السبت، 29 يونيو، 2013

جناية السمع والطاعة

            

                 

يوم غير عادى فى حياة مصر، وصلنا إليه ولا نعرف ماذا بعده. الإخوان المسلمون عنصر أساسى فى الصورة، هذا الكتاب : «الإخوان المسلمون : سنوات ما قبل الثورة» لمؤلفه : حسام تمام «1972 – 2011» كأنه رسالة أو وصية يبعث بها من العالم الآخر ذلك المصرى الصعيدى – نافذ البصر والبصيرة – لكى تضىء جنبات هذا اليوم الملبد بالاحتمالات.

هو باحث نادر فى الشأن الإسلامى «الإخوان على الخصوص» رحل قبل أن يكمل الأربعين بعد أن وصل خلال عشرات الكتب والأبحاث إلى مركز الصدارة محاضراً فى جامعات ألمانيا، ومشرفاً على عدد من المجلات والمواقع الإلكترونية فى مصر والعالم العربى.

يقول الكاتب إبراهيم عيسى فى المقدمة الشجية الحزينة التى قدم بها الكتاب بطلب من المؤلف، الذى صدر بعد رحيله :
 «أحتفظ طوال الوقت بهذه المحبة الدفيئة للتيار الإسلامى، ولكنه كان حريصاً على أن يقرأه بعقله لا بقلبه، يحلله ليضيف إليه مصححاً، يفنده ليفيده، ينقده لينقيه.

 صريحاً دون أن يجرح، مستقيماً بلا لف ولا دوران ولا مراوغة لا فى المعنى ولا فى الدلالة».

لذلك، فنحن فى هذا الكتاب أمام صورة فى الداخل :
 تضىء الماضى، وتكشف القوى المتصارعة فى الحاضر، وتلقى الضوء على احتمالات المستقبل.

لا نقف عند الحزب، فهو طرف صناعى ملحق بالجسم الأصلى الكبير، الذى شغل مكاناً مهماً فى التاريخ، فقد وجد بعد أربع سنوات فقط من سقوط الخلافة الإسلامية، وهى ليست مصادفة، ولكنها حقيقة لها دلالة، هوية الجماعة كما يراها حسن البنا هى «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية».

أما البناء التنظيمى، فهو قائم على :
 الأسرة، ثم الشعبة، ثم الكتائب، ثم المرشد، ويتلخص المنهج الذى صاغه حسن البنا فى المؤتمر الخامس للجماعة فى ستة أهداف :
 الفرد المسلم، الأسرة المسلمة، المجتمع المسلم، ثم الحكومة المسلمة، فالخلافة الإسلامية، وأخيراً يكون الوصول إلى أستاذية العالم.

بقع الضوء المتناثرة هذه تكشف أننا أمام مشروع سيطرة، طموحه بلا حدود، وأنه راغب وقادر- بل من الواجب على كل أفراده – استعمال أى وكل الوسائل للوصول، طبعاً بما لا يخالف شرع الله.

ولا تتبنى الجماعة مذهباً فقهياً بعينه، بل ترفض حتى تبنى مذهب اعتقادى بشكل صريح، رغم أنها سنية المعتقد، ولا تميل للحسم فى القضايا الفكرية إلا مضطرة لكى تظل الممثل الأول وربما الحصرى لفكرة الإسلام الشامل.

 وقد أمدها أحد أعلامها الشيخ سيد سابق بكتاب «فقه السنة» فى محاولة لعدم الوقوف عند اختلافات المذاهب «انشق الشيخ عن الجماعة فيما بعد».

بعد اغتيال الشيخ البنا، ومع وجود ما كان يعرف بالتنظيم الخاص، وخلو الساحة من المشايخ الكبار أمثال محمد الغزالى وعبدالقادر عودة والبهى الخولى، انتقلت السيطرة الفكرية إلى سيد قطب «1954 – 1965» فكان أن ظهرت مفاهيم الحاكمية، والجاهلية وبناء الجيل القرآنى الفريد الذى سيشكل الطليعة المؤمنة التى تقود عملية التغيير نحو هدف الدولة الإسلامية التى تحكم بما أمر الله، مما كان يعنى العمل على إزالة حكم الإنسان.

لقد منح الفكر القطبى للتنظيم رؤية للعالم قوامها نحن وهم، ومنح التنظيم أيديولوجيا خاصة أشبه بالطائفة لا تجمعها سوى رابطة العقيدة وميزة الابتلاء وتعزز خيار العنف وإمكاناته فى سبيل أسلمة الدولة والمجتمع.

فى السجون، حاولت الجماعة التخلص من كثير من آثار المرحلة القطبية رغم النفوذ الخارق الذى يتمتع به الرجل فى نفوس كثير من القادة الحاليين، وكان أن أصدروا الرسالة الشهيرة «دعاة لا قضاة» ولكن بقى تقديس القيادة، والتنظيم، وضرورة الإيمان المطلق بمبدأ «السمع والطاعة».


