الاثنين، 1 نوفمبر، 2010

من الجماعية.. إلى الاغتراب (القاهرة: بين "زقاق" نجيب محفوظ و"قاهرة" علاء الديب)

       


 د. حسين حمودة

                                                        ـ 1 ـ

رغم أن "المدينة" ، بصيغة التعميم، تأسست في مختلف الحضارات والأقاليم والنظم الاجتماعية والسياسية على سمات مشتركة، فإن بعض المدن ظل، لفترات تاريخية ممتدة، مرتبطا بقسمات متفردة، أو موسوما بملامح خاصة مميزة. وفيما بعد العصر الصناعى لم تعد مدن العالم القديم واحدةً، ولا متشابهةً، إلى حد يمكن معه إطلاق أحكام موحدة تنطبق عليها جميعا، مثلما كان الحال في عصور سابقة. وفى هذا السياق يمكن ملاحظة أن القاهرة، وبعض المدن العربية والشرقية العريقة، أخذت الكثير من معالم مدينة الغرب، خلال القرنين الماضيين، لكن هذه المدن ظلت محتفظة، فى بعض قطاعاتها، بمعالم محلية موصولة بتراثها القديم، أو ظلت خاضعة لقانون خاص يجعل منها كيانا مرنا يتلقى التغيرات الجديدة بنوع من التشبُّث بمكوِّنات الجذور، مما جعلها تستوعب تلك التغيُّرات داخل إطار من "التراكُب التاريخى" الفريد، بحيث يبدو بعض هذه المدن، الآن، منتميا ـ في اللحظة الواحدة ـ إلى عصور متعددة. وبذلك، حافظت هذه المدن على عناصر متوارثة في تكوينها، ولم تسمح للجديد الوافد بأن يمحو هذه العناصر تماما. وربما كان في هذا استمرارٌ لما عرفه بعض هذه المدن ـ في تواريخ أقدم ـ من القيام على أكثر من نشأة واحدة، بدا مع كل نشأة منها كأن المدينة "تُولَد" "من جديد"، وإن لم يكن هذا "ميلادًا" تماما، ولا "جديدًا" تماما، فسرعان ما غذّت هذه "النشآت" ذلك الكيان الواحد للمدينة، التى أصبحت كأنها تضمُّ "أكثر من مدينة"، داخل الحّيز الواحد. وبهذا أصبحت القاهرة، وبعض مدن الشرق القديمة، تتميز بمجموعة من الظواهر تمنحها طابعا فريدا  بين مدن العالم.

من هذه الوجهة، تعد القاهرة ـ بمبانيها وأحيائها وتخطيطها ـ نتاج سلسلة من عصور متنوعة، وتعبيرا عن تداخُل معمارى تتجاور فيه أنماط شتى، كأنها تمثيل حى لتفاعل بين عناصر حديثة وأخرى قديمة، ولامتزاج بين تكوينات مدينية وأخرى قبل مدينية، ولتداخل بين علاقات حضرية وأخرى ريفية أو شبه ريفية، فيما يعرف بشكل "المتَّصل الريفىّ الحضرى" الذى صاغته الهجرات الريفية الموسعة، المستمرة، إلى هذه المدينة. وقد ظلت القاهرة، حتى زمن قريب، تنطوى على تكوين "متراكب" لم يتجاوز تماما بقايا الروابط الجماعية القديمة فى بعض أحيائها، الشعبية خصوصا، التى كان قد تم تخطيطها بحيث يستوعب كل حى منها قبيلة معينة (أو، فيما بعد، يستوعب جنسية معينة، أو ديانة معينة، ثم طائفة حرفية أو تجارية معينة). وهذه الروابط الجماعية داخل مدينة القاهرة، وداخل بعض المدن الشرقية، كان لها تأثيرها على صياغة المعانى السائدة التى اقترنت عادة بعالم المدينة الحديثة الغربية بوجه عام (مثل معانى: "الفردية"، و"الإبهام الحضرى"، و"التحرر"، والاغتراب..إلخ).

