الخميس، 27 أغسطس، 2015

هواجس الوحدة و الإغتراب في أطفال بلا دموع للروائي علاء الديب





عبد القادر كعبان

 منذ البداية، و في أول صفحة من رواية "أطفال بلا دموع" للأديب المصري علاء الديب نصطدم كقراء بتقنية المنولوج الداخلي الذي يعتبر الخيط السردي الذي سيعكس لنا بإمتياز حالة البطل "منير عبد الحميد فكار" أستاذ الأدب العربي في جامعة المطل بمدينة "دلوك" التي تلبسها الوحدة و الأحزان و هواجس الإغتراب حيث يقول السارد: "يأتي المنظر وحده، و ينصرف وحده، بعد أن ينزع قلبي، و يترك في مكانه دوامة هواء." (ص 9).

تدفع به تلك الحالة إلى الهروب من حالته النفسية السيئة كما يلي: "أدخل مقهى، مطعما، دكان بقال، أشتري زجاجة خمر، قرش حشيش، أهرب من لا أحد، أصعد شوارع، سلالم، أنزل إلى حدائق جرداء، أعود إلى غرفة البنسيون، أرى وجهي في المرآة القديمة، ذقن نابت، عينان مرعوبتان، خوف قديم، نفس قاحلة، خاوية جرداء، أصنام متهاوية، طريق كباش متتالية حمقاء. أصبحت خارج الزمن. السبت اليوم بلا إثبات، خارج المكان أيضا، هل أنا في مصر، في القاهرة، أم أنني في الجامعة في مدينة دلوك!" (ص 10) من هنا نكتشف خبايا تلك الروح بل و نشم رائحة الضياع التي تعيشها دون سابق إنذار.

بطل الرواية عرف نجاحا ساحقا و انقلبت حياته رأسا على عقب حينما غادر مسقط رأسه "كفر الشوق" في مصر خصوصا أنه دكتور في الأدب العربي و يعتبر كتابا للمقالات أيضا لكن كل ذلك لم يمنعه من أن يذوق معاناة الإغتراب التي اعتبرها "منير عبد الحميد فكار" إعاقة أدخلته متاهة العزلة و السجن هو و زوجته الدكتورة "سناء فرج" حيث حولت تلك العلاقة الزوجية بينهما شبه مستحيلة إذ يقول السارد: "لو أن السيدة الدكتورة سناء فرج صمدت قليلا معي- و احتملت ما سمته السجن الذي كنت أضعها فيه، سجني النازي المرعب، الهواء معي هناك كان عذابا..." (ص 16).

تنقسم "أطفال بلا دموع" إلى ثمانية فصول كالآتي: بصمات العيون، رقصة الديك، حادث خلف الكلية، قطة من الحي الإفرنجي، الجرح و التشريح، منحنى حياة رجل محترم، أكلت أولادها القطة و إعارة إلى الأبد أين تتصاعد أحداث الرواية على لسان البطل بضمير المتكلم بين الزمن الماضي و الحاضر، ذلك الماضي الذي يعكس جملة من الأحاسيس المدفونة و المرتبطة إرتباطا وثيقا ب"كفر الشوق" و الحاضر الذي يدفعنا لإكتشاف تلك الأماكن الضائعة.

و من اللافت في هذه الرواية علاقة "عبد الحميد فكار" بشخصية "رجب" بائع الدوم و الجوافة و الأساطير كأسطورة رقصة الديك التي كانت بمثابة حلم يغالب الواقع في حياة البطل: "كل ليلة أعيد ترتيب الحكاية. رجب دائما يدخل عليها تفاصيل جديدة، عن مكان الكهف، و عن الأنواع الموجودة في الكنز، أحجار لم أسمع عنها من قبل، و ألوان لا أستطيع أن أتخيلها.. و لكنها غالية الثمن جدا ولامعة براقة." (ص 41).

انتهت حالة البطل الى تمسكه بالحلم الذي جعل الأشياء تختلط في ذهنه ليكون "رجب" هو ملاذه الوحيد ليتفادى اضطرابه النفسي: "في ذلك الوقت كان رجب سبيلي الوحيد، يسد علي كل طريق، يسكن معي في بيتي و أحلامي." (ص 64). من هنا يحاول الأديب علاء الديب رسم ملامح شخصية لم تجد أمامها سوى ذلك الحلم الممزوج بالرغبة القوية في إدراك أسرار مغامرته التي يتحدى أقدارها بحماس كبير يضيء فتيله ماضيه الذي ينسيه وحدة حاضره.

