السبت، 30 مايو، 2015

لحظة الحقيقة.. «وراء القمر»





«إنها لحظة الحقيقة، لحظة الموت والحياة معاً، لحظة تتداخل فيها الأزمنة ويتلاشى الفارق بين الماضى والحاضر والمستقبل».

وراء مثل هذه اللحظات تدور قصص المجموعة التي أصدرها محمد سلماوى في عمله الأول الذي يبدأ به تفرغه للكتابة بعدما يقارب نصف قرن من الانشغال الدائم بالصحافة وبالعمل العام في الداخل والخارج، فقد أصدر ورأس تحرير أكثر من إصدار صحفى ناجح، ورأس اتحاد الكتاب لعشر سنوات خصبة منتجة، كما بنى علاقات خارجية مثمرة مع عدد من أهم المؤسسات والشخصيات المؤثرة في ميادين الثقافة والأدب، وقبل وبعد جائزة نوبل التي توج بها الإنسان المعلم الأديب الراحل نجيب محفوظ كان محمد سلماوى نعم الصديق والمساعد الذي خاض معه السنوات الصعبة الأخيرة بما فيها من اعتداء قبيح وإزعاج وضوضاء الشهرة التي صاحبت الجائزة، واخترقت أستار الهدوء والخصوصية التي عاش وأنتج في ظلالها العبقرى الراحل، كان سلماوى هبة إلهية ووزير خارجية ويداً وفماً للرجل الغالى في السنوات التي سبقت رحيله.

خلال كل هذه الأعباء النبيلة لم يتوقف الفنان عن الإبداع، في المسرح.
قدم تسع مسرحيات، وتسع مجموعات قصصية، وديوان شعر، وروايتين، إلى جانب عدد من الأعمال الفكرية والسياسية، كان آخرها كتاب الطلقة الواحدة عن تجربة الإخوان المريرة في الحكم، يقف على رأس هذا الكم الكبير من الأعمال بالنسبة لى روايته الجميلة الخرز الملون «1990» وترجمته الجميلة لرواية
«مسيو إبراهيم وزهور القرآن» (2005)

أستعرض كل هذا التاريخ الإنسانى والفنى الخصب لكى أشير إلى ما يمكن أن نتوقعه منه بعد إعلانه التفرغ للكتابة، رئاسته لاتحاد الكتاب ودوره في لجنة الخمسين التي وضعت دستور 2014 كانا عملين يشعر كل منصف بالامتنان الدائم له عليهما.

يعيش هو الآن- معنا جميعاً- لحظات صعبة، لحظات الحقيقة، لحظات كشف، ومواجهة للنفس، لحظات قرار واختيار، وقد كان اختياراً موفقاً أن يقدم الآن هذه المجموعة القصصية
«ما وراء القمر»، هي مجموعة مكتوبة بدقة ومرتبة بنظام في ثلاثة أبواب «كأنها عمل درامى متصاعد» حول فكرة محورية، وشعور قلق مؤلم، بعمق المشاكل التي نواجهها في لحظتنا التاريخية هذه، والوعى بضرورة الكشف والمكاشفة واستحالة الهرب أو دفن الرؤوس في الرمال.

العالم الآخر عند المصريين القدماء هو «دوات» الذي يقع فيما وراء القمر، باستطاعة الأرواح التي تسكنه أن تنتقل ما بين العالمين كلما أرادت، بهذه الكلمات يصدر الكاتب مجموعته المكونة من 11 قصة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء:
 الكتاب لا يموتون، وماء البحر، رسائل ما بعد الرحيل، في كل قصة دقة كدقات المسرح تشير إلى وجع في خريطة الجسد المصرى- بل العربى- المحموم المتألم.

ولكن هناك دائماً قمراً له وجهان:
مظلم وآخر مضىء، أرواحنا مع الكاتب الفنان في رحلة أبدية بين الوجهين.

في قصة ثمانية أيام التي تصف رحلة عذاب 142 مهاجراً غير شرعى في قارب يقطعون البحر الأبيض بعد أن دفع كل منهم دم قلبه في مغامرة مجهولة المصير، يقول الكاتب الذي يقطر الألم من كلماته العارية:
«أهذا ما آلت إليه الوحدة العربية؟!
 ألم يعد هناك ما يوحد العرب غير رغبتهم في الهجرة من أوطانهم».. «لم يغفل لى جفن في تلك الليلة التي ظل القمر يشغلنا فيها، فتارة ينظر إلينا بضوئه المنير وكأنه يحصى عددنا وتارة أخرى يعطينا ظهره، فتحجبه السحب ويعم الظلام».

في وحدة الراوى وقلقه الكامن يأتى من وراء القمر كائن لا تعرف إن كان حقيقياً أو روحاً افتراضية، يأتى «فادى» كائن نحيل جميل أثيرى الهيئة، لم يكن يراه إلا ليلا عندما يظهر القمر. 

سورى يسلمه في الخفاء أوراق هي أوراقه الثبوتية، يسأل عنه في النهار فلا يجده، لا أحد يعرف عنه شيئاً.

وعندما يسأل عنه تكون الإجابة والرحلات البحرية تشهد الكثير من الغرائب، وما أدراك أن فادى كان على المركب أصلاً، هذه الأوراق المجهولة من الشخص الأثيرى الغامض هي التي مكنت الراوى من دخول إيطاليا حيث لم يكن ممكناً تقديم طلب الهجرة إلا للقادمين من بلاد فيها حروب.