ينتظم «الأخ» فى أسرة تجمعه بأقرانه، وتربطه بصلات تنظيمية واجتماعية تملأ عليه حياته، بحيث لا يستطيع أن يفلت أو يفكر فى الإفلات، فهو يعيش، ويتعلم، ويصادق، ويتزوج، ويجد فرصة عمل، وينشط سياسياً ودعوياً فى فضاء إخوانى كامل، تحرص الجماعة على بناء مجتمعها وتأسيس مؤسساتها وخلق أنشطتها وفعالياتها الدينية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية التى يمكن أن تغطى حياة أفرادها، بحيث لا يحتاجون الخروج منها، ولا يتبقى لهم على المجتمع إلا إطلالة من ثقب التنظيم.

بعد هزيمة 67 وانحسار المشروع القومى الناصرى بفعل انفتاح السادات، شهدت مرحلة السبعينيات مع انتصار 73 مداً دينياً واسعاً، ونشطت الدعوة فى ظل «الرئيس المؤمن»، ودخلت الجماعات الإسلامية فيما يعرف بالتأسيس الثانى، الذى سيطر عليه عاملان جديدان : المد السلفى الوهابى القادم مع الأموال الضخمة التى حملها الإخوان العائدون بعد الارتفاع الجنونى الذى دخل على أسعار النفط «لقمة، ومؤمن» وعرفت مصر مظاهر جديدة فى الشكل الدينى :
 ملابس الرجال، حجاب النساء، والنقاب، شرائط القرآن الكريم بأصوات غير مصرية. وغابت الفكرة الوطنية عن التنظيم الذى قدم نفسه للنظام باعتباره البديل المعتدل الوحيد الذى ليس غيره بديلاً إذا أراد النظام مواجهة حركات العنف، وتحالفت الجماعة مرة مع الوفد ومرة مع حزب العمل، ودخل على الجماعة امتداد واسع من الأرياف والقرى اختفى تحته الطابع المدينى الذى نشأت فيه الجماعة، وتشكل مكتب الإرشاد فى انتخابات متتالية من نسب محددة لمحافظات الدلتا والصعيد.

 وبقيت الجماعة هى الممثل الأول وربما الحصرى لفكرة الإسلام الشامل، وهو ما أتاح لها مرونة فكرية تسمح بالكثير ما لم تخرج عن السمع والطاعة، وبعد قضية سلسبيل «الشاطر ومالك» سيطرت قوى مادية جديدة. وكانت قضية العمل الاجتماعى العام والعدالة الاجتماعية قد توارت خاصة عندما امتلأت الساحة بالدعاة المستقلين، والقنوات الفضائية الدينية التى أحدثت قدراً غير مسبوق من الضجيج الدينى الفارغ من الفاعلية والمضمون.

دخلت الجماعة إلى ثورة 25 يناير وهى تنظيم مشغول بنفسه وبتمكين أعضائه وتسكينهم اجتماعياً واقتصادياً تحت مظلة ضبابية واسعة من مشروع مصرى قديم بهت بمرور الزمن ومشروع إسلامى فضفاض قائم على توفيقية انتهازية يبقى وحدته بتقديس القيادة، أى قيادة. وقانون لا يرحم بالسمع والطاعة.
كتاب «الإخوان المسلمون : سنوات ما قبل الثورة»
لـ حسام تمام. دار الشروق. 3/20 ط2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 29 يونيو 2013 

السبت، 22 يونيو، 2013

وقائع تاريخ ينزف

           
                  
هذا كتاب رجل يحب مصر، مولع بها وعاشق، يفهمها ويعرف نقاط ضعفها وعيوبها، ولكنه، مثلنا، لا يجد لها مثيلاً، فريدة فى التاريخ قريبة من القلب.. ليس لها بديل.

«روبير سوليه» فرنسى الجنسية، مصرى المولد، صحفى ومؤرخ. من أهم كتاب جريدة «لوموند» وصاحب حوالى عشرة كتب كلها بين روايات، ودراسات فى التاريخ القديم والحديث عن مصر التى تركها وهو فى الخامسة عشرة.

كل الكتاب والصحفيين المصريين من ذوى الثقافة الفرنسية بالمنشأ أو بالإقامة أو بالالتحاق يعرفون «سوليه» فله مكانة فى الأدب والمجتمع الفرنسى تقارب مكانة «أمين معلوف»، الذى دخل مؤخراً إلى مجمع الخالدين «الطربوش»،ثلاثية.. «مزاج» «منارة الإسكندرية» «المملوكة» «سهرة فى القاهرة» بعض رواياته التى حققت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً، وكتبه عن «علماء الحملة الفرنسية» و«قاموس مولع بمصر».

كان «سوليه» فى القاهرة مع الأصدقاء:
خالد الخميسى، وآل الشوباشى، والغيطانى، والأسوانى فى الأسبوع الذى سبق «ثورة 25 يناير»، وكان فى زيارة للمتحف المصرى فى إعداد كتاب عن رمسيس أعظم فراعنة مصر.