لا تخلو فصول الرواية من دلالة الحنين التي يحملها البطل في داخله رغم عبوره إلى الضفة الأخرى حيث يقول الروائي: "أعود أذكر قريتي، شارعها الترابي، أرض ميدان المحطة المرشوش بالماء، تهفو نفسي لمنظر قبل الغروب في شرفة بيتنا. في يد أبي مسبحة سوداء و في البيت رائحة خبز طازج، و خضرة باذخة نقية تحيط بكل المكان." (ص 77).

ثمة تبعثر و رؤى و أحلام مجهضة تحفل بها رواية "أطفال بلا دموع" و مثالا على ذلك حديث البطل عن صديقه "عبد الله الجمال" الذي تم تعيينه مدرسا في ثانوية كبرى بالقاهرة و الذي نجح في كتابة القصص على عكس "عبد الحميد فكار" كما يقول السارد: "ربما لأنه كان واضحا محددا، ملتزما كما يقول، حاول ألا يجعل الضياع يتسرب إلى نخاع حياته، بينما صرت أشعر أن روحي و صدري و قلبي خواء. كان يكتب قصصا جيدة، لكنها ككل شيء حولي. لا جدوى منها و لا تضيف جديدا." (ص 81).

يهيمن الزمن النفسي في هذا العمل الروائي حيث أن شخصية البطل تعيش الوقت بتأثيره السيكولوجي عبر معاناة لا يجد لها نهاية حيث يقول السارد: "النور الخافت في غرفتي، التي لن يزورني فيها أحد، يسقط على أشلاء و شظايا من ملابسي و أغراضي. و أنا في الشرفة أراقب سقوط قطع الليل الداكن، أدخل بين الحين و الآخر، و لا أفعل شيئا سوى أن أنظر إلى وجهي في المرآة القديمة، فأرى عيوني، و ذقني النابت الذي يحتاج إلى حلاقة، نرحل جميعا في ليل داكن، نهاية بلا نهاية، و شخص لا أتعرف عليه، أعود مسرعا إلى الشرفة أبحث عن روحي في فراغ الشارع." (ص 99-100).


لقد استطاعت الشخصيات الأخرى للرواية كشخصية "أم عصام"، "محمود السيد فكار"، "الدكتور صدقي فراج" أن تعكس بعدا إجتماعيا و نفسيا و ماديا من خلال عملية السرد الروائي بتكنيك رائع، كما جاءت اللغة سهلة تتسم بالوضوح و الموضوعية تجعل القارئ يعيش بكل كيانه وسط أجواء هذا العمل الروائي للمبدع علاء الديب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في موقع السوسنة بتاريخ 27 أغسطس 2015

السبت، 22 أغسطس، 2015

يا مثبت العقل والدين




لم آخذ خيراً من هذا المقتطف الطويل من الرواية العراقية الساحرة «طشارى» «كلمة عامية بغدادية تعنى طلقة الخرطوش التي يتبدد رصاصها في كل اتجاه» للكاتبة القديرة «إنعام كجه جى» (1952- مقيمة في باريس منذ عقود- صحفية ولها ثلاث روايات: سواقى القلوب: 2005 الحفيدة الأمريكية 2008 طشارى 2014).

العراق في عينها وقلبها وروحها يزيدها الغياب لوعة، والدم في العراق لا تبدو له نهاية. أعود للمقتطف المختار، فهو يضعك عزيزى القارئ في قلب العمل الكبير.

تقول الدكتورة الطبيبة: وردية إسكندر العراقية المسيحية التي بقيت في بغداد بعد أن مات الزوج والأقارب، وهاجر الأولاد، وبلغت هي الثمانين، وصارت تتحرك على كرسى بعجلات، أغلقت عيادتها وبيتها الخالى، ونجحت في الحصول على تأشيرة إلى فرنسا: لا تقل لاجئة ولكن قل ضيفة على الرئيس الفرنسى ساركوزى، بعد زيارة بروتوكولية لقصر الإليزيه للقاء البابا والرئيس تعود إلى شقة الضيافة التي تمنح للاجئين «آسف: ضيوف الرئيس» تجلس الطبيبة في كامل وعيها «لا شىء يزعجها سوى بعض الضعف في السمع.. وماذا تسمع هنا على أي حال في باريس»، إلى مقتطف الرواية بعد كل هذا التقديم الطويل.

الساعة هي الآن السابعة صباحاً في باريس
التاسعة في بغداد
العاشرة في دبى
مازالوا في منتصف الليلة الماضية في مانيتوبا «كندا»
وهى الواحدة بعد منتصف الليل في هاييتى
«فى هذه البلاد يعيش ابنها.. وبنتاها»

كأن جزاراً تناول ساطوره وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن، رمى الكبد إلى الشمال الأمريكى، وطوّح بالرئتين صوب الكاريبى، وترك الشرايين طافية فوق مياه الخليج، أما القلب فقد أخذ الجزار سكينه الرفيعة الحادة، تلك المخصصة للعمليات الدقيقة، وحز بها القلب رافعاً إياه باحتراس، من متكئه بين دجلة والفرات، ودحرجه تحت برج إيفل وهو يقهقه زهوًا بما اقترفت يداه، يطارد السياح قلبها بأرجلهم مثل الكرة، ويحاول أطفالهم أن يقبضوا عليه، إنه منتفخ ويصلح للعب، يركل بالقدم أو يطوح فوق الشبكة أو يصوب في السلة، ما الضرر في قليل من الرسوم المتحركة؟ يغيب الجزار وتطلع من فيلم كرتون ساحرة شريرة تمسك بعصا البدد السحرية، ترفعها عالياً في الهواء ثم تضرب بها بقعة من الأرض كانت خصيبة، آمنة من الزلازل، محروسة بين نهرين، مأهولة بمليون نخلة، طافحة بذهب أسود، جاثمة على فوهة خليج ملتبس بين عرب وفرس.. تضرب الساحرة طاردة أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا، تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يحل بهم، تريد أن تنتقم لأنها دميمة وشريرة وهم أهل أريحية وسماحة: قدوا من تمر وأشعار، لأنها ورق وأصباغ ورسوم تتحرك، وهم صخر جلمود، تقهقه وترسل طير اليباديد ليحلق فوق رؤوسهم، من يعرف طير «اليباديد» المنفلت من كتب الأساطير، ذاك الذي يحوم فوق أسطح البيوت الآمنة فيبعثر الأحبة ويفرقهم في البلاد.
حتى صاحبة هذه الحكاية، لا تعرف كيف حلت في فرنسا.

***
هذه رواية وثيقة نادرة خرجت من قلب فنان يحمل العراق في العقل والقلب، روح ترى فوق الأفكار الجاهزة، فوق السياسة والطائفية فوق الأعراق والأجناس، عراق يتكلم في عود منير بشير، في مقام القبنجاى، في صوت زهور حسين، على مدخل الرواية كتبت إنعام كجه جى، كما نكتب في مداخل البيوت كلمات شاعر العراق بدر شاكر السياب من ديوان أنشودة المطر من قصيدة غريب على الخليج.
لو جئت في البلد الغريب إلىّ ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يدىّ هو اللقاء

في باريس تلتقى الطبيبة وردية بإسكندر ابن بنت أخيها، الفتى العراقى المولود في باريس من أمه التي تكتب أشعاراً لا تنشر وأب يعلق شهادة الدكتوراه فوق رأسه وهو «يقلى الطعمية» في أحد شوارع باريس، إسكندر الصغير خبير في الكمبيوتر يقضى كل أوقات فراغه في تصميم موقع لمقابر افتراضية على الشبكة يجمع فيها عظام أهله وأقاربه الذين ماتوا في الداخل والخارج، ويعرض موقعه على عمته الطبيبة التي تسحرها الفكرة في البداية، ولكنها تراجع نفسها فهى تريد قبراً حقيقياً في أرض الوطن.

أقول إن الرواية وثيقة لأنها تبدأ منذ سقوط الملكية مروراً بكل الثورات العراقية والانقلابات الدموية ثم حرب إيران وغزو الكويت ثم حروب الخليج وسقوط صدام والاحتلال الأمريكى.