وعندما تنتهى رحلة العذاب التي قطعها الجمع البائس بين وجهى القمر أمام ضابط الجوازات الذي يسأل الراوى:
«هل تطلب اللجوء؟»
قال فادى بصوتى: نعم

بهذه النهاية الفنية المحكمة تكتسب القصة ورحلة العذاب كلها بعداً آخر أكثر واقعية وأكثر إيلاماً.
                     ■
في شجاعة فنية محسوبة اقتحم الكاتب اللحظة الفاجعة التي ذبح فيها الإرهاب المجنون 21 شاباً قبطياً من حبات عيون مصر على الشاطئ الليبى المهجور والقمر شاهد باك حائر، يقول في قصة «21 طلقة» المدرجة في القسم الثانى المعنون دماء البحر:
«لا يذكر أنه شاهد القمر منذ أن سافر وترك أسرته، وكأنه أعطى لهذه الدنيا ظهره، فلم يعد يظهر منه إلا جانبه المظلم، أما البحر فقد بدا لونه رمادياً حزيناً في هذا اليوم الغائم، نظر إليه وتساءل إن كانت مريم «زوجته» تنظر إليه في هذه اللحظة هي الأخرى؟
 ففى هذه الساعات الأولى من النهار تستيقظ لتأخذ ميلاد «ابنه» إلى الحضانة، فهل تذكرت أن تنظر إلى البحر؟
شاهد وجهها الحزين كوجه العذراء وأحس بوجودها معه، ولكن هل تعرف ما هو فيه؟! 
هل تعرف ما ينتظره من مصير؟!».

يترك الكاتب الفاجعة تدور وتصور نفسها في إيقاع فاجع حتى يكمل الزبانية جريمتهم البشعة إلى أن يقول:
«هبت الرياح غاضبة تزمجر، وصرخت النوارس، اكفهرت السماء، وتبدل الجو وكأنه انقلب ليلاً، سالت الدماء على الرمال وسارعت إليها أمواج الشاطئ تحتضنها لتعود بها إلى البحر كأنها أمانة تخصها، انقلب البحر أحمر ينزف دماء حزناً على أرواح الأبرياء.. وسمع هدير الرعد من بعيد في طلقات تكررت إحدى وعشرين مرة مع كل رأس تقطع وكأنها إحدى وعشرون طلقة مدفع أطلقت في مناسبة وطنية جليلة».

«فى تلك اللحظة، كانت مريم تنظر إلى البحر كما كانت تفعل كل صباح، لكنها اليوم شاهدت وجه زوجها يطل عليها من السماء منيراً كالبدر الوضاء فتبدل حزنها المقيم طمأنينة وارتياح، نادت بسرعة على ميلاد وقالت له:
«انظر يا ميلاد هذا والدك هناك مع الملائكة في السماء».
                      ■
«شجرة اللوز» التي ظلت نابتة خضراء وسط غابات العمارات الأسمنتية في حى المهندسين تخرج في الربيع زهورها البيضاء الجميلة ذات القلب الوردى، وأدخلت فرعها الأخضر الجديد إلى نافذة غرفة نوم السيدة التي ظلت لسنوات ترعاها وتكلمها حتى تؤنس وحدتها في هذا المحيط الموحش، مرضت السيدة ودخلت المستشفى في مرض خطير لم يترك لها سوى أيام معدودة، حمل الزوج المحب الراعى الفرع الأخضر الوليد إلى سرير المريضة التي تعانى سكرات الموت، وعندما اضطر الزوج أن يغادر زوجته المحتضرة لوداع شقيقه المسافر، حمل الفرع روح المرتحلة لكى تودع الزوج الذي شعر على البعد
«كل التعب والقلق قد تبخر» ولم يدم عناقهما الأثيرى إلا لحظة ولكنها كانت لحظة الحقيقة التي تساوى العمر بأكمله.. وتركته ومضت في طريق المسافرين.
                      ■
في قصة وصية الأستاذ التي تحكى في غضب مكتوم ما صاحب جنازة نجيب محفوظ من عبث الدولة والرئاسة، التي أصرت على أن تكون الجنازة عسكرية، في حين كان حلمه أن يشيع جثمانه أهل الحسين الذين عاش لهم وبهم، يقول محمد سلماوى الذي حمل سنوات الراحل الأخيرة بكل نبل ووفاء كما حمل جثمانه ودافع عنه، رغم العبث الرسمى الذي أصر على إخراج لحظاته الأخيرة عن سياقها الإنسانى الذي عاش الأديب الكبير يحلم به: 
يقول: 
«كان القمر بدراً، لكنه لم يرتفع في السماء، بل تدلى فوق المدينة أصفر حزيناً رأى وجه الأستاذ في القرص الأصفر، وكان متألماً .

ما وراء القمر، قصص، محمد سلماوى
الدار المصرية اللبنانية 2015.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى المصرى اليوم بتاريخ 30 مايو 2015 

الأربعاء، 20 مايو، 2015

الوطن حاضر رغم البعاد




نتيجة بحث الصور عن الشاعر حمزة قناوي


الشاعر والكاتب حمزة قناوى (مواليد 1977) شاعر غزير الإنتاج وكاتب مجتهد مثير للجدل.

 فرغم عمله وبقائه خارج مصر (فى الإمارات) إلا أنه أصدر فى الآونة الأخيرة ثلاثة كتب أثارت جدلا فى الأوساط الثقافية المشغولة بإعادة ترتيب أوراقها بعد ثورة يناير ومعجزة يونيو.