 خرج ليجد الميدان صاخباً مزدحماً مرتبكاً.
سافر وبعد أسبوع تغير التاريخ..
 وبدأت ثورة، أخذ منها عنوان كتابه الجديد: سقوط الفرعون- ثمانية عشر يوماً غيرت وجه مصر. صدرت طبعة الكتاب الأولى فى باريس فى إبريل 2011.

لعل من آخر إصدارات مكتبة الأسرة قبل غزوة «علاء عبدالعزيز» هو الترجمة التى قامت بها د. ناهد الطنانى لهذا الكتاب/الوثيقة، التى تضع كل الحقائق عارية دون تزييف أو مزايدة من هذا الجانب أو ذاك. يسجل الرجل عبر متابعته اللصيقة لكل أجهزة الإعلام الغربية والمصرية تفاصيل هذه الأيام النادرة التى غيرت: إن لم يكن التاريخ، فقد غيرت الإنسان، ورفعت إلى الأبد فكرة الخوف والقهر أمام آلة السلطة:
 أى سلطة.

يقول فى مقدمته «كتبها لمقدمة الطبعة العربية».. بتاريخ 16 إبريل 2012:
«إن وادى النيل ليس بالوجهة التى يسهل استبدالها فلا يوجد سوى أقصر واحدة وأسوان واحدة فى العالم كله. ليس مصر الفرعونية فقط التى تجذب الانتباه، وتبعث على الانبهار. فى الوقت الذى أكتب فيه هذه السطور تحمل الأخبار الجارية فى مصر كل يوم مفاجأة جديدة.

 لا أحد يعلم ما يحمله الغد.
 ولكن الجميع يدرك أن تاريخاً طويلاً قد بدأ.
الثورة تحمل فى طياتها الألم والفوضى، وعادة ما تعقبها ثورة مضادة.

 إن مجرد التطلع إلى الديمقراطية وطرد نظام شمولى لا يكفى لإقرار الديمقراطية، هناك فى مصر قوى ظلامية تسعى للاستفادة من حالة الاضطراب الحالية، لفرض أفكار تعود لعصر آخر، وإعادة البلاد قروناً إلى الوراء، ولا أرى لماذا يجد هذا الشعب المتحضر نفسه مضطرا للاختيار بين الديكتاتورية البوليسية والديكتاتورية الدينية، فهناك طريق ثالث هو الديمقراطية. إن الطريق إلى الديمقراطية طويل ومحفوف بمخاطر عديدة، ولكننى على قناعة بأنه لا يوجد طريق آخر يصل بنا إلى السلام والرخاء والكرامة».

شكراً للرجل الفرنسى المصرى الحر، فنحن فى أشد الحاجة لهذه الكلمات الآن.
                     ■
الكتاب رصد موثق لكل حركة فى الميدان خلال الثمانية عشر يوماً العظيمة.
 كل التيارات وكل القوى.

متى دخل الإخوان، وماذا فعل البلتاجى والكتاتنى وتفاصيل موقعة الجمل، وميلاد الثورة المضادة أثناء وبعد خطاب مبارك فى مصطفى محمود، وعشرات الأحاديث المسجلة مع شباب عادى ينطق بشعارات خالدة للثورة «هناك مشكلة مع الذين قفزوا فى القطار أثناء سيره، أنا سوف أجعل مصر تتحرك»«مبارك يتحدث والبيت يحترق» رصد تحركات شفيق، والمفاوضات المشبوهة مع سليمان.

 ووائل غنيم، والفنانين ورصد كلمات منشور وزع دون إمضاء تقول كلماته:
«رأيت بلد الأحلام الذى أتمنى أن تكونه مصر، جمهورية ميدان التحرير.
 رأيت سيدة ينسدل شعرها الطويل وتدخن سيجارة تقف أمام رجل ملتحٍ يصلى».