لا تتوقف الرواية عند زمن ولا تتحدث باسم طائفة.
العراق يتكلم: يبكى ويضحك ويأكل التمر، ويعشق النخيل ويشرب العرق، من الموصل إلى بغداد إلى الديوانية، من الكنائس إلى المزارات المقدسة في كربلاء إلى مولد النبى إبراهيم في «أور» يولدون فرادى ويموتون جماعات.. العالم كله لا يرى.. لا يسمع.. لا يتكلم.

لا أحد يشبع من الدم العراقى الذي لا يتوقف.
اقرأ هذه الرواية- على الأقل- ليدق قلبك بعشق العراق.
طشارى «رواية» إنعام كجه جى. «العراق» دار الجديد- بيروت 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 22 أغسطس 2015


السبت، 15 أغسطس، 2015

من يوميات عائلية




قصة عائلية أو «يوميات عائلية» للكاتب الإيطالى فاسكو براتولينى «فلورنسا 1913-1990» عمل روائى «فريد»، كما يقول كثير من نقاد الأدب الإيطالى، هو أولاً من البذور المبكرة للواقعية الجديدة التي شغل بها الفن الإيطالى في الأدب والسينما مطالع ومنتصف القرن العشرين، كما أن الرواية تكشف عن طريق جديد لدمج السيرة الذاتية للكتاب مع الخيال والشعر والبناء الروائى المحكم.

فاسكو براتولينى، واحد من مؤسسى الواقعية الإيطالية، يؤمن بوضوح في كل مراحل حياته بالوظيفة الاجتماعية بل والتعليمية للفن، هو ابن عائلة من الطبقة العاملة من مواليد مدينة فلورنسا ذات التاريخ الثقافى والسياسى والفنى الخاص، مهد عصر النهضة وكثير من الحركات الفنية والفكرية الحديثة، عاصر بداية الحرب العالمية الأولى. وفقد والدته وهو طفل في الخامسة، عاش حياة صعبة في بيت جده وجدته لوالده، وبعد ذلك في بيت الزوجية الجديد لوالده، لم يتلق تعليماً منتظماً وعمل مبكراً في مهن مختلفة في الشارع، حتى استقر لفترة كعامل طباعة، اقترب من الكتب وأدمن القراءة «دانتى- كلاسيكيات اليونان- ديكنز- والأدب الفرنسى» أصيب بمرض السل، وعاش في مصحة لمدة عامين «1930-1932»، وخرج ليعمل بالسياسة فيما كان يطلق عليه «اليسار الفاشيستى»، وسرعان ما اكتشف الخدعة وانضم للحركات اليسارية وقوات المقاومة ضد الاحتلال الألمانى، وانتهى مع الحزب الشيوعى الإيطالى الذي تركه في إدانة معلنة عند احتلال الاتحاد السوفيتى للمجر، أصدر في فلورنسا مجلة أدبية فكرية صادرها الفاشيست، وله أكثر من 19 رواية، وفى الستينيات اشتغل بالسينما وتخصص مع كبار مخرجى الواقعية الإيطالية في كتابة السيناريو والمسرحيات القصيرة، له رواية بعنوان «الشوارع العارية»، ترجمها في الستينيات الأستاذ إدوار الخراط.

بعد ساعات ممتعة حقيقية مع الرواية والفيلم، لم أعرف من المسؤول عن بعد الأدب والفن الإيطالى عن حياتنا الأدبية والفنية والفكرية، هم يقدمون غذاء حقيقياً للروح! الغربة فيه قليلة والذائقة قريبة، البحر المتوسط يجمعنا رغم كل شىء؟!

الرواية تقع في ثلاثة فصول وهى مكونة من 50 قطعة أو مشهداً قصيراً، يلخص أحد النقاد الإيطاليين الرواية ببراعة فيقول: فاسكو كان عمره خمس سنوات و«فيروتشو» عمره خمسة وعشرون يوماً فقط عندما تتوفى أمهما، البؤس يدفع الجد إلى اتخاذ قرار مؤلم بالتنازل عن الأخ الأصغر ليتبناه مدير منزل أحد البارونات الإنجليز الذي يسكن في «فيلا روسا» قصر على الجبل في ضواحى فلورنسا، الأب يعترض في البداية ولكنه يرضخ لإدراكه أنه لن يستطيع أن يوفر لابنه حياة أفضل.

هكذا يقضى الأخوان شبابهما منفصلين مادياً ومعنوياً، رغم الزيارة الأسبوعية المتقطعة إلا أنه لا يوجد تفاهم بين الأخوين، بل عداوة صماء، «كل شىء حولك لم يكن يشجعنى على حبك»، ولكن البارون يموت ويضطر رئيس الخدم أن يهبط الجبل ويعيش في غرفة مستأجرة مع فيروتشو، الذي تربى على قيم ومعايير مختلفة، علموه أن يحتقر أهله وأعطوه معلومات خاطئة عن أمه، وحتى اسمه فقد غيروه كان دانتى الذي اعتبروه «سوقى» اسم بلدى.

يستجمع الفتى ما بقى في روحه من شجاعة ليواجه عالماً عدائياً ليس أمامه إلا أن يبحث عن بقايا حب في نفس أخيه يستعين بها على احتمال حياته الجديدة، أخوه وجدته وذكرى أمه: «لقد فكرت في أمى طوال الليل، واكتشفت لماذا كنت أشعر دائماً بالوحدة في حياتى، لقد افتقدتها هي، لو كانت حية، لكان كل شىء في حياتى قد تغير».

الأخ الكبير فاسكو يحيا حياة صعبة، باحثاً عن مكان في الصحافة والأدب لكن بذور الحب تعاود النمو بينه وبين أخيه الأصغر، خاصة بعد وفاة الجدة التي كانت تجمعهما أحياناً عندما تخرج من دار المسنين في إجازة لنصف يوم.

الفقر والبطالة والأشغال اليدوية الشاقة التي يضطر إليها دانتى القديم توقعه صريع المرض، ويعود جدار أصم جديد يفصل بين الأخوين: الموت، الذي لا حل معه ولا مفر.
هناك كما هو واضح تشابه بين حياة المؤلف والرواية، وهو يؤكد هذا التشابه وينفيه في حيلة فنية شاعرية حيث يقول في تقديم الجزء الأول من الرواية والذى أعطاه عنوان «زهور سنواتك الرغدة الساقطة» يقول: إلى القارئ:
«هذا الكتاب ليس وليد الخيال، بل هو حوار الكاتب مع أخيه المتوفى، هدف الكتابة هو البحث عن السلوى.. لا شىء غير ذلك، الكاتب يشعر بالذنب لأنه لم يدرك البعد أو المعنى الروحى في حياة أخيه إلا بعد فوات الأوان، لهذا فهذه الصفحات تسعى بلا أمل للتكفير عن الذنب».

تعيش طوال الرواية- التي ليست طويلة 200 صفحة في هذا الوهم المخاتل الذي يكسب الأحداث نوعاً من الألم المفارق الذي تكاد تشعر به على جلدك وفى روحك وأنت تعانى صعوبة التواصل بين الشقيقين، ومحاولاتهما التقارب والتباعد، والتذكر والنسيان يقول الكاتب «الأخ الأكبر»: «كل إنسان يحمل ذكرياته ابتداءً من يوم معين: البعض تبدأ ذكرياته بلعبة، البعض بنكهة طعام، أو بمكان، أو بوجه.. أول واقع تعرفت عليه في ذاكرتى: هو هيئة أمى على فراش الموت، بقيت طوال عمرى لا أفصل بين أمى والموت، خادم اللورد الذي رباك كان يكرر.. أمى ماتت بسببك.. لم أعد أكرهك لهذا السبب، أمى كانت ستموت على أية حال، كونك أنت السبب كان جزءاً من الغموض الذي يحيط بالمشهد الأول والوحيد الذي أذكره لها.. لذلك فأنت كنت تنتمى إليها: كنت قد مت معها».

واقعية الرواية وما تخلفه على الجلد وفى الروح من وجع لا تعتمد فقط على هذا الخلط المتعمد بين السيرة الذاتية والخيال ولكن في اختيار التفاصيل والمواقف وطريقة ترتيبها ورسمها، فمثلاً تراه يصف فيلا روسا أثناء زيارة الطفل لأخيه فتكون السمة الأساسية الباقية هي الصمت والسكون الذي يفرق بين بيت الأغنياء وبيوت الفقراء: «الشىء الحى الوحيد كان صوت ساعة الحائط الذي كان يبرز السكون أكثر من كونه يقطعه».

«أنت عشت طفولتك بلا إصابات في ركبتيك، بلا لعب ممزقة أو وجه مطلخ بالطين، بلا أسرار أو اكتشافات، بلا أصدقاء، في صمت الفيلا الرهيب، ممنوعاً من البقاء في الشمس، أو الضوء الشديد، أو في الظل.. كنت محروماً من رفع الصوت أو من الجرى، أو من خطف ثمرة».

عندما استطاع «فيروتشرو» أو دانتى القديم الحصول على وظيفة فراش في مكتب حكومى، ترك الفتاة التي كان يحبها، وتزوج زميلة في العمل وكانت بينهما علاقة باردة، في سرير مرضه وهو يصارح أخاه الأكبر اعترف له أن زوجته لا تزوره ولا ترد على خطاباته، وأنه نادم على الحب الذي ضيعه، يقول له أخوه الأكبر: الراوى.. الكاتب.

«الحب الحقيقى هو حب الفقراء، الرجل والمرأة الفقيران المتزوجان، يجب أن يكون بوسعهما توحيد روحيهما في روح واحدة ليستطيعا المقاومة، وتشجيع بعضهما، الحب المتبادل والتشجيع المتبادل هو دم جديد يضخ في دمك هو تضامن مع الشريك، ولكن حب الفقراء هو الأكثر هشاشة، إما أن تتناغم فسيفساء الأرواح بشكل تام، وإما أن يتحطم كل شىء ويضيع، ويتحول الحب إلى وحش كاسر، إلى يأس، يصبح بغضاً ويتحول إلى مأساة»
رواية حقاً فريدة، قريبة وبعيدة، ممتعة ومؤلمة، ساخرة ومبكية، إيطالية.. لا يفصلنا عنها سوى... البحر؟!

قصة عائلية «رواية» فاسكو براتولينى. ترجمة د. فوزى عيسى- دار شرقيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 15 أغسطس 2015

الأربعاء، 5 أغسطس، 2015

رجل الدين في الأدب المصري -8 ..علاء الديب





سعيد حسني المسيري، في "زهر الليمون" لعلاء الديب، رجل دين من طراز مختلف، فهو أستاذ جامعي متخصص، وهو أيضًا صاحب تجربة سياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن أنه يعرف الغربة خارج مصر، ويعود منها أقرب إلى الانكسار والزهد والتقوقع: "الشيخ سعيد أستاذ الشريعة الذي خلع جبته وقفطانه منذ سنوات. زوجته والأولاد مؤسسة غريبة. استطاع سعيد أن يحشو حياتهم بالنقد بعد أن تغرب في البلاد العربية لخمس سنوات".

شقيقه الأصغر عبدالخالق، وهو بمثابة الابن، شيوعي متقاعد، وكلاهما متسامح إلى درجة اللامبالاة، وتجمعهما نهاية تختلف في إيقاعها الراكد عن البداية المتوهجة المنبئة بوفرة من التطلعات والأحلام التي لم تكتمل. الخلاف الأيدلوجي العميق بين الشقيقين لا يخلَّف عداء أو صراعًا، فالرابطة التي تجمعهما أقوى من التناقضات التي تبدو ثانوية بفعل الزمن والتحولات العاصفة.

غرفة الشيخ سعيد تتوافق مع شخصيته في طورها الأخير: "تقع في الطرف المقابل من البيت. شبه معزولة مغلقة دائمًا. يشعل فيها أحيانًا عودًا من البخور، فتبقى فيها رائحة خاصة مختلطة بوضوئه وصلاته ورائحة الكتب القديمة التي لا يقرأ غيرها".

المكان المغلق المعزول يحمل رائحته ويجسد إيقاعه ويتناغم مع اختيار التقوقع والانصراف عن الضجيج والصخب، ولم يكن فراره من مصر الناصرية إلا موقفًا سياسيًا يعارض به قدر الطاقة ويجنح إلى الاحتجاج والرفض، لكن المنفى في الإمارات بمثابة النهاية المبكرة المؤلمة، والعودة إلى الوطن بعد غياب طويل تحمل معها شخصًا لا صلة تجمعه بالذي كان عليه قبل السفر: "منذ سنوات عندما غادر سعيد مصر إلى الإمارات، كان يقول لي إنه يهرب برأيه ودينه، وإنه لا يرى معنى للبقاء هنا وسط أحلام الاشتراكية البلهاء وعسف النظام والطرق المغلقة. وقال: هذه قصور من ورق. وأنتم تخدعون أنفسكم.

هناك في الغربة، شاخ سعيد. أوغلت به الأيام في أرض يقف فيها وحده. لم يعد يجد معنى للكلام أو الجدل. أصبح يراقب، تراكم الوقت والنقود، وعشرات التفاصيل المتعلقة بمصروفات البيت وسعر التحويل، والمدخرات والودائع. لا يعرف هدوء النفس إلا بالصلاة وقراءة القرآن.

زاد وزنه كثيرًا، وانقطع عن لقاء الأصدقاء. انتهت سنوات الإعارة، عاد إلى الكلية يلقي دروس الشريعة، ويسير جنب الحيط. تكور وأغلق أبواب روحه حريصًا خائفًا يتذكر صباه وشبابه كأنه شخص آخر".

لا تروق له مصر الناصرية باشتراكيتها "البلهاء" ونظامها المستبد وقصورها الورقية، لكنه يصطدم في غربته بحياة أشد قسوة، لا شيء فيها إلا الاستسلام للتفاصيل التافهة المزعجة، ثم العودة بلا شهية أو قدرة على الاندماج مع عالمه القديم الذي اندثر وتبخر. يقول له عبدالخالق مداعبًا:
"- ألا تفتح نوافذك هذه أبدًا.
- وماذا سيدخل.. ضوضاء.. وغبار..
نظر سعيد إليه في محبة واشتياق، وقال له:
- اعتصم معي في غرفتي. يكفيك لف ودوران".

كلاهما مأزوم على طريقته، الإخواني والشيوعي، والصلة واهنة واهية بين الماضي الذي يبدو موغلاً في القدم، والحاضر الماسخ الذي يخلو من المذاق. في حياته الجديدة، يتجنب الضوضاء والغبار، ويغلق أبواب روحه ضيقًا ويأسًا. أين إذن سعيد القديم؟!. يتذكر عبدالخالق حريق القاهرة وأجواء الحزن على الشقيق الأكبر الذي كان مع الفدائيين في القناة: "لم يستطع أحد أن يوقفه، وظل أبوه يسأل عنه ويحاول أن يستعين بمعارفه لكي يعيدوه إلى البيت. كان هو فرحًا يدافع عن أخيه وينسج له في خياله صورًا وحكايات من البطولة والاستشهاد. كان خروجه مع الفدائيين شيئًا خارقًا واضحًا وسط تراث من الأشياء المتوسطة الصغيرة.

عندما احترقت القاهرة تصور أن أخاه سوف يأتي في جيش من الأبطال لكي يقلب البلد، ويطرد الإنجليز، ويسافر في أرض حرة من الإسكندرية إلى السودان. كان يدعو الله ألا تنجح اتصالات أبيه، وألا يعرف مكان سعيد، وحلم ذات ليلة أن أخاه جريح في كهف جبلي وأنه يحمل له الماء والطعام".

الهزيمة ذات جذور قديمة، والصورة الأسطورية ليست إلا وهمًا ينسجه عبدالخالق قبل أن ينخرط بدوره في اختيار مضاد، ينتهي به إلى وهم وانكسار وشعور مزمن بالخواء والضياع والتمزق.

يقول سعيد، وهو يقلَّب في المجلات التي حملها عبد الخالق:
"- كبرنا.. لم نعد نصلح لشيء..
- لا بل هي الأيام لا وجه لها ولا قفا.
ضحكا. أخذ سعيد يحكي له عن الكلية، وعن الدائرة الراكدة التي يتحرك فيها. حتى البحث والمناقشات في الفقه والشريعة، أصبحت من رابع المستحيلات. إنهم يتحدثون فقط عن الملازم، وعن الدروس، وعن الإعارات والإضافي. قال سعيد:
- صار بيني وبينهم فراسخ. صرت راضيًا بما عندي. راغبًا عما عندهم، وأنت ألم تهدأ بعد؟".
المسألة إذن ليست سياسية تتعلق باشتراكية عبدالناصر "البلهاء"، ففي داخل دائرة عمله الديني يبدو المشهد كابوسيًا مرهقًا يعكر الروح ويفسد القلب. لا اهتمام بالفقه والشريعة، والانشغال كله ينصب على المادي الفج الذي يدفع الشيخ النقي المخلص إلى مزيد من التقوقع والاكتئاب، مرغمًا على الرضا، راغبًا عما يلهث وراءه القطيع!.

