الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

الثقافة والجلافه فيما جرى مع علاء الديب









الكاتب والروائي والناقد الكبير علاء الديب ليس بحاجة لتقديم . عرفته الحياة الثقافية والأدبية على مدى أربعين عاما ، ناقدا ، وروائيا، له خمس روايات تعد علامة بارزة فى تاريخ الرواية العربية هى “زهر الليمون” و”أطفال بلا دموع” و”قمر على المستنقع”و”عيون البنفسج” و”أيام وردية”، وخمس مجموعات قصصية ، غير ماقام بترجمته مثل قصص مختارة من هنرى ميللر ومسرحية لعبة النهاية لبيكيت وغيرها.

 أما عن إخلاصه للحقيقة فقد تجلى في الدفاع الحار عن كل نبتة موهوبة وكل قلم شريف والمهمشين من الأدباء .

 قام الديب بذلك عبر باب أسبوعي شهير بمجلة صباح الخير أسماه ” عصير الكتب”، عد أحد أهم الأعمدة الثقافية ، حتى أن دار الشروق جمعت الكثير من مقالاته في كتاب بنفس العنوان. مع ظهور جريدة القاهرة من نحو عشر سنوات بدأ الديب يكتب فيها بابا أسبوعيا أسماه ” كتاب في كلمة “، كان بشهادة الجميع أهم عمود ثقافي في مصر.

ولم يكن سر ذلك الذيوع أن ما يكتبه علاء الديب يتسم بالعمق والرهافة والقدرة على كشف مواضع الجمال والضعف في العمل الفني ووضع العمل في سياقه التاريخي والاجتماعي، بل ولأن كل ماكتبه الديب كان يتسم بالنزاهة وبتجنب المجاملات وتأثير العلاقات الشخصية أوالانسياق إلي ضغوط المؤسسات والرأي الشائع الذي يتم اصطناعه واختلاقه.

عبر تلك الرحلة الطويلة كان علاء الديب ضميرا مرهفا. وأظن أنه كان ينظر لدوره هذا بصفته ضريبة لابد للكاتب أن يؤديها لمجتمعه. يذكرني ذلك بالراحل العظيم يوسف إدريس حين أهمل كتابة القصة القصيرة وتفرغ فترة في جريدة الأهرام لمقالات نارية تعالج الأوضاع السياسية، وحين سئل”ألم يكن من الأفضل أن تولي اهتمامك للقصة القصيرة وأنت أستاذها؟” كان جوابه ” كيف أكتب قصة وستائر البيت تحترق؟”.

 كان يوسف إدريس يدرك أنه مواطن مصري قبل أن يكون كاتبا، وعندما يحترق الوطن فإن عليه أن يهب لإطفاء الحريق غير عابئ بأي شيء آخر حتى لو كان إبداعه العبقري. أعتقد أن علاء الديب أدى دوره من نفس المنطلق ، حارسا للمواهب وللحقيقة حتى لو كان ذلك على حساب إبداعه كروائي وقاص.

قلت إن علاء الديب ليس بحاجة لتقديم. لكن ماحدث مع علاء الديب مؤخرا جعلني أقدمه لكي يعرف الناس أي كاتب كبير أساء إليه العاملون بوزارة الثقافة، فجاءت إساءتهم إهانة عميقة للثقافة المصرية ووزارة الثقافة ذاتها.

وقد بدأت القصة مع تولي سعد عبد الرحمن رئاسة مجلس إدارة جريدة القاهرة مؤخرا، وحديثه عن أن جريدة القاهرة لا تحقق أرباحا. وحين قرر سعد عبد الرحمن تقليص نفقات الجريدة لم يجد زيادة يحذفها سوى المكافأة الشهرية التي يحصل عليها علاء الديب ! وهي مكافأة رمزية قياسا بدور علاء الديب كمستشار أدبي للجريدة وصاحب عمود أسبوعي مرموق. سعد عبد الرحمن هو قبل ذلك رئيس هيئة قصور الثقافة التي تصل ميزانيتها السنوية لثلاثمائة مليون جنيه ويتبعها أكثر من خمسمائة موقع ولم يسمع أحد يوما بأنها تركت أثرا في مواجهة الظلام الفكري الذي يعم البلاد ، أو أنها قامت بدور ثقافي يذكر في التصدي للفتنة الطائفية ! وكلها قضايا من صميم عمل الهيئة،وإلا فما هو دورها؟. لم يجد سعد عبد الرحمن زيادة في ثلاثمائة مليون جنيه تهدر سنويا ، لكنه عثر على تلك الزيادة في مكافأة رمزية يتقاضاها علاء الديب! على أية حال ربما – أقول ربما – يكون من حق سعد عبد الرحمن أن يضغط ميزانية جريدة القاهرة بصفته رئيس مجلس الإدارة .

لكن هل من حقه أن يبرر مافعله بتصريح للصحف يقول فيه ” إن جريدة القاهرة ليست شئون اجتماعية”؟! أكان علاء الديب يتقاضى مكافأة عن عصارة عقله وروحه كمثقف كبير أم معونة اجتماعية؟ ألم يكن علاء الديب في واقع الأمر ” شئون اجتماعية ” تعاون جريدة القاهرة بالمقالات، ويتكسب من وراء اسمه ومقالاته موظفون عاطلون عن أية موهبة سوى قدرتهم على الجلوس طويلا يلوكون الملل خلف مكاتب كئيبة؟. ألم تكن هذه هي موهبة إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام وغيره ممن تقاضوا الملايين شهريا ؟ أم أننا صرنا نعيش عصر الموظفين بحيث لم نعد نرى موظفا كبيرا إلا ويكون بالضرورة روائيا أوشاعرا أو قاصا مرموقا حتى لم يترك الكذب شبرا واحدا للحقيقة. أم أن إهانة علاء الديب جزء من الطابع الثوري لوزارة الثقافة بعد 25 يناير؟ .

 أم أن تلك الإهانة جزء من وضع عام رأينا فيه الصحف تصادر – بعد ثورة – والقنوات التلفزيونية تغلق – بعد ثورة – والدستور يلفق – بعد ثورة – فلا يحظر في المادة 45 إغلاق وتعطيل ومصادرة الصحف؟ أكان المقصود علاء الديب ؟ أم كل علاء مفكر وكاتب حر؟ أظن أن الإهانة تجاوزت قامة علاء الديب لتصبح إشارة إلي الكيفية التي قد تتعامل بها السلطة مع المثقفين .

عام 1924 خاطب عبد القادر المازني القارئ في مقدمة كتابه ” حصاد الهشيم ” بقوله” هذه مقالات مختلفة .. تباع المجموعة بعشرة قروش لا أكثر . وأقسم لك أنك تشتري عصارة عقلي وإن كان فجا ومجهود أعصابي وهي سقيمة بأبخس الأثمان! إن في الكتاب أكثر من أربعين مقالا تختلف طولا وقصرا وعمقا وضحولة، وأنت تشتري كل أربع منها بقرش! ثم أنك تشتري كتابا هو على الأقل زينة على مكتبك.على أنك قد لا تهضم أكلة مثلا فتشعر بالحاجة إلي التسرية وتجد أمامك هذا الكتاب فالعن صاحبه وناشره ماشئت ! ثم أنت بعد ذلك تستطيع أن تبيعه وتنكب به غيرك ! أفقليل كل هذا بعشرة قروش؟”. وقد انقضت على هذه الصيحة الساخرة المريرة نحو مئة عام كاملة، ومازلنا نرى أن عشرة قروش كثيرة على عصارة عقل الكاتب وأعصابه، الأسوأ من ذلك أننا – بعد ثورة – صرنا نضيف إلي ذلك الواقع التعس عبارة مهينة تنتقص من قدر كاتب كبير.

في عام 1964 قام المسئولون بفصل مجموعة من الكتاب من جريدة الجمهورية كان على رأسهم عميد الأدب العربي طه حسين ، فكتب العميد في يوليو 1964 يعقب على ذلك الإجراء بمرارة ” لقد استغنوا عن خدماتي ضمن عدد من المحررين”! لا يتذكر أحد الآن ، ولم يتذكر أحد من قبل ، اسما واحدا من أسماء الموظفين الذين فصلوا طه حسين، ويظل اسم الكاتب مغردا في الضمائر، ويظل عمله وإبداعه ” شئون اجتماعية ” عاونت كل الوزارات وكل موظفيها.

عام 1907 أطلق الشاعر الكبير حافظ إبراهيم صيحة مريرة من قلبه :
حطمت اليراع فلا تعجبي .. وعفت البيان فلا تعتبي
فما أنت يامصر دار الأديب .. ولا أنت بالبلد الطيب !
ومازالت القصيدة صالحة لوصف أحوالنا بعد قرن ، وبعد ثورة أراد الناس بها المزيد من الحرية والكرامة واحترام الثقافة والكتاب !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد الخميسي
نشر في صوت العروبة بتاريخ 7 ديسمبر2012