أقصد كتابيه عن الفترة التى قضاها مساعدا للعالم اليسارى المصرى الراحل أنور عبدالملك، قدم عن هذه الفترة كتابين: المثقفون: أوراق شاب مصري.
دواوينه الشعرية بلغت 7 دواوين، أما آخر مواليده فهو الكتاب الصغير الجميل.. باتجاه الطريق، الذى يضم عشر لوحات قصصية قصيرة تمتاز بالحدة والشاعرية وبالصوت الجديد. اهدى كتابه »إلى البشر المتعبين والفقراء: ملح الأرض وزهورها.. ثم عاد فاهداه للدكتور سيد البحراوى الذى علمه ومازال يعلمه الكثير.

رغم غيابه عن مصر فهو موجود ومسموع فى مصر وفى العالم العربي، وكتابه الأخير باتجاه الطريق.منشور فى دار الثقافة الجديدة بشكل أكثر من أنيق.

وقد حصل حمزة رغم صغر سنه على عدد كبير من الجوائز داخل وخارج مصر.
لا أرى داعيا لنبرة الغضب التى تبدو أحيانا فى بعض أحاديثه الصحفية ليس هذا موضوعنا على أية حال!

يقول فى اللوحة القصصية التى تحمل عنوان المجموعة
»باتجاه الطريق«:
«قلتم لنا أن الأدب يغير العالم، العالم لا يتغير. الأدب صورة باهتة لحقيقة العالم القائمة على الفعل، القوة تحكم العالم وتحرك كل ما فيه حتى الأدب، أذكر لى نصا أدبيا حرر البشرية من الفقر؟».

يقول فى «حياة» أول القصص:
«سقراط الذى انتحر منذ خمسة وعشرين قرنا لم يثأر لموته حتى اليوم أحد، كأنما تجرع السم ليدافع عن حقيقة وإيمان سيظل العالم يكفر بهما عبر تتالى التاريخ لا العدل أرسى على الأرض ولا القوة هزمت المنطق.. بينهما فقط تترنح الحياة آخذة فى ترنحها ضحايا من الفقراء والمعدمين ومن رمتهم المصادفة على مذبح المواجهات». أكثر، لا أقول كل الشخوص فى اللوحات العشر من هؤلاء «الذين رمتهم المصادفة على مذبح المواجهات».
واحد: تزوج، وأنجب، ومات. وآخر يحل الكلمات المتقاطعة من المهد إلى اللحد، غافل عمن يستجير به وعن أولاده وعن أحفاده وحتى عن حياته وموته. ومن فشل فى مصارحة حبيبته حتى «فى الطريق إلى القوس الأخير من الحياة كان قلباهما يلتقيان فى أفق آخر، بعدما تبدد كل شيء وبقيت المسافات»!

يصف مدينة قاسية قريبة من البحر فيقول:
«واصلت المدينة مواتها بين البشر اللاهثين على الطرقات بحثا عن القوت والمتناثرين على الأطراف فى المحاجر والممددين على الأسرة فى البيوت الفقيرة والبحر لا يمنحها من بهائه سوى الزبد«.

ثم يقول عن بلدة أخري:
»ضج البلد بالثورة فظل يتابعها من خلف زجاج النافذة بعينين مندهشتين من البشر الذين يسيرون فى جماعات غاضبة كأنما يسعون لحتفهم بأنفسهم متسائلا من الذى يدفع إنسانا إلى المواجهة والموت من تلقاء نفسه، ما الذى يرغمه؟ رأى شبابا ممزقى الملابس وآخرين تسيل الدماء من وجوههم يركضون فى الشوارع أما بطل الكتاب كله أولا «بطله».

«فى السنوات الكثيرة» التى مرت لاحقا ظل على موقعه المطفأ من العالم مهادنا الحياة لا يعرف سوى طريق البيت والعمل وأرقام الحافلة التى تنقله بين المسارين«. لعل الكاتب حمزة قناوى أراد بتكرار هذه الصور السلبية القاتلة ان يبين حالة كرما فى المثقف المنعزل أو فى الإنسان الذين حرمتهم سنوات عجاف مر بها الوطن من الرغبة والقدرة على العمل الايجابى أو تذوق معنى آخر للحياة وسط الناس.

أن الذى لم يعد ممكنا هو الضحك!
فى الشعر تحرك الشاعر من فوق تلال أحزان صلاح عبدالصبور ليمد شاعريته إلى صخب أمل دنقل ورومانسية إبراهيم أبوسنة.

 يقول فى قصيدة شهيرة له حصلت على أكثر من جائزة عن الشهيد الطفل الذى أوجع موته صدر الأمة العربية من شرقها إلى غربها رغم اقامة حمزة قناوى فى الإمارات فإنه موجود فى الحياة الثقافية «فى الشمال الأفريقي»

يقول فى قصيدة: محمد جمال الدرة: آه .. يا ابت / أقبل الموت فى طلقة تنهب الأفق لاهثة نحو قلب/
كان خيطا من الضوء يخرج من جثة الطفل
يصعد نحو السماء / ويسطع فجرا على ظلمة الوطن المستلب.
فى الختام... نقف عند قصيدة جميلة مهداة إلى «أبى رحمه الله» عنوانها هذه هى الحياة، يصف فيه لحظات حزينة فى وداع والده فى بيتهم القديم فى «دير الملاك»
كان ضياء الشمس يلوح من نافذتي/ يمسح وجهى /حتى يطرد نوما يثقل فى الأحداق/ صوت تلاوة أمى للقرآن يسرى فى البيت بنور صاف/ كانت تدعو الله بأن يرحمنا بعد وفاة الأب
أمى كانت تقصد سعيي
سعيى اليائس منذ شهور خلف الرزق
وما من جدوى/ حتى ضاق العيش / وصار البيت ملاذ الفاقة والإملاق / قمت لكى اتهيأ لمواصلة السعى / أقبل أمى قبل رحيلى / يدفق من طيبة عينيها حنان رقراق
رحت أغادر بؤس البيت تجاه النور/ وداخل روحى كان ظلام اليأس/ يسافر فى الأعماق.

شاعرا وكاتبا يملك حمزة قناوى قدرة على التوصيل البارع الحاد فى اقتصاد ووضوح موجع كاشف لمحنة المثقف العربى المعاصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى الأهرام بتاريخ 20 مايو 2015 

السبت، 16 مايو، 2015

«الإمبراطور».. وعصفور النور!علاء الديبالسبت



                 


قطع الإرسال، وأعلن راديو طوكيو أن «الإمبراطور» سيتكلم ليعلن بنفسه هزيمة «اليابان»:

«جلس الكبار حول أجهزة الراديو يبكون، وتجمع الأطفال خارج منازلهم فى الطريق الترابى يتهامسون فى ارتباك وحيرة:

كنا مضطربين مشوشين محبطين، لأن (الإمبراطور) قد تكلم بصوت بشرى لا يختلف عن صوت أى آدمى، لم يفهم أحد ما كان يقوله، لكننا جميعاً سمعنا صوته، بل استطاع أحد أصدقائى أن يقلده بمهارة، أخذنا نضحك ونحن نحيط به:

طفل فى الثانية عشرة فى بنطلون قصير متسخ يتكلم بصوت (الإمبراطور)

بعدها بدقيقة شعرنا بالخوف، نظر بعضنا لبعض ولم ينبس أحد ببنت شفة، كيف يمكن أن نصدق أن تلك الحضرة العلية المهيبة المقدسة قد أصبحت كياناً بشرياً عادياً فى يوم صيف مشهود».
أغسطس 1945، كاتب هذه الكلمات هو «أوى كنزابورو» صاحب رواية

«هموم شخصية» (1964) اليابانى الثانى الذى يحصل على جائزة نوبل فى الأدب (1994)، أوى وهو اللقب واسم العائلة: من مواليد يناير 1935: أى أنه وقت الهزيمة كان فى العاشرة، تغير العالم من حوله وانقلبت الدنيا رأساً على عقب، كل ما سمعه وتربى عليه تغير، كله كان كذبا وانهار، عليه أن يعيش دنيا جديدة، يابان جديدة، كلاماً جديداً.. معانى جديدة: كله كذب.. كل شىء كذب.. لن يصدق شيئاً بعد الآن!

ولد أوى كنزابورو بقرية وسط غابات جزيرة شيكوكو غرب اليابان، عاش فى ظلال أقسى تجربة عرفتها الإنسانية: القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكى، وسط أشلاء وشظايا كل شىء: كرامته وكرامة أهله ووطنه وكل ما كان يصدقه ويؤمن به، ينتقل إلى العاصمة المضطربة: طوكيو، بقلب فارغ خائف، يدرس الأدب الفرنسى، وينشر أولى قصصه وهو مازال طالباً، ثم أول رواية 1958 عنوانها: «اقطف الزهور وأطلق النار على الصبية».

                     ■

أهم أعماله رواية: صرخة صامتة (1967)، أما رواية «هموم شخصية» (1964) التى نحن بصددها فهى أكثر أعماله دلالة على تجربته الإنسانية والفنية، وقد أصدر فى نفس العام عملاً غير روائى مثيراً أيضاً هو: مذكرات هيروشيما.

رواية لاهثة مثيرة للقلق لكنها حادة جميلة كأنها مكتوبة فى نفس واحد رغم كل ما فيها من دقة وإحكام.

البطل «بيرد» أو عصفور: اسماً وشكلاً: أب فى السابعة والعشرين ينتفض خائفاً مضطرباً فى شوارع وحوارى طوكيو ينتظر أخباراً عن زوجته التى تعانى آلام الولادة فى المستشفى، الولادة متعثرة، معها حماته، هو يتصل تليفونياً كل ساعة: ولا أخبار جديدة، عصفور فعلاً: كما أطلق عليه أصحابه وهو فى الخامسة عشرة، مازال كذلك حتى الآن، وهو ينظر إلى صورته المنعكسة فى زجاج المحال التى يمر من أمامها: «ليس فقط لأن كتفيه محنيتان يشبهان جناحين مطويين، ملامحه كلها تشبه العصفور: أنفه الأملس مدبوغ بالسمرة يبزغ من وجهه مثل منقار معقوف بحدة تجاه الأرض، عيناه مشعتان بضوء خامد كليل فى لون الغراء، تكادان لا تبديان أية عاطفة فيما عدا فتحهما وغلقهما فى اندهاشة خفيفة، شفتاه رفيعتان جامدتان ممطوطتان دائماً بإحكام فوق أسنانه وترسم عظمتا الوجنتين خطين إلى ذقنه فى شكل V، والشعر شارد نحو السماء مثل «ألسنة اللهب».

فى هذا الأسلوب المتعمد المثير للقلق تمضى ثلاثة أيام هى زمن الرواية وزمن محنة الميلاد الصعب لابن عصفور الأول: نعرف فيها كل شىء عن حياته: هذا مولوده الأول، تزوج منذ ثلاث سنوات، سيطر عليه فيها حلم دائم بالسفر إلى أفريقيا والتجول هناك لثلاث سنوات وكتابة كتاب بعنوان «سماء فوق أفريقيا» من أجل الحلم يدخر كل مليم ممكن، رغم الظروف المادية الصعبة، ويشترى كل ما يمكنه من كتب وخرائط عن الطرق والمواصلات، كذلك يمر عصفور بمحنة إدمان الخمر.

فى ذلك الصيف أمضى أربعة أسابيع متصلة، يجلس طوال اليوم إلى ساعة متأخرة فى مطبخ الشقة يسمع تسجيلات ويحتسى الويسكى.. بعد أربعة أسابيع عاد عصفور إلى وعيه من سكر مؤلم مدته سبعمائة ساعة فى نفسه الرصينة التعسة خراب مدينة التهمتها نيران الحرب، مع رغبة طفيفة فى الشفاء.

لذلك كان عليه أن يحذر من الدخول إلى أية حانة من الحانات التى يمر عليها، حتى ولا لمعاودة الاتصال بالمستشفى.

بعد عذاب ليلة طويلة يوقظه من نومه القلق فى الفجر بتليفون من المستشفى.

من فضلك احضر فوراً، الطفل غير طبيعى، الطبيب سوف يشرح لك.. زوجتك بخير من فضلك احضر حالاً..

فى سرعة تتداعى الأشياء كأنها أوراق «الدمينو» من الدراجة إلى التاكسى إلى القطار إلى المستشفى، الطبيب الكبير يأخذه بعيداً ليعرض عليه «البضاعة».. هكذا يسمى المخلوق المسخ الذى جاء، قطعة حمراء متورمة ورأس منتفخ ضخم، التشخيص المبدئى «فتق فى المخ» يجب نقله فوراً إلى مستشفى كبير متخصص، لتجرى هناك جراحة كبرى:

- فتق فى المخ، فتق فى المخ من عيب فى الجمجمة، حالة نادرة، أول مرة أراها.
- هل هناك أمل فى أن ينمو بشكل طبيعى بعد الجراحة؟
- شكل طبيعى! نحن نتكلم عن فتق فى المخ!
 قد تفتح الجمجمة ويجبر المخ على العودة لمكانه، لكن حتى بعد ذلك ستكون محظوظاً لو حصلت على كائن حى له طبيعة نباتية!

يدخل عصفور وحده إلى عاصفة، هو لا يستطيع أن يرى زوجته، حالتها لا تسمح، وحتى لو سمحت ماذا يقول لها؟

حماته هناك عليه أن يقرر وحده، يمكن ألا يفعل شيئاً، ويترك: المسخ، البضاعة، كما يقول الطبيب، ابنه..!! يموت، ويمكن أن يجرى هنا وهناك ويجرى الجراحة، والجراحة، وينفق كل ما يملك، وما لا يملك ويتبخر حلم «سماء فوق أفريقيا»، وكل الأحلام، ويدخل هو وزوجته قفص السجن مع «مخلوق نبات» إلى الأبد، الكائن نشيط جداً يتحرك، ويلتهم زجاجات اللبن التى تقدم له، يمكن فقط استبدال اللبن بالماء.. سيتوقف كل شىء وينتهى الكابوس. حكم بسيط بإعدام ابنه؟

يخرج عصفور إلى الشوارع يبحث عن مهرب، عن حل، عن قرار يأخذ زجاجة ويسكى ويدفن نفسه عند صديقة قديمة، عشيقة من قبل الزواج، مازالت تحبه، يبحث معها خلال الشراب ما كان وما هو كائن وما سيكون، يدوران معاً فى دوائر من البيت إلى المستشفى إلى الفراش ومرة أخرى من البيت إلى المستشفى إلى الفراش بحثاً عن قرار.. تجرى الجراحة، يبحث عن اسم يطلقه على المخلوق من أجل أوراق المستشفى، يشترى مع عشيقته ملابس جديدة تلائم الكائن الجديد!

مع زوجته يقرر عصفور وقد هدّه التعب عن اسم: يعنى.. الأمل أو الصبر.

                     ■

«أوى كنزابورو» عاش نفس هذه التجربة، مولوده الثالث ولد فى نفس الحالة تقريباً، وأخذ هو نفس قرار «عصفور»، وعاش كل حياته منذ ميلاد ابنه «هيكارى»، التى تعنى «النور» يرعى هذا الكائن الذى خرج بالصبر والرعاية من حالة النبات لكى يصبح الآن واحداً من أهم الموسيقيين فى اليابان.

بينما يعيش الأب معه ككاتب وواحد من أهم المناضلين ضد الأسلحة الذرية، وضد إعادة عسكرة اليابان وضد مظلة الأمان الذرى الأمريكى التى تبسطها الولايات المتحدة على الحلفاء القدامى!


هموم شخصية. أوى كنزابورو،
ت: صبرى الفضل، روايات الهلال 1994
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى المصرى اليوم بتاريخ 16مايو 2015



الأربعاء، 6 مايو، 2015

الأسماك تضىء.. أيضاً

             



تحت هذا العنوان اللافت الجميل قدم الكاتب المقتدر
«محمد سامى البوهى روايته الجديدة »الاسماك تضىء أيضاً«
 هى عمله الرابع أوالخامس.

والبوهى مواليد دمياط 1977 وأظنة مازال يعمل فى الصحافة فى الكويت.
أعماله المنشورة تمتاز بنوع خاص من التجريب الجديد، الباحث عن شكل خاص لمادة موضوعاته الواقعية الصادقة وهو يحاول التعبير عن الواقع المرتبك الصاخب الذى تعيشه الروح ـ بل والمجتمع المصرى منذ سنوات.

جرب كتابة القصة، والرواية القصيرة، وجرب طرق الكتابة الساخرة، وفى عمله هذا «الأسماك تضىء أيضاً» جرب فى نجاح شكل «الرواية الواقعية» تميل فى روح الكتابة الى الواقعية السحرية التى انطلق بها أدب أمريكا اللاتينية الى آفاق رحبة من اعادة تشكيل الواقع دون غموض ولكن فى صدق وحرارة تبحث فى وجود الشخصيات فى مكان وزمان حى ومتحرك.

صدرت روايته هذه فى العام الماضى
(2014 ـ عن دار نون للنشر) وقد استمتعت بمعايشتها مستمعا الى صوت أدبى جديد، ينقل فى حرارة الحالة الخاصة التى تعيشها منطقة بحيرة المنزلة ـ وجزرها المنعزلة وحياة الصيادين الكادحين التى زادت قسوتها وارتباكها فى سنوات ما بعد الثورة وحالات الانفلات الأمنى والاجتماعى وتبدل القيم

بعد أن دار بك العمل فى تشكيل فنى حول فكرة «النور»: من الفنار البعيد الذى يعيش فيه بطل الرواية
(ليس فى الرواية بطل : المكان هو البطل) يخرج موظف الفنار الذى يهدى السفن فى مداخل البحر الاحمر ـ يعود موظف الفنار بعد أن بلغ الستين إلى السويس ليقبض المعاش ومكافأة نهاية الخدمة، ويعود إلى أصوله فى الجزيرة المنفية فى قلب البحيرة ـ فى بحيرة المنزلة تغير كل شئ.

 لم يعد الشباب راغبا فى العمل، وفى الصيد والبحث الكادح عن الرزق الحلال.

أصبح تهريب السولار والمخدرات والبلطجة تزيد الواقع قبحا وبؤسا كما أصبح سقف بيته المتواضع لايحمى عائلته من المطر وابنه الذى كان يحلم بأن يتم بناء قاربه الصغير ليعمل عليه ويصبح مركب الريس جابر، وترك هذا الحلم الشاق وأصبح يسهر فى المقهى لتدبير تهريب السولار إلى السفن، ويحقق ربحه الحرام الهائل فى أيام يحمل الرجل حفيده ـ ابن جابر ـ ويخرج إلى عالم الرواية:

هكذا يبنى البوهى عالمه:
«نزلنا إلى قارب بدائى يلمع بين سواد الليل المنجلى، وبياض النهار المقبل بقوة كنا قد وجدناه رأسيا على الشاطئ. جلست فى مواجهة جابر أحمل حفيدى وأمرته بأن يجدف بسرعة ناحية اللسان، حتى لحقنا بأول شعاع أرسلته الشمس إلى الأرض. فوقعنا فى قلب المربع الوجودى الأعظم، الضوء، والصوت، والملح، والعذب.

بعد أن توقفنا بالقارب عند مجمع البحرين كشفت الغطاء عن وجه حفيدى ليشهد لحظة ميلاد العالم ملأت راحة يدى اليمنى من ماء النيل، وبراحة يدى اليسرى اقتلعت حفنة من ماء البحر، وأفرغتهما فى الإناء النحاسى وكررت ذلك سبع مرات ثم همست فيه بالدعاء«ياواهب النور والظلام، يانور كل شئ، يامن بنوره نهتدى.. أذهب البلاء عن عبدك ولاتأخذه بذنوبنا، وطهره بنورك الذى لايستكين»

لعل هذا المقتطف الطويل الجميل أن ينقل الى القارئ بعضا من العالم الذى تأخذه اليه الرواية وتدور به من الفنار المتوحد الى القرية المتهالكة فى قلب البحيرة أو تهرب به إلى القوارب التى تخرج عن المياه الاقليمية وتطاردها قوات اسرائيل. فتستعيد الشخصيات تجارب مرة عندما وقع أحدهم فى الأسر هناك حيث سرقوا بعضاً من جسده الحى، كما يصحبك الكاتب فى فصول متسارعة الى الاسكندرية وبورسعيد فى صحبة بعض أبناء البحيرة العاملين فى خدمة السفن الكبيرة التى تذهب بهم إلى مارسيليا بل وباريس حيث يقع فى عشق جنية من جنيات البحر تعمل فى حى البغاء فى باريس ويعود بك الى أولياء الله المدفونين فى مقامات قديمة على الشواطئ البحيرة حذرها.

الثورة حاضرة أيضاً فى أيام البحيرة هى ثورة قامت وفى حاجة الى ثورة أخرى لتنتهى الأمل يداعب خيال الابطال جميعاً ولكن متى كان الامل يغير النهايات المحتومة.

والبحر قد أخذ الجد الكبير وجاء فى الحلم يزور رجل الفنار لكى يوصيه بالحفاظ على النور ، ولكن البحر لايأخذ إلا «الطيبين ليزدان بقلوبهم ويضع منها اللؤلؤ والمرجان. التعساء وحدهم هم من منحوا تلك الارض ملوحتها بعرقهم ودموعهم.

البحر يحملنا جميعا غنىا وفقيرا، ظالما ومظلوما وهو الحاكم الوحيد الذى يثور على نفسه فيطهر أحشاءه كلما أثقلها اللمم أما نحن فنظلم أنفسنا بما تصنعه ايدينا.

فى الاسكندرية يقابل «عادل» البطل الذى نعرف اسمه قبل النهاية بقليل ـ يقابل مغنىا عجوزا يعزف على العود لحن
(حب الوطن فرض عليا .. افديه بروحى وعنيا) فيقول لنفسه: الغناء للوطن حياة.. وطن أخر يحيا داخلنا. ابن الجزيرة المنسية فى قلب بحيرة المنزلة يقول لنفسه الوطن عندى صغير للغاية.
 أما الوطن الكبير فلا علم لى إلا بما يقفز منه أمامى الان فيبهرنى.