يحظى عبدالخالق بمكانة خاصة عند الشيخ سعيد، فهو خليط من الأخ والابن. قد يكون صحيحًا أن الماضي لم يعد عندهما إلا بقايا ذكريات، لكن الشيخ لا ينسى أن الاختيار السياسي لأخيه بمثابة الفشل الشخصي المبكر الذي لا يمكن نسيانه:
"- أنت يا عبدالخالق فشلي الأول، لم أستطع أن أستردك من ماركس ولينين.
- كبرنا على الوعظ يا شيخ سعيد.
- أنت لم تكبر أبدًا، مازلت بالنسبة لي أخي الصغير التائه. وأنا هناك في الغربة كنت أراك في أحلامي وقد اشتعلت نيران في رأسك. أقرأ لك آيات القرآن. وأدعو الله أن يتوب عليك من الشيوعية والشعر.
- تاب الله علينا.. لا شيوعية ولا شعر.
- كلنا مذنبون. لا نحن من هؤلاء..ولا نحن من هؤلاء".
لا عداء يكنه الشيخ سعيد تجاه الأخ الضال التائه، ولا ضغينة نحوه. الخصومة مع ماركس ولينين والشعر، والدعاء بالتوبة يُستجاب على نحو ما، فليس في حياة عبدالخالق شيء مما كان يتمسك به قديمًا، بل إن الشيخ سعيد نفسه ينخرط في منظومة المذبذبين الضائعين، أولئك الذين يتأرجحون بين الإقبال على الصراع والإمساك بالمعنى، والتراجع والنكوص والتقوقع اليائس في غرفة مغلقة!.

الغربة التي يعانيها الشيخ سعيد في العمل والبيت معًا، والقطيعة شاملة مع الماضي الحافل بالأحلام، أما الماضي فيدفع إلى الابتعاد عن الضجيج وإيثار السلامة ذات الطابع السلبي المدمر. الابن طارق سعيد أقرب إلى عمه من أبيه، وتوجهاته الفكرية والسياسية هزيمة جديدة تلحق بالشيخ ذي الهوى الإخواني المندثر: "طارق في السنة الثانية من كلية الآداب. سار شوطًا بعيدًا مع اليسار الجديد، يناقش ويعترض على كل شيء، ويرى أن الكل متقاعس بليد، وأن كل المتكلمين ليسوا سوى مبررين لأخطاء، داعين لقبول أوضاع لا تحتمل. كأن الثورة الشاملة على ناصية الشارع التالي، وكأن التغير الشامل حلم لا يقبل الانقسام. هو يحتمل حياته هنا مع الأسرة، وفي الكلية، وفي كل هذا المجتمع بشكل مؤقت".

طارق لا يمثل امتدادًا لأبيه، ومن خلاله تتحقق القطيعة مع المستقبل أيضًا!. إذا كان الأخ عبدالخالق هو الفشل لأول، فإن الابن المتمرد هو الفشل الثاني. الأسرة الصغيرة لا تمنح الشيخ سعيد شعورًا حقيقيًا بالإشباع، وكم يبدو الرجل متألمًا وهو يتحدث عن الزوجة ذات الاهتمامات المادية الخالصة: "جنون. أصبح البيت لا يُطاق. لا شيء ينتهي أبدًا، لا شيء يسكن، كأنها تريدني أن أعود، وأسافر مرة أخرى.. ربما كان هذا فعلاً هو ما تريد".

الشيخ سعيد حسني المسيري ليس من آحاد رجال الدين، فهو أستاذ الشريعة الذي يؤهل طلابه ليكونوا أئمة ودعاة ووعاظًا. إذا كان الأستاذ يفتقد اليقين، وتسكنه المرارة، ويغلب عليه الموقف السلبي الأقرب إلى اللامبالاة، ويشكو من تكالب زملائه على الملازم والإضافي والإعارة، فأي شيء يكون عليه تلاميذ هؤلاء؟!.   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في موقع بوابة الحركات الإسلامية في 5 أغسطس 2015 للكاتب مصطفى بيومي