 يلفت الكتاب النظر إلى مقال تاريخى مهم كتبه هانى شكر الله يلفت النظر: قوى تستغل الظروف لتأجيج مشاعر الكراهية تجاه الأقباط لصرف النظر عن مشكلات سياسية مقلقة أكثر، ويسجل أيضاً موقف إبراهيم المسيحى القبطى الذى انسحب غاضباً من أمام جامع القائد إبراهيم وهو يقول:
 اخترت التظاهر لحماية بلادى لا لكى تقع فى أيدى الإخوان المسلمين.
الكتاب نموذج للمهنية الصحفية.
ليس فيه شعارات أو مزايدات أو دروس فى الوطنية، ولكن وقائع يستخلص منها القارئ الصورة الكاملة، والدروس التى يفهمها:
عرفت مثلا أن لميدان التحرير 23 مدخلاً ومخرجاً كما يقول المهندس نزار السيد.
عرفت متى التحق الإخوان بالثورة.
عرفت تحركات البرادعى، والاعتداء عليه فى ميدان الجيزة.
عرفت مثلاً أن أحد أصدقائى وجد زوجته بالصدفة فى الميدان.
عرفت أن الانتهازى لا يتعلم ولا يصلح أخطاءه.
أن خط الفقر 400 جنيه.
الحرية دين الثورة وشعارها الثابت.
الشعب هو القائد.
للجموع منطق جديد ومتجدد.
رأيت مصر تنهض.
إسرائيل كانت حاضرة: تنظر.. وتنتظر.
هناك فى آخر الكتاب جدول واضح بوقائع كل يوم فى داخل الميدان وفى خارجه.
وكلمة النهاية فى الكتاب: ثورة 25 يناير لم تكد تبدأ. كل ما حدث بعد الـ18 يوماً التى صنعت التاريخ كان نزيفا حادا للمعانى النبيلة التى صاغتها جموع الثوار.
 أدركوا البلد من النزيف الحاد.
نقطة نظام:
هذا الأسبوع احتجبت مجلة روز اليوسف.
 حياتى كلها أمضيتها على صفحات هذه المجلة.
 حتى فى أسوأ العهود كانت مصباح تنوير أضاء منذ 90 عاماً. احتجاب روز اليوسف من علامات الساعة!
سقوط الفرعون. روبير سوليه.
 ت: د. ناهد الطنانى - مكتبة الأسرة - الهيئة العامة للكتاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 22 يونيو 2013 

السبت، 15 يونيو، 2013

كلمات موجعة من كتاب جيد


        

أصعب الأيام هى تلك التى لا تستطيع فيها أن ترى المستقبل.
عندما تغيم الرؤيا وترتبك الخيوط.
 تستطيع بعض الكتب أحياناً أن تعيدنى إلى الطريق، أن تفتح أمامى نافذة.

 كذلك فعل معى هذه الأيام كتاب «لعبة الشيطان» للكاتب الأمريكى: روبرت دريفوس.
 للكتاب عناوين فرعية تقول:
كيف ساعدت الولايات المتحدة على إطلاق العنان للأصولية الإسلامية، أول وأكمل بحث فى أخطر أخطاء السياسة الأمريكية على مدى ستين عاماً من الدعم للأصولية الإسلامية.

من المهم أولاً ضبط الكلمات والمصطلحات:
 لا أحد هنا يتحدث عن العقيدة أو عن دين الإسلام، يتحدث الكتاب عن فكر سياسى انتهازى يسعى إلى السيطرة، ويختار أقرب الأفكار إلى عقل وقلب ملايين البشر لكى يستعملها ويحورها ويصبغها باللون الذى يلائم مقاصده.

يحتوى الكتاب على بحر زاخر من المعلومات والحقائق الموثقة التى تراها الآن منشورة فى أغلب المسلسلات التى يكتبها المعارضون للإخوان والمنشقون عليها.
 ويؤكد دريفوس أنه ليس مؤرخاً ولكنه محقق صحفى محترف يوثق معلوماته ويسجل عشرات المقابلات التى أجراها مع الشخصيات التى يتحدث عنها، ومع رجال المخابرات والأجهزة التى تعمل فى الميدان، فى محاولة لكشف الأخطاء التى وقع فيها صناع السياسة الأمريكية فى اعتمادهم على الإسلاميين المتطرفين فى محاولة محاربة الشيوعية والقومية والحركات الوطنية فى العالم الثالث.

يبدأ الكتاب من قلب المحيط الإسلامى:
 من المملكة السعودية:
حيث بدأ من وقت مبكر استعمال أصحاب الفكر الوهابى المتشدد لتكتيل قبائل الجزيرة خلف السلطان السعودى فى أكبر عملية دعائية مازالت مستمرة ومدعومة بلا حدود بالنفوذ البريطانى، ثم بأموال النفط المتدفق، ثم أخيراً بكل سطوة ونفوذ الولايات المتحدة، تكون جيش الإخوان الأول من آل الشيخ الذين ساندوا آل سعود وبلغ عدد القوات ما يزيد على 11 ألفاً تحولوا فيما بعد 1930 إلى «جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر». فى البداية لفق وليم شكسبير «اسم مستعار لموظف بريطانى لقى مصرعه فى صفوف الإخوان المدافعين عن آل سعود» معاهدة تعترف بابن سعود حاكماً مستقلاً لنجد على أن يتعهد بالامتثال للنصائح البريطانية، فى هذه الحروب والمذابح سقط أكثر من 400 ألف قتيل وجريح، وقاموا بـ40 ألف عملية إعدام علنية وأمروا طبقاً لتفسيرهم للشريعة الإسلامية بإجراء 150 ألف عملية بتر، وناشد «حسين» شريف مكة البريطانيين أن يطلبوا من ابن سعود إلغاء وحل ما يطلق عليه الإخوان «الجمعية السياسية التى تلبس عباءة الدين» ولكن البريطانيين رفضوا بكل برود.

فى السعودية رجل تقى جداً اسمه الشيخ محمد سرور صبحان، كان رقيقاً ثم أعتق، هذا الرجل هو الذى يتولى الإشراف على المسائل المالية مع الإخوان المسلمين فى مصر، يقول هيرمان إيليتس، سفير الولايات المتحدة فى مصر ثم السعودية «فى 1948 قبل أشهر قليلة من اغتيال البنا، الذى كان دائم التردد على السعودية باعتبارها المصدر الرئيسى للتمويل، كانت الجماعة وقد مر حوالى عشرين عاماً على تأسيسها قد أصبحت قوة يخشى منها فى مصر، لها ذراعها السرية شبه المسلحة التى ترعى الإرهاب، وتخترق الجيش والمخابرات المصرية ويخشى منها المعارضون، كانت السعودية تمول الإخوان فى الخارج وترفض أى نشاط علنى لها داخل المملكة، أما أنور السادات فقد كان حلقة الوصل بين الضباط الأحرار والإخوان.

 وقد قال السادات فى كتابه «البحث عن الذات»:
«كان حسن البنا يتمتع بفهم عميق للعقيدة، وكان مصرياً خفيف الروح، ما أدهشنى هو الاحترام الذى يبلغ حد التقديس الذى يحظى به القائد فى الجماعة». حاول السادات تدبير لقاء بين حسن البنا والملك ولكنه لم يفلح..ولكن فى عام 1945 تم اللقاء التاريخى بين الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة، وبين الملك سعود، هذا اللقاء الذى كان بداية أطول وأعمق علاقة جمعت بين الولايات المتحدة وأى دولة فى العالم كله - ما عدا إسرائيل. عراب هذه العلاقة الأول كان «عبدالله فليبى» وهو شخصية أسطورية تستحق التأمل والدراسة. مالى كبير ومنسق وعميل أكثر من نشيط، أعلن رسمياً إسلامه.. وكان يقول «الآن أصبح فى إمكانى الجمع بين أربع زوجات»، وكان بخيلاً جداً إلى درجة أن العامة كانوا يطلقون عليه عبدالقرش لا عبدالله. وأثناء الحرب العالمية الثانية عقد بين الولايات المتحدة وبريطانيا اتفاق جديد يقول عنه اللورد هاليفاكس سفير بريطانيا «بترول الخليج لكم، ونحن نقتسم بترول العراق والكويت، أما بترول السعودية فهو لنا».

1953 ظهر سعيد رمضان فى البيت الأبيض، وهو من أهم وأخطر شخصيات الإخوان المسلمين «ولد فى شبين الكوم 1926، تزوج السيدة وفاء ابنة حسن البنا، قام فى باكستان وأوروبا بدور إنشائى وتنظيمى خطير، وعمل مع أبوالأعلى المودودى وأنشأ أكثر من منظمة تابعة وحزب فى أوروبا وأمريكا، ويقال عنه أنه كان ساخطاً ميالاً إلى العنف، وأنه كان يحلم بإعادة تنظيم الشرق الأوسط طبقاً للعقيدة الأصولية، وظل عاملاً نشطاً فى سويسرا حتى وفاته 1995». ويورد دريفوس كثيراً من الشهادات والأقوال الموثقة عن علاقته بالأجهزة الأوروبية والأمريكية والباكستانية وامتد نشاطه إلى فلسطين والقدس.

يقول دريفوس «صاغ جمال الدين الأفغانى وبعده محمد عبده وبعدهما رشيد رضا فى مجلة المنار مفهوماً ضبابياً للدولة الإسلامية، ظل يعمل طبقاً له كل التنظيمات المتطرفة، وكان هو لب الخلاف الذى كان بين الإخوان وعبدالناصر، ثم بين حماس والمنظمة الفلسطينية، وكثير من الأمثلة الأخرى التى اختلف فيها الإسلاميون مع الحركات الوطنية وحركات التحرير وكل أنواع اليسار».

أستاذ أسامة بن لادن كان اسمه: عبدالله عزام من مواليد جنين فلسطين، ثم عمل أستاذاً للشريعة فى جامعة الملك سعود، وأصدر فيما بعد مجلة «الجهاد»، ومن هذه المجلة أطلق ما يعرف «بنداء عزام» الذى ظل صداه يتردد فى كل صحارى وجبال أفغانستان وأفريقيا، يقول النداء «الجهاد سيظل فريضة على كل فرد مسلم حتى تتحرر كل الأراضى التى كانت سابقاً إسلامية حتى تعود لنا، ويحكم الإسلام فيها مرة أخرى، أمامنا تحرير: فلسطين وبخارى ولبنان وتشاد وإريتريا والصومال والفلبين وبورما واليمن الجنوبى وطشقند والأندلس».. ومن أجل أن يجعل الأمر مقبولاً لدى المجاهدين المحتملين أعلن عزام أن بن لادن يمنح كل مجاهد 300 دولار شهرياً.

لا توجد حركة إسلامية مهمة بداية من الإخوان فى مصر إلى الجماعة الإسلامية فى باكستان إلى الأصولية الشيعية فى العراق، لا توجد حركة واحدة تنادى بالعدالة الاجتماعية أو الاقتصادية. كلهم يعارضون تدخل الدولة أو ملكيتها كما يعارضون كل قوانين الإصلاح الزراعى وبرامج الخدمات الاجتماعية..
 فى مصر من رحم الإخوان ولدت البنوك الإسلامية ومولتها السعودية ثم انتشرت فى كل أركان الأرض.

هزيمة 67 أطلقت حركة البعث الإسلامى. تحول مصر من عدو للولايات المتحدة إلى أقرب الحلفاء كان عملية تدير الرأس. السبعينيات هو عقد التحول:
 عاد الجهاديون الذين تورطوا فى الإرهاب وقد ارتدوا جلابيب رجال الأعمال، وأقاموا المشاريع التى تنتج أرباحاً وتفرخ فى الوقت نفسه إرهابيين جدداً..
فى ظل انفتاح السادات وتحت رعاية كمال أدهم عاد كل الإخوان، ويقول السيد عمر التلمسانى: معظم سياسة الانفتاح الاقتصادى هو الآن فى يد الإخوان المسلمين الذين كانوا فى المنفى وعادوا الآن إلى مصر.

ليست نهضة دينية، ولا هى نقاء إسلامى أو قيم إسلامية إنسانية عادلة، إنها غلظة وبداوة صحراوية تزحف فى عملية تصحير كبرى ضد كل جهود التحديث والتمدن التى كافح من أجلها الناس خلال قرنين من الزمان.


«لعبة الشيطان». روبرت دريفوس. ترجمة أحمد مصطفى حسونة. دار الثقافة الجديدة. القاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 15 يونيو 2013

السبت، 8 يونيو، 2013

حماقة السلطة وقداسة الميدان

         
                    

«سيجارة سابعة» رواية جديدة للكاتبة الشابة دنيا كمال،«دنيا كمال القلش»: تخرجت فى كلية الآداب 2004، أصدرت الرواية الأولى (حكايتان: هى وضحى 2009)،هى الابنة الوحيدة للأديب والمثقف الصديق كمال القلش، صاحب الرواية الفريدة «صدمة طائر غريب» ومجموعة قصصية: المراهق.

 وكتاب عن السد العالى: بالاشتراك مع صنع الله إبراهيم، ورؤوف مسعد.
 وكتاب آخر مهم صدر بمناسبة مرور أربعين عاماً على حرب 56 فى بورسعيد. «دنيا» تعمل فى مجال إنتاج الأفلام التسجيلية والوثائقية، وهى تكتب وتعمل تحت اسم «دنيا كمال»، وكأنها لا تريد أن تستند إلى تراث والدها المجيد فى ميدان الأدب والثقافة، وهى لا تعرف أنها لا تستطيع أن تخفى حرارة الصدق والأمانة الفنية، التى ورثتها عن روح الوالد، التى مازالت ماثلة عند كل من عرفه أو قرأ أعماله، أرجو أن تغفر لى بعد أن أعادت لى روايتها «سيجارة سابعة» تفرد وصدق وأهمية رواية «صدمة طائر غريب»، فقد كانت رواية لخصت أزمة جيل الستينيات، بينما رواية «دنيا» حاولت أن تقدم بشائر طازجة حية لتمرد وحيوية جيل ثورة يناير فى سرد فنى جديد تميز بالصدق والفهم والإنسانية الجارفة.

تقول «نادية» بطلة الرواية، التى بدأت تتحرك مع مظاهرات 25 يناير:
«لا أريد أن أستقر سياسياً أو درامياً أو كونياً..
الاعتصامات والإضرابات والتظاهرات تفرحنى، القصص غير المكتملة تلهمنى، الجلسات العائلية المرتبة السعيدة تربكنى، والأمطار والنوات العاصفة تبعثنى من جديد».

«أفعل ما أفعل وأذهب إلى الأراضى المجهولة، وأجرى بكل قوتى إلى المجهول.. الترحال هو الغاية والولع بالبحار البرتقالية والزراعات المتقشفة هو الغاية:
 الولع باللحظة التى لا ندرى عنها شيئاً هو صلاتى، لا أريد أن أستقر. الاستقرار هو موتى».

تحكى نادية بطلة الرواية خلال الـ18 يوماً الخالدة فى ميدان التحرير تاريخ حياتها كله كفتاة من الطبقة المتوسطة عاشت فى عائلة غير مستقرة، تقول:
«نحن ومن حولنا فى الميدان ننتمى لطبقة لم تتعب فى شىء، أعتقد أننا إن قمنا بإحصاء تاريخ كل من فى الميدان، سنجد غالبيتنا سافر أهله إلى الخليج فى السبعينيات فى زمن الانفتاح القبيح، من أجل العودة بسيارة صغيرة وشقة بمدينة نصر وضواحيها وبعض المستلزمات والأدوات الكهربائية..
 لم نتعب فى شىء..
 حياتنا حل وسط..
متطلباتنا حل وسط..
أداؤنا فى عملنا وسط..
 حياتنا بأكملها حل وسط..

 لذا لم أفهم سر هذه الانتفاضة أو فلأقل هذه الثورة حتى لا ينهرنى (فلان)، ولكن هذا ليس مفهومى عن الثورة..
 اعتقدت وأنا أصغر وأكثر حماساً أن الثورة لا يقوم بها أصحاب الحياة الوسط، يقوم بها الذين لا يملكون الحياة أصلاً.

 ربما تكون هذه الثورة هى الاستثناء الأول، هذا التحضر المبالغ فيه والأخلاق التى نزلت على الميدان كان مفاجأة».

تصور «نادية» فى فصول قصيرة متتالية موقعة كوبرى قصر النيل، ويسقط بين يديها أول شهيد تراه، وتصبغ دماؤه ثيابها، ثم تنتقل إلى تصوير عبثى مرعب لمعركة (الجمل) وما أحاط بها من غموض وشبهات، حيث اتهمت بأنها جاسوسة (عراقية)!
 وأنها مع (الإيرانيين)، ولم ينقذها إلا سائق تاكسى شهم وَهَبَ من كَدِّه 30 جنيهاً كل يوم ليحمل ماء وطعاماً للمعتصمين».

«كان الميدان يمتلئ كل يوم بأعداد ضخمة، حتى إن ذهبوا إلى ديارهم مع نهاية اليوم فهم يأتون صباحاً وظهراً وعصراً ليعطوا المقيمين دفعة من الحماسة والإصرار، لا تفسير لهذه الحالة سوى وجودية الميدان ككيان يدفعنا بقوة أمام وحش السلطة المخيف، الذى يتضاءل كل يوم أمام هيبة الميدان وقضيته».

ما يجعل من الرواية عملاً متميزاً هو أمران، الأول قصص الحب التى تغزلها الكاتبة فى قلب أحداث الرواية فى براعة تضىء الشخصية المحورية، هناك قصتان..

 قصة «على» الشاب الصغير، ثم «زين» الشاعر الكبير، الذى يعينها حبه على فهم واحتمال ما يحدث..

 أهم ما فى الرواية طبعاً هو وجود الأب، ذلك الوجود الهادئ المسيطر، الذى يطلق كل ما فى الشخصية من حيوية وحنان يجعلها حاضراً وتاريخاً يصل كفاح البلد من جيل الأب إلى جيل الابنة، ويحملها معه إلى الريف وإلى المقاهى والمطاعم، إنه موجود معها دائماً رغم مرضه وقلبه المتعب، يسأل عنها ويقلق عليها ويشجعها دائماً لكى تكون وسط الناس، وألا تتركهم، وعندما يعلن رئيس المخابرات تنحى النظام:
«التفت لأحتضن أبى.. أجده واقفاً على الباب بعيداً يبتسم فى ارتياح ويشير لى بيده.. وجهه يبهت تدريجياً ويختفى».
سيجارة سابعة- رواية دنيا كمال- دار ميريت- القاهرة 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 8 يونيو 2013 

السبت، 1 يونيو، 2013

وجوه سكندرية.. ضد ما يحدث



         

لا توجد مسافة بين هذا الشاعر الأديب «علاء خالد» ومدينته الإسكندرية :
 الحلم والواقع.
 يكتب فى «وجوه سكندرية» عبر 38 مقالاً سيرة مدينة، ومسيرة فنان يقاوم القبح، والجهل، والفجاجة.


علاء خالد «مواليد 1960» بدأ حياته الأدبية يكتب شعراً منثوراً «5 دواوين» فى الشعر الحديث له مذاق خاص، يرتاد آفاقاً فكرية بحثاً عن لؤلؤ فكرى وإيقاعات جمالية جديدة دون أن يقع فى تقليد أو افتعال.


بدأ مغامرة ثقافية جديدة برحلة فى الروح والمكان إلى «واحة سيوة» لكى يقدم كتاباً مميزاً هو :
«خطوط الضعف دار شرقيات 1995»، وتصاعدت المغامرة لكى يتولى مع زوجته الفنانة المصورة الفوتوغرافية المتميزة : سلوى رشاد مشروعاً من أهم المشروعات الثقافية : إصدار مجلة «أمكنة»، صدر منها حتى الآن عشرة أعداد، وهى تمثل تسجيلاً فنياً وإنسانياً فريداً لكثير من الأماكن والمواقع الحية النابضة المليئة بالأفكار والدلالات «الصحارى، الحدود، الأديرة والكنائس، مصر القديمة، المنيل، الجامعة»، وجمعت المجلة مجموعة متميزة من شباب الكتاب، والحوارات الفنية، إلى جانب فيض من الصور الفوتوغرافية النادرة فى طباعة وإخراج متميز غريب على المستوى الذى شاع فى السنوات الأخيرة «يبقى مشروع أمكنة مشروعاً ثقافياً وفنياً خاصاً، لم يلق دعماً أو عوناً من أحد وأصبح يحتل مكاناً فريداً وسط المجلات الثقافية على امتداد العالم العربى».


خلال هذه السنوات لم يغادر علاء خالد الإسكندرية، وظل مرتبطاً وفاعلاً فى الحركة الثقافية والفنية فيها طوال سنوات الركود والتشوه والانفتاح، إلى أن أصدر روايته الطويلة الرائعة «ألم خفيف ينتقل بهدوء كريشة طائر دار الشروق 2009» لكى تحتل هى الأخرى مكاناً متميزاً فى الأدب المصرى الحديث :
 شكل كلاسيكى تقليدى محكم، مع موضوع ومضمون عصرى نابض بالجمال والصدق، يسجل تاريخ عائلة سكندرية من الطبقة المتوسطة، ممزوجة بروح شعرية ملحمية خاصة.


أسجل بوضوح محبتى وإعجابى برحلة علاء خالد الإبداعية وأرى أن مرحلة مهمة من تطوره قد وصلت إلى قمتها فى كتاب «وجوه سكندرية»، فعلى الرغم من أنه عمل مباشر إلا أنه يشف عن نضج فنى وامتلاك حقيقى لوسائل التعبير استعداداً للانطلاق إلى مرحلة جديدة.


«يوم الجمعة كان يصحبنى أبى للقاء أصدقائه (فى مقهى ومطعم اللوفر) الذى يقع على البحر مباشرة بعد جامع إبراهيم..
 يجلس أبى وأصدقاؤه لساعات فى لعب الطاولة، وأنا فى الجوار جالس على كرسى أتابع بائع الفريسكا، وبائعى الفستق بصناديقهم الخشبية دقيقة الصنع، وبائعى المانجو بموازينهم النحاسية ذات السلاسل الطويلة..


 وأحياناً يتسلل إلىّ الملل فأذهب إلى الباب الدوار، وأتسلل بخفة إلى هذه الدوامة بين داخل المقهى وخارجه، أدور بين المقهى والشارع مستمتعاً بصندوق الدنيا هذا».

بهذه الطريقة يبعث علاء خالد الحياة فى الأماكن التى يصنعها، ينفخ فيها النبض والحركة ورائحة الزمن، وعندما يرصد التحول والانحدار الذى حدث فى منطقة محطة الرمل و«وسط البلد» يقول :
«اختلف (وسط البلد) الآن، أصبح مكاناً شعبياً بالمعنى الاستهلاكى وليس المعيشى، بعد أن تغيرت المحال ونشاطاتها، ورحل الأجانب وزحف إليها الباعة الجائلون بفرشاتهم وببضائعهم الرخيصة ليحتلوا الأرصفة، لينتقموا من تهميشهم فى السكن والرزق. يأتون من أحياء السيالة والأنفوشى والعطارين ومحطة مصر وغيط العنب، يدمجون هذه الأحياء فى وسط البلد، فيتوسع المكان والمعنى وتسيح الحدود بين الأحياء، ينالون من تاريخ (الرمز) الذى لم يدرجهم تحت حمايته فى أى حقبة تاريخية».


يرصد الكتاب شخصيات اندثرت ويحفظها حية فى الذاكرة، شخصيات من زمن الإسكندرية الذى يقاوم الانطفاء :
 عايدة بائعة الورد، الدرويش المتجول الذى ترجع أصوله إلى ضابط مقاتل، الكاتب السريح الذى يسوّد الصفحات فى المقهى، المغنى الهندى الذى يردد آخر أغانى الأفلام الهندية وهو يذرع الشوارع على دراجته القديمة، جمال الدولى :
 مشجع نادى الاتحاد الرياضى الذى سوّد جدران الأحياء بشعارات غامضة فى ابتكار جرافيتى مبكر ليسأل :
 متر الوطن بكام؟
 كل هذه الشخصيات ظهرت واختفت مع تغير الأماكن والشوارع والمقاهى والبارات. توقف الكتاب عند تمثال «السلسلة»، تمثال أوروبا القريب من المكتبة، والذى تعرض مؤخراً إلى محاولة اعتداء من الضباع الجدد الذين يحاولون افتراس ما بقى من الجسد.


يرثى الكتاب فندق البوريفاج، وفندق سان استيفانو القديم، الذى حل محله بناء شاهق أحمق، يتحدى الكورنيش والبحر، ويجثم على أجمل بقاع بحر إسكندرية معلناً قيماً جديدة هى قيم المال، والاستهلاك، والفجاجة تنمو الإسكندرية كما يرصدها الكتاب، بلا قلب، ولا إنسانية، ولا جمال، ينهش أحشاءها ضباع جدد.

(وجوه سكندرية- علاء خالد- فوتوغرافيا : سلوى رشاد- دار الشروق 2012 القاهرة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 1 يونيو 2013