تصادم كلماته القيود وفكره يدافع عن الصدق، وكتبه ترسى قواعد فن ينفع الناس.


لويس عوض المعلم الأمثل، واحد من أعظم ثمرات أرض المنيا، مركز مغاغة قرية شارونة، رحلة كفاح وعمل وإخلاص لقيم ومعايير صاغها لنفسه، لم يخضع ولم ينكسر رغم كل الضغوط والإغراءات والمضايقات، راهب قبطى صعيدى، خارج الدير.. صعب المراس حر وصادق حتى النخاع، معشوقته السمراء «مصر» كتب فيها قصيداً نثرياً إبان أزمة مارس عندما طرد من منصبه كأستاذ في الجامعة نشره في جريدة الجمهورية، ولم يطبع إلا في كتاب «لمصر وللحرية» الذي لم يصدر إلا في بيروت.


بلدهم شارونة قرب قرية الكيلو التي أنجبت طه حسين، وقريتهم أنجبت يوسف الشارونى، أستاذ القصة القصيرة.

 يقول لويس عوض في «أوراق العمر» وهو يتكلم عن طفولته وقريته وعائلته الصعيدية القبطية:
 «إننا كأسرة نقدس التعليم ونتضامن لإتمامه إلى أقصى حد مستطاع أو متاح، الهجرة من الريف إلى المدينة تنتهى بذبول الترابط الشخصى بين البشر. للمدينة دستور لا شخصى، غير دستور القرية الشخصى. مشكلة المدينة المصرية أنها أضاعت دستور القرية دون أن تكسب دستور المدينة، نحن معلقون بين أخلاق القرية وعقليتها وبين أخلاق المدينة وعقليتها.


منهجه في كتابه هذا- الوثيقة التاريخية النادرة- يجمع بين الشخصى والعائلى وتاريخ المجتمع والبلد.

«ليس في أسرتنا سوى محام واحد، وليس فيها قضاة أو وكلاء نيابة أو ضباط جيش أو بوليس أو عمال فنيون، أما التجار فقلة نادرة.

 أغزر مهنة فيها هي الهندسة ثم الطب ثم أستاذية الجامعة في العلوم أو الآداب.

 بعبارة أخرى نحن لا نشتغل بضبط المجتمع ولكن نشتغل بخدمته وزيادة إنتاجه».

«نحن آل عوض، لنا بعض الخصائص النفسية والأخلاقية المشتركة:
 إننا لا نكذب، لا نعرف كيف نكذب.. لا ننتظر شيئاً من الناس ولا نعطى شيئاً للناس إلا للمستحقين، وإذا أحببنا أو احترمنا أعطينا الكثير دون مقابل، إننا دعاة احتجاج ورفض ولسنا دعاة شغب أو عدوان أو صراع، لا أظن أنى وجدت (عوضياً) يقيم وزناً للمال».


قالت لى خالتى الفلاحة، وأنا وهى وحدنا في الحقول ليلاً، ألا ترى القمر جميلاً انظر!
 تذكرت الروايات عن جدى الذي كان يعد فرق النجوم وهو يمشى وسط الحقول وحده.


ربما كان في أسرتنا مسٌّ مما يصيب الشعراء وأهل الفن».
الحقيقة أن الأسرة ظلت تتزوج زواج أقارب، وهذا علمياً له ما له وعليه ما عليه.

لكتاب «أوراق العمر» مشكلة مع شقيق المعلم الكبير نتمنى أن تحل لكى نرى للكتاب- ولباقى المؤلفات طبعات جديدة منقحة تصل للناس، هذا أفيد من الاحتفال القصير الذي أقيم لمئوية ميلاده.

 في الكتاب أسرار عائلية كما في كل عائلة، وفيه اعترافات بحياة شاب يتعلم الحياة والحب والجنس ويفكر في السياسة والدين. والمعلم يقود خطانا للتعرف على كل هذه الزوايا، التي يصر مجتمعنا على أن يخفيها في الظلام أو وراء بيت العنكبوت.
يقول المعلم عن نفسه:
«عيون آل عوض أجمعين لا يمر خالج في القلب ولا فكرة في العقل إلا وتراه ناطقاً في العيون».