انقسمت القاهرة، خلال فترة "تحديثها" فى القرنين الماضيين، إلى أكثر من قطاع، أو ـ على الأقل ـ إلى قطاعين أساسيين: القطاع القديم الذى يمثل استمرارا لمعالم المدينة التاريخية، والقطاع الحديث الذى تمت إضافته إلى جسم المدينة والذى شيد على غرار تخطيطات بعض المدن الغربية. وقد كان لهذا الانقسام، ضمن انقسامات أخرى عكست تغيرات المدينة وتحولاتها، تأثيره فى ظهور صيغة خاصة للعلاقات الإنسانية فى هذه المدينة، وكان لهذه الصيغة حضورها فى علاقة الفرد بذاته، وعلاقته بالجماعة. ولعل هذه الصيغة حاضرة أيضا فى كل تناول روائى ينطلق من هذه المدينة أو يعبر عنها.


ـ 2 ـ

في تناولات الرواية المصرية للمدينة، بجماعاتها وأفرادها، يمكن أن نلحظ تجارب متباينة، تمثل مسارات عدة سار كل منها فى سبيل خاص. هناك ـ مثلا ـ مسار روائى عبَّر عن تحولات المدينة، تحديثها أو "تغريبها" أو تحولها مع تحولات أكبر، وكيفية استيعاب الفرد لهذا التغير (وهو مسار بدأ منذ "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحى 1905، وانتهى إلى روايات حديثة نسبيا مثل: "ذات" لصنع الله إبراهيم 1983، و"رسالة البصائر في المصائر" لجمال الغيطانى 1989، و"بلد المحبوب" ليوسف القعيد 1992). وهناك مسار روائى التقط التوتر بين عالمى الريف والمدينة، أو بين الروابط الجمعية الريفية وتضادها مع النزوع الفردى المدينى (وقد تمثل هذا المسار في روايات مثل: "الشوارع الخلفية" و"الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوى، "الخوف" و"محب" لعبد الفتاح الجمل، "السنيورة" لخيرى شلبى، "أيام الإنسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم)، وهناك روايات تناولت تجربة الخروج من المدينة القديمة، باعتبارها "بيتا عائليا" مترابطا، إلى المدينة الحديثة (رواية لطيفة الزيات "الباب المفتوح"، ورواية إبراهيم أصلان "مالك الحزين" وقبلهما "زقاق المدق" لنجيب محفوظ). وهناك مسار روائى تناول "حياة" الفرد فى المدينة الحديثة، سواء تعلقت هذه الحياة بمعنى "التحرر" (رواية صبرى موسى "حادث النصف متر"، ورواية مجيد طوبيا "ريم تصبغ شعرها")، أو اتصلت بمعاناة تتمثل فى الاغتراب المطبق والعزلة اللانهائية في خواء هذه المدينة الحديثة (روايات علاء الديب: "القاهرة"، "الحصان الأجوف"، "زهر الليمون"، "أطفال بلا دموع"، "قمر على المستنقع"، "عيون البنفسج")، أو ارتبطت بمكابدة هذا الفرد الإحساس بالضياع في المدينة التى تحولت إلى "متاهة" (رواية خيرى شلبى "موال البيات والنوم")، أو بتلاشى هذا الفرد، باختفاء ملامحه وطمسها، إزاء سطوة الإبهام الحضرى بالمدينة (رواية ضياء الشرقاوى "أنتم يا من هناك").

في هذا الحيز، يمكن ـ فحسب ـ تقديم إشارات سريعة إلى مسارين محددين من بين هذه المسارات المتنوعة، يتعلقان بالتعبير عن عالم المدينة الشرقية، وبتناول الانتقال من هذا العالم إلى عالم المدينة الحديثة، وذلك خلال التوقف ـ أولا ـ عند نموذج روائى جسَّد العلاقة العضوية بين الفرد والجماعة (من نماذج الروايات التى انطلقت من المدينة الشرقية، وعبرت عن محاولة الخروج منها أو الخروج عليها)، ويتمثل هذا النموذج فى رواية نجيب محفوظ (زقاق المدق)، ثم التوقف ـ ثانيا ـ عند نموذج روائى آخر، جسَّد اغتراب الفرد، متاهته وضياعه وانفصاله عن الحشود من حوله (من نماذج الروايات التى انطلق تناولها من عالم المدينة الحديثة)، ويتمثل هذا النموذج فى بعض روايات علاء الديب، خصوصا روايته المعنونة (القاهرة).