رواية جديدة مثيرة فى شكلها وأسلوب كتابتها وفيما تحاول أن تقوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى الأهرام بتاريخ 6 مايو 2015 

السبت، 2 مايو، 2015

ضرورة الثورة الدينية





أحد الأشياء المفهومة بالضرورة من الخروج المعجز للشعب المصرى فى 30 يونيو هو الحاجة إلى ثورة دينية تنهى الفضيحة التى ألحقتها الجماعات الإرهابية التى حكمت، بوجه وسمعة وحقيقة الإسلام، ليس فى مصر وحدها ولكن فى المنطقة العربية بل والإسلامية كلها. كانت ثورة 25 يناير امتحاناً أخيراً لنوايا من يتمسحون بالدين ويستترون خلف قداسته، فقد كشفت أنهم أسرى مصالح ومفاهيم ووجود يربطهم باستغلال الإنسان والديكتاتورية والتخلف، وأن الفهم الذى يتمسكون به للدين يضعهم ضد التاريخ وضد تقدم الناس.

أصبح واضحاً بعد الطعن فى الظهر والخيانة للنظام الذى حكم بعد يونيو، وللرئيس الذى انتخب بأغلبية عظمى، أن الترقيع لن يجدى، وأن التاريخ والوقت والحالة السائدة فى العالم تطالب شعب مصر الذى عرف فجر فكرة «الضمير»: أن فهمنا وتفسيرنا لدين الإسلام فى حاجة إلى شىء لا يقل عن الثورة. الدين: موضوع حساس محاط بالقداسة، وبحراس يحرسون مؤسساته، التى تحمى «الاعتقاد الرسمى» ولا تحمى الإيمان الحق والقداسة التى لا تمس، لذلك ليس من حق أى شخص أن يتكلم فى الثورة الدينية، فتتحول هى الأخرى إلى تجارة تروج على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد والمجلات. هناك محاولات جادة فى مصر وعلى امتداد العالم الإسلامى منذ أكثر من قرن لوضع دين الإسلام فى مكانه الصحيح، فى قاطرة التقدم الإنسانى، بعد أن تحول منذ قرون إلى فضيحة فكرية، وتكلس وانغلاق إنسانى أدى إلى ما نشهده منذ ما قبل 11 سبتمبر من عنف ودماء، وفجور إرهابى وفكرى يطمس أو يكاد، ما ينادى به الإسلام من سماحة وعلم ونور.

قدم محمد أركون الجزائرى، صاحب الأصول الأمازيغية «البربرية»، الذى عاش وفكر وأنجز فى فرنسا (1928-2010) واحدة من أصدق وأهم المحاولات لنزع ستائر التخلف عن الفكر والحضارة الإسلامية: منذ أن أغلق الاجتهاد وحرقت الكتب وذبح الفلاسفة، عمل محمد أركون، وهو أستاذ فى السوربون الفرنسية، ومستشار علمى لمكتبة الكونجرس الأمريكية- عمل لمدة أكثر من خمسين عاماً فى التفكير والتأليف، والمحاضرة فى محاولة إحياء «المفاهيم الأساسية» التى زرعها القرآن الكريم والسنة النبوية فى تاريخ التقدم الإنسانى. لم يتخذ ثياب الداعية ولم يشغل قنوات الجزيرة «قرضاوى» ولم يلمع وجهه ويجمع الشباب فى الجوامع والنوادى «عمرو خالد وخلافه»، ولكن ألَّف وكتب وبحث وقدم للإنسانية مع غيره من شرفاء المفكرين الإسلاميين الصادقين، منذ أمين الخولى حتى نصر أبوزيد والجابرى والعظم، وعشرات غيرهم.

 ترسانة ضخمة من الفكر الحر والعقل المنير المسؤول الذى يجعل من الممكن الحديث عن بعث وثورة فى الإسلام مكملة ومصححة لثورة إيران فى بحر الإسلام الصاخب المتنوع الممتد من المغرب إلى أعماق الصين.

مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» فى المغرب التى تعمل منذ سنوات وتصدر الكتب الجادة والأبحاث فى الرباط وبيروت، جمعت فى محاولة رائعة لتجميع فكر الرجل وإسهاماته الصادقة، التى اتهمت أحياناً بالمروق والزندقة من أصحاب المصالح والبترو دولار والفكر الإرهابى المظلم- جمعت أساسيات فكر الرجل وإسهاماته فى كتاب واحد يحمل عنوان «التشكيل البشرى للإسلام»، يشكل واحداً من المراجع الأساسية لما نتوق إليه فى ثورتنا الغالية من ثورة دينية إسلامية شاملة.

الكتاب عبارة عن حديث متصل على امتداد أكثر من 250 صفحة يلخص فيه الرجل قبل وفاته بقليل (فى سبتمبر 2010 فى باريس) لاثنين من كبار الصحفيين المتخصصين، أكثر من 50 كتاباً ومئات المحاضرات، وراجعه بنفسه مع زوجته التى شاركته جهاده العلمى المتبتل، لتمزيق ستائر الجهل والتخلف والاستغلال السلطوى الذى قمع الفكر الإسلامى الحر، حتى انفجر فى وجه العالم فى شكل ذلك الإرهاب القبيح.

 الكتاب موجود ومترجم فى عربية ناصعة (هاشم صالح)، لا أعرف بالضبط ما رأى الأزهر الشريف فى فكر الرجل وكتابه، ولكن على كل حال: الحلال بيّن والحرام بيّن.

ولد محمد أركون فى عائلة فقيرة فى قرية أمازيغية «من البربر» مجاورة لتيزى أوزو، حفظ القرآن فى الثانية عشرة من عمره، وعمل مع والده البقال فى التجارة فأتقن العربية (العامية غير القرآنية)، وتعامل ودرس فى مدارس الآباء البيض (الكاثوليك: هناك ولد قديس الكاثوليكية الأكبر القديس أوغسطين)، وتعامل مع التجار اليهود الذين منحتهم فرنسا المستعمرة الجنسية الفرنسية، وقادته جدته العجوز إلى بئر مقدس فى الجبل حيث يستجاب الدعاء، عرف هناك التجربة الدينية الحقة التى لا تعرف التعصب والتى تعبد الخالق الواحد كلى القدرة وصانع القدر والعدل، كما عرف إقصاء البشر واضطهاد الجزائر للعنصر البربرى وإقصاءه واحتقاره قبل حرب الاستقلال، ورغم دور البربر الهام فى حرب الاستقلال إلا أن نزعات العروبة ارتكبت جرائم إقصاء واحتقار للبربر (عبرت عنها رواية ابن الفقير: مولود فرعون).

عندما سافر أركون ليدرس فى فرنسا أحس بأن تحريم التصوير وإلغاء الموسيقى ضربا روح الدين فى مقتل، فقد أحس وهو يدخل كاتدرائية ستراسبورج فى عيد الميلاد ويسمع موسيقى باخ فى الخمسينيات، ويرى النساء المصليات مع الرجال (بشىء مذهل يدوخ العقل)، عرف هناك كيف خانت الثورة الفرنسية مبادئها، وكيف مارس الدين المسيحى ممارسات تعيد التذكير بمحاكم التفتيش، وتعجب كيف يسمح الدين للإنسان باستغلال واستعباد أخيه الإنسان ثم يصلى ويعبد الله؟

درس طه حسين، وعندما وجه له نقداً عن غياب المنهج اعترض زملاؤه كيف يجرؤ على نقد عميد الأدب العربى، وبالغت الثورة الجزائرية فى إقصاء البربر، كما اعترض أركون على أفكار إدوارد سعيد لدور المستشرقين فى تحقيق التراث، وتذكر الفرنسى ماسينيون وما قدمه لأدب وحياة وشعر الحلاج.

قالوا له: الوقت ليس للعلم والبحث الفكرى الحر وإنما للأيديولوجيا التعبوية النضالية، وألغيت دراسة الفلسفة.
غابت كلمات العلم والعقل: يقول أنا لست من رجال الدين ولكننى باحث فى التاريخ، رجال الدين هم حراس الاعتقاد الرسمى وليس الإيمان.

«لقد حفرت هوة عميقة بين كلام الله (القرآن) وبين الإسلام المعاصر الذى يتكون من تركيبات بلورها البشر بعد أن كان الإسلام قد ترسخ واكتمل».

«إنهم يدرسون الإسلام فى الثانوى والجامعة على طريقة الجهل المطبق والعمى الفكرى الشامل، حيث لا يوجد بصيص نور، هنا نجد أنفسنا فيما وراء الأصول، نجد أنفسنا داخل كارثة عقلية وصحراء من الفكر، نعم إن طريقة تعليم الدين تشكل كارثة فى مجتمعاتنا، وهى سبب كل المشاكل الحاصلة حالياً فى الداخل والخارج».

انظر إلى بنجلاديش.. هل تصدق الأموال التى تنفق على بناء الجوامع الفاخرة؟ أكثر من 60٪ من العالم الإسلامى أمى، هذا إلى جانب الأرقام المفزعة للفقر.

أقلق كلام أركون المسلمين كما أقلق العرب.
«لم يصرخ العقل الدينى قائلاً: لا، أبداً لن أقبل بذلك، لن أقبل باستعباد شخص بشرى هو مثلى تماماً يشاركنى صفة البشرية! بأى حق أفعل ذلك، ليت علماء الدين ثاروا على ذلك، رغم أن كل تلك القرون كانت مليئة بالتعاليم الأخلاقية، والمواعظ الدينية والدراسات والفلسفات وكل ما شئتم من قيم».

لن أحاول هنا استعراض الفصول الـ«11» التى يحويها هذا الكتاب القيم، ولن أناقش المشاكل التاريخية التى ناقشها عن ألفاظ القرآن (كان أمين الخولى قد أثار هذا الموضوع فى القرن الماضى)، كما لن أتعرض إلى مشاكل: الناسخ والمنسوخ، أو لسورة التوبة، أو آية السيف، فليس هذا مجاله وله علماؤه المتخصصون. أشير فقط إلى عنوان الفصل الأخير: ما ينبغى أن يكون عليه «علم الإسلام».

عاصر أركون ثورة الطلبة فى ستينيات القرن الماضى، وعاصر سقوط الأيديولوجيات، وساهم فى تطوير مناهج البحث التى يطلق عليها علوم ما بعد الحداثة، درس كتباً مهملة فى التراث الإسلامى مثل كتاب: تهذيب الأخلاق.. وتجارب الأمم لمسكويه، وأكد أن مناهج البحث اللغوى والإنسانى والتاريخى التى تقدمها العلوم الجديدة سوف تكشف ما فى كتب التفسير من نقص وعوار.

إن نزع التعصب الأعمى الذى يفصل بين الأديان السماوية سوف يثرى التجربة الدينية، وإن احترام وقداسة النص القرآنى لا يمنعاننا - بل هما يطالباننا - بالبحث عن الحياة النابضة والمعانى التى غابت وسمحت لأمراض الغرض والسلطة بأن تملأ وجه الإسلام بالبثور.

إن القارئ الأمين الإنسان المسؤول يخوض مع كتاب أركون هذا تجربة دينية وفكرية غنية مليئة بالحق والعدل والنور.
التشكيل البشرى للإسلام، محمد أركون، ترجمة هاشم صالح - المركز الثقافى العربى - الرباط 2013
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة مصر اليوم بتاريخ 2 مايو 2015