«أوراق العمر» كتاب ضخم حر ثورى يقترح على المفكرين والدارسين في الاجتماع والتاريخ والسياسة عشرات الموضوعات للدراسة والتحقيق الجديد الآن بعد أن توفرت وسائل بحث ومناهج ودراسة وتحليل جديدة.


سعد زغلول وثورة 19 كلها يقول المعلم إنها في حاجة إلى دراسة منهجية جديدة «أظن أن هذا يتم الآن» يقول وهو يتحدث عنها ليت كان لها جبرتى
«أظن أن الأيام الحمراء بذرة لدراسة موسعة»، كما يقول
 إن سعد لم يكن عاطفة ولكنه كان عقلاً مسيطراً، يقول إن ثلاثية محفوظ تتكلم عن ثورة 19 بشكل جانبى، ومن وجهة نظر تجار الحسين فقط، ويرى أن عودة الروح للحكيم أقرب لتصوير الحالة الثورية، عن سعد زغلول الذي احتل مكاناً خاصاً في عقل وقلب المعلم الشاب يقول إن صحفياً فرنسياً اسمه سان بريس يصف سعد في رسالته التحليلية لجريدة «الجورنال» في 24 أغسطس 1927 يقول المراسل:
«أنا ما قابلت زغلول باشا مرة إلا وسألت نفسى: كيف أمكن لهذا الرجل أن يمارس على شعب بأسره تأثيراً مغناطيسياً بالمعنى الحقيقى لهذه الكلمة، فهو طويل القامة جداً، صلب البنيان، وهو بارد الطبع للغاية، قليل الكلام جداً، وهو أبعد ما يكون شبهاً بزعيم ديماجوجى «زعيم رعاع كما تطلق عليه الصحافة الإنجليزية»، لاشك أن نظرته كانت تتقد باللهب، ولكنه لهب مكبوت بقوة تتجاوز قوة اللهب».


إلى جانب «البروفايلات» الـ8 التي أوردها «المعلم» لأفراد أسرته راسماً من خلالها زماناً ومكاناً بفنية عالية تقارب فنية الرواية يقدم لويس عوض اقتراحاً هاماً بتحقيق عدد من الجرائم والأحداث التي شغلت الرأى العام وكونت اتجاهات في الفن والسياسة. 


يحدثنا عن ريا وسكينة، وأدهم الشرقاوى، وقضية مرجريت فهمى التي قتلت زوجها كامل فهمى بك في إنجلترا، كما يطرح للبحث قضية مأمور البدارى وتعذيب الأهالى وإعدام المأمور. يناقش العلاقة بين الحوادث والفلكور والروايات الشعبية.

أهم دراسة سياسية يقدمها الكتاب هي دراسته لتركيب وتطور حزب الوفد، الحزب الحقيقى الوحيد الذي لعب دوراً أساسياً في السياسة المصرية، ثم درس حوله أحزاب الأقليات وتحالفات المال والمصالح حتى وصل إلى نشأة حركات «القمصان» السوداء والخضراء، ودخلنا في نشأة الفكر الفاشى والنازى في المجتمع المصرى، والذى وجد له عروقاً امتدت إلى داخل الإخوان وإلى بعض التشكيلات التي لجأت لها ثورة يوليو حتى انتهت إلى تحالفات السياسة والسلطة، وكفت السياسة عن أن تكون خدمة للمجتمع والناس.

يقدم الكتاب رصداً لمقررات ومناهج التعليم الابتدائى والثانوى والجامعى، ويكتشف مدى التردى الذي وصل إليه حال التعليم عندنا.توقف الأستاذ «المعلم» عند حصص الدين في المدارس وكيف تنتهى إلى تعميق انقسام المجتمع ولا تقدم فائدة تذكر لا للمسلمين ولا للمسيحيين رغم ذلك نراه يقول:
كنا نحفظ نماذج من القرآن الكريم لا بوصفه كتاباً دينياً ولكن بوصفه كتاباً أدبياً.

 كنت أجد متعة كبرى في استظهار بعض السور كاملة أو مجزوءة، قوى ذلك إحساسى باللغة العربية وانعكس على أسلوبى العربى حين قرأت قول شوقى:
فما عرف البلاغة ذو بيان.. إذا لم يتخذك له كتاباً
وقد أغناه هذا البيت عن كل الكلام الميتافيزيقى عن
«إعجاز القرآن».

يشير المعلم إلى المحنتين الأساسيتين اللتين تعرض لهما:
 محنة «الجنرال يعقوب» التي اعتمد فيها على دراسات موثقة كان أحد أعمدتها العالم الكبير شفيق غربال، ثم المحنة الثانيةوهى محنة كتاب «فقه اللغة»، التي أوجعته، لأن الكتاب قد تمت مصادرته ووجهت إليه اتهامات ظالمة بالإساءة لمصر وللإسلام، وهو كان يصر فقط على فصل البحث العلمى عن المقدس الدينى.


يذكر المعلم علاقته بسلامة موسى ويعقوب فام، كما يروى جمال العلاقة التي جمعته مع طه حسين وتذبذب رأيه وعلاقته مع العقاد.

من أهم الكلمات التي توقفت عندها هو تكراره للابتذال الذي استعملت به كلمة الاشتراكية، وأجمل كلماته التي يقول فيها: أحيانا أمارس غطرستى الفكرية مع الخائفين من المعرفة وأعداء ما جهلوا.

إليك محبة وسلام حيث كنت أيها المعلم العظيم.

أوراق العمر «سنوات التكوين»
 مكتبة مدبولى- القاهرة 1989

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 17 يناير 2015

الأربعاء، 14 يناير، 2015

الثورة المضادة لا تنتصر





فرض هذا الموضوع نفسه على كلماتى القليلة التى أكتبها هنا كل اسبوع. 

الموضوع والكتاب والمؤلف: الثلاثة يستحقون
وقفة سريعة ويستحقون لفت النظر إليهم.. الموضوع هو «داعش» السحابة السوداء الجديدة التى انقضت على ما أطلقوا عليه الربيع العربى فكادت تخنق كل مافيه من نسيم جديد وأمل ونور «داعش» عودة الجهاديين كتاب جديد،كتبه المراسل الحربى والصحفى المميز الايرلندى(باتريك كوكبيرن )

ـ أيرلندى مواليد1950ـ يغطى حروب الشرق الأوسط منذ 1991ـ له ثلاثة كتب عن أزمة العراق،منذ سقوط صدام.
آخر جوائزه لقب: «أفضل مراسل أجنبى 2014ـ » وله أيضا كتابان أدبيان واحد عن تجربته الشخصية مع شلل الأطفال، والثانى كتبه مع أبنه الذى كان يعانى من الشيزوفرنيا (الفصام) وباتريك كوكبيرن كان بالنسبة لى اكتشافا لما يمكن أن يكون عليه الصحفى الأمين الذى يتحمل مسئولية وشرف مهنته.


داعش أو عودة الجهاديين كتابه الذى ترجم إلى العربية فور صدوره 2014 ترجمته: ميشلين حبيب،وصدر عن دار الساقى 2015) يوصف فى أوساط المتخصصين بأنه كتاب رائع هكذا قالت عنه محطة الإذاعة البريطانية وقد أفردت له المجلة الفكرية الأدبية البريطانية المحترمة (لندن لعرض الكتب) صفحات عدة للنقد والتحليل.

كتب باتريك كتابه من موقع الأحداث متجولا فى مناطق الاحتلال المفاجيء الذى غطته تلك العاصفة الحمقاء فى العراق وسوريا.
جمع أحاديث مع القادة والقواعد، وحقق صحة أغلب أشرطة الفيديو التى أذيعت فى التليفزيونات وعلي«اليوتيوب» لكى يثير عواصف الفزع التى استعملتها داعش كواحدمن أهم أسلحتها.
كما اعتمد الصحفى المدقق على واحد من أهم المصادر الآن للأخبار المدققة غير المغرضة:
وهى التقارير التى تصدر عن: مؤسسة الأزمات الدولية فى بروكسل ICG، وهى مؤسسة تعمل على دراسة ومحاولة تقديم اقتراحات بالحل للأزمات الدولية المتصاعدة منذ 1995 (مؤسسةغير حكوميةـ غير ربحية ـ تجتمع بشكل شبه دائم. ويصدر عنها نشرة يحررها أكبر خبراء السياسة والاجتماع والاقتصاد) منذ 11 سبتمبر 2001 أطلقت الولايات المتحدة لأسباب بعضها معروف وبعضها غير معروف مازال يطلق عليه (الحرب على الإرهاب) وتورطت فى حروب أفغانستان والعراق وليبيا.

تطورت أسلحة وإستراتيجيات جديدة، وشهد العالم نظريات جديدة، فى الفوضى الخلاقة، وعواصف الصحراء، وحروب التليفزيون ومعتقلات حديثة، وطرق مبتكرة للتعذيب وانتزاع الاعترافات (وجود أسلحة نووية، وعلاقة بين صدام والقاعدة، انتزع من معتقلين تحت الايهام بالغرق) ودخلت الولايات المتحدة فى مجموعة متتالية من التقارير السياسية الخاطئة فيما يتعلق بالشرق الأوسط وشمال افريقيا، مع ملاحظة بقاء وتصاعد الدعم الاقتصادى والعسكرى لإسرائيل وتجاهل تام للقضية الفلسطينية.


أعلنت الحرب على الارهاب وتم تجاهل أهم عنصرين فى الموضوع العنصر الفكري، وعنصر التمويل الذى يتدفق على العصابات الإرهابية خاصة من الدول المتحالفة شكلا ومضمونا مع الولايات المتحدة.


الإسلام لا يحتمل الآن ولا يدعو لحرب كحرب الثلاثين عاما التى شهدتها أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، لا يعرف الوعى ولا الضمير الاسلامى حربا كريهة كتلك التى تبذل مختلف الجهود لإذكائها بين الشيعة والسنة.

توصل الشيخ شلتوت عليه رحمة الله مع عدد من مشايخ الأزهر إلى مواقف فكرية وفقهية كادت تصفى هذا النزاع الذى يلقون عليه كل يوم نارا جديدة منذ اعلان الحرب على الارهاب؟


الأساطير الجوفاء، منذ سيد قطب إلى بن لادن إلى البغدادى كلها شروخ عميقة فى جدار الإسلام القرآنى النبوى السمح الخالد (يشير كتاب باتريك هذا إلى دراسة مهمة لا أعرفها للدكتور:
على علاوّى أحاول العثور على كتبه)


ماذا تحمل داعش لنا أو للإسلام.
فاشية نازية مضافا إليها جهل وتخلف تستغل أزمات فراغ ذهنى وفكرى عند شباب واقع تحت تأثير أنواع مختلفة من مخدرات مخلقة.وفقر وعشوائيات، وغياب رؤية للمستقبل، وهى استراتيجية عسكرية كأنها أفعى بين الصخور.
بعد سقوط الموصل شهد (عواد إبراهيم على البدرى السامرائي) حفلا حرق فيه بعض المجاذيب الأجانب جوازات السفر وقالوا: لا بلاد ولا أوطان.. كلها أرض الله.
 قالوا لكندا وأمريكا نحن قادمون لندمركم.
وكذلك قالوا للبلاد العربية،انقسموا بعد ذلك إلى عصابات تتصارع على الغنائم!

الغنائم قليلة يا ضباع!


منذ أن اندحرت الشيوعية، وغابت الحركات القومية، لم نعد نملك سوى العقل.وأنتم تحملون منجل الموت ورائحة القبور المفتوحة.
 أزمةالثورة العربية، ومتاعبها لن تنتهى بنا إلى ظلامكم.. داعش والجهاديون والخلافة الإسلامية جحافل الثورة المضادة التى لا يمكن أن تنتصر.

كتاب (داعش لباتريك كوكبيرن) المراسل الأيرلندى الحر، الذى عرف حرب أيرلندا ينتهى إلى القول باستحالة انتصار الثورة المضادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى الأهرام بتاريخ 14 يناير 2015