تتخذ رواية (زقاق المدق)  لنجيب محفوظ من "الزقاق" مدخلاً لاختزال الروابط الجماعية في عالم المدينة الشرقية القديمة، وللإشارة إلي أن في مغادرة هذا الزقاق، إلي المدينة الحديثة، خروجا فرديا إلي الجحيم وفقدان المأوي، وتخلياً عن قيم جماعية لا يجب، ربما، التخلي عنها. 
حضور الزقاق في الرواية، بوصفه مركزاً بنائياً، يبدأ من مدخل الراوي لفصلها الأول، ويتنامي حتي مدخله لفصلها الخامس والثلاثين، وهو نفسه فصلها الأخير. يشير الراوى في مدخل الفصل الأول إلي تاريخ الزقاق، وكيف كان جزءاً من "قاهرة" غابرة: "تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً في تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدري. أي قاهرة أعني؟ الفاطمية؟.. المماليك؟ السلاطين؟ علم ذلك عند الله وعند علماء الآثار" (الرواية، ص5). ويعود الراوي، في مدخل الفصل الأخير، إلي الزقاق بعدما رصد ما رصد من أحداث وحوادث مر بها ومرت به، ومن تغيرات عارضة طرأت عليه، ومن مصائر انتهي إليها بعض شخوصه، سواء من الكثرة القانعة بالحياة داخل حدود عالم هذا الزقاق، المطمئنة إلي قيمه الراسخة، أو من القلة الطامحة إلي اجتياز هذه الحدود  والتمرد على تلك القيم: "أضاء الصباح بجنبات الزقاق. وألقت الشمس شعاعاً من أشعتها علي أعلي جدران الوكالة.. ألخ" (ص283). وفضلاً عن هذا الحضور للزقاق، من بداية الرواية حتي نهايتها، فإننا نظل عبر فصول الرواية، جميعاً تقريباً، وبشكل تدريجي، نتعرف معالم الزقاق ومفرداته، خلال ما يشبه تراكم الإشارات لتفاصيل حياته وإيقاعاتها: مسمياته المكانية (الفرن، قهوة كرشة، دكان الحلاق، الوكالة.. إلخ)، وملامحه إذ تطرأ عليه حالات مختلفة عبر أوقات الليل والنهار (انظر صفحات 14، 30، 39، 222)، وحضوره من حيث هو إطار أساسي يحتوى شخصيات الرواية المتنوعة (انظر ص17)، ورؤيته بمثابة "أسرة واحدة" (ص90)، أو "أب" أو "أم" للشخوص؛ إذ يقال "ابن الزقاق" أو "بنت الزقاق" (انظر مثلا ص103) ، فضلا عن قدمه وعراقته، واتصاله ـ رغم أنه "يكاد يعيش في شبه عزلة عما يحدق به من مسارب الدنيا" (ص5) ـ بأماكن أخرى مسماة في المدينة الشرقية: بابه المفتوح علي الصنادقية (ص5)، والأحياء والحارات والشوارع المحيطة به: مثل "الغورية" و"الصاغة" (ص21) و"الحسين" و"شارع الأزهر" و"بوابة المتولي" و"الدراسة" و"الجمالية" و"بيت القاضي" (ص86)، وأيضا "الموسكي"، القلب التجاري للقاهرة (في زمن الرواية المرجعي المنتمي إلي سنوات الحرب العالمية الثانية) الذى كان يمثل حداً فاصلاً بين مفردات المدينة الشرقية، من ناحية، ومفردات أخرى تقع فى قطاع المدينة الحديثة، وتبدو هذه المفردات الأخيرة ـ في الرواية ـ كأنها تنتمي إلي عالم آخر، غامض وغريب؛ فالموسكي يتاخم ميدان "الملكة فريدة" ـ ميدان العتبة فيما بعد ـ ويلوح هذا الميدان فى الرواية كأنه بوابة "الخروج من" عالم المدينة الشرقية، أو- بالأحرى- بوابة "الخروج على" هذا العالم، إلى أماكن تنتمى إلى المجهول.
ترنو الشخصيات إلى الزقاق من زوايا متنوعة، وتنتمي إليه بدرجات متباينة. الكثرة الغالبة لا تتصور إمكاناً للحياة خارج الزقاق. "عباس الحلو" مثلا، يحب هذا الزقاق "ويؤثره علي الدنيا جميعاً" (ص86)، "ولو ترك وشأنه ما اختار عن الزقاق بديلاً" (ص37)، يقول عنه: "زقاقنا لطيف، وما طمعت يوماً في أكثر من حياة طيبة فيه" (ص251). كذلك تري "أم حميدة" أن أهل الزقاق "سادة الدنيا" (ص27).. إلخ. وأغلب الشخصيات الأخرى لا تنأى كثيرا عن هذه النظرة.

من بين شخصيات الرواية جميعا هناك شخصيتان توضعان موضع الاختبار؛ إذ تتمردان علي الزقاق وأهله: "حميدة" و"حسين كرشة". تقول حميدة عن الزقاق إنه "زقاق العدم" (ص28)، وتتحسر علي حياتها المقبورة فيه (انظر ص29)، وتفصح عن "ازدراء شديد له" (انظر ص86). أما حسين كرشة فيقول لعباس الحلو إن "هذا الزقاق لا يحوي إلا موتاً. وما دمت فيه فلن تحتاج يوماً للدفن" (36)؛ يرحل حسين عن الزقاق مختاراً ويعود إليه مجبراً، فيقول: "هجرت المدق فأعادني الشيطان إليه. سأضرم به النار، هذه خير وسيلة للتحرر منه" (ص251). هذا الإحساس الفردي بالزقاق، المختلف والغريب والنائى عن الإحساس الجماعى السائد لدي شخصيات الرواية المتعددة؛ يقود هاتين الشخصيتين، إلي الانفصال عن عالم الزقاق والخروج عليه. وإذا كان حسين يعود إلي الزقاق بقدرة "الشيطان"، فإن حميدة لا تعود إليه أبداً.

نزهة حميدة اليومية خارج الزقاق، قبل "خروجها عليه"، كانت تتصل بالأماكن القريبة من حوله، وهي أماكن تنتمي جميعاً إلي قطاع من المدينة يمثل امتداداً لعالم الزقاق. يتحرك معها الراوي خلال تلك النزهة (انظر الفصل الخامس، مثلا) من الزقاق إلي الصنادقية فالغورية فالسكة الجديدة فالموسكي، حيث مشارف ميدان الملكة فريدة، ثم يتحرك معها في طريق العودة عبر شارع الأزهر فميدان الحسين إلي الدراسة حتي الزقاق مرة أخري، مشيراً إلي أن طموحها في هذه النزهة يقف "عند حدود ميدان الملكة فريدة" (ص41). أما الخروج الحقيقي لحميدة من هذا الزقاق، الذي سوف يقترن بمصير مأساوي يلوح كأنه قد صدر بحكم قاطع، لا مداولة فيه ولا راد له، فيبدأ من مجاوزة ميدان الملكة فريدة، بما يعنى تخطى حدود المدينة المألوفة إلى عالم مجهول.

سوف تُقاد حميدة، أو تنقاد، وراء "فرج"، ذلك القواد الذي يرسم لها حياة جديدة عابثة، حافلة بالترف والشقاء معاً، بين الجنود الأجانب السكاري، المحاربين الباحثين عن الراحة في جسد امرأة. وسوف تصاغ تجربة استسلامها لهذه الحياة العابثة الجديدة صياغة مقرونة بغواية الانتماء إلي عالم المدينة المبهرة، الواقعة وراء أو بعد الميدان الفاصل بين عالمين. يقول لها "فرج"، الذي نجح ـ بصبر صياد مُدرب- في اقتناصها: "إن الدنيا لا تنتهي بانتهاء الموسكي" (ص184)، ثم يجعلها ـ مستسلمة وراغبة كالمرغمة، إن صح التعبير - تستقل معه "تاكسياً" إلي شارع "شريف باشا، لا المدق ولا الصنادقية ولا الغورية ولا حتي الموسكي" ص185). وإذ تدخل حميدة هذا الشارع تري "عمارات تناطح السحاب (ص186)، وتنتهي رحلتها إلى "عمارة هائلة" سوف تصير مأواها الجديد (ص203) الذي تتآلف معه إلي حد يجعلها تتذكر الزقاق ـ عندما تتذكره- فيلوح لها "كما يلوح السجن للآبق الطليق" (ص255)، وهكذا تتغير حياتها تغيرا واضحا، بل يتغير اسمها نفسه (من "حميدة" إلي "تيتي").

لكن تحول حياة حميدة، في تلك"العمارة الهائلة" بالمدينة الحديثة، لن ينجح في قطع آصرة ظلت تصلها ـ رغما عنها ـ برحمها الأول؛ بزقاق الحى الشرقى القديم. سوف يظل صوتها الخشن الفظ كما هو ("ولعله أن يذكر السامع بالمدق ولو كنت في عماد الدين!" - كما يقول لها شيطانها/ أستاذها فرج إبراهيم- ص257). ورغم أن جنبات المدينة الحديثة أصبحت مستباحة لحميدة (كما أصبحت حميدة نفسها مستباحة فى هذه المدينة) بما يتيح لها ـ مثلا – أن تستقل عربة تتفرج منها علي الشوارع المضاءة، مشعلة سيجارة "غير عابثة بالأنظار التي تتخاطف ما انجلي من لحمها" (انظر ص261)، فإن الزقاق سوف يقتحم عليها عالمها الجديد، كما أن الماضي الذي سعت إلي أن تتحاماه (انظر ص263) سوف يطارد حاضرها الراهن. فالعربة التي تستقلها وتتجول بها فى فضائها الجديد، بين شوارع وأضواء وميادين وعمارات شاهقة، سوف يلمحها "عباس الحلو"، خطيبها السابق الذي انفصلت عنه واختفت من حياته بهربها من الزقاق، وسوف يلحق بها ثم يلتقيها، ويقع في أحبولتها إذ تصور له نفسها ضحية لقناصها، ثم ينقاد إلي "تخطيطها" للانتقام، مقدماً حياته قربانا أخيرا على مذبح شرف الزقاق المهدور.
بعيدا عن "الاختبار" العارض الذي تخوضه حميدة، في وهدة الضياع فى العالم المترامى خارج نطاق عالمها الأول، يظل الزقاق نفسه استمراراً لزمنه التاريخى الغابر، السحيق الممتد، وأيضا الجماعى المترابط، وتقريبا "العضوى"، شاهداً وحيداً علي عالم تترى علي مويجات سطحه الشخصيات والوقائع، تبين ثم تختفي، ويبقي هو فى غوره العميق ساكنا ثابتاً في مواجهة كل تغير: "هكذا تطرد الحياة في المدق علي وتيرة واحدة إلي أن يقلقها اختفاء فتاة من فتياته أو ابتلاع السجن لرجل من رجاله، لكن سرعان ما تنداح هذه الفقاعات في بحيرته الهادئة، أو الراكدة، فلا يكاد يأتي المساء حتي يجرَّ النسيان ذيوله علي ما جاء به الصباح" (ص184).

لعل الزقاق ـ اختزال المدينة الشرقية هنا ـ بهذا المعني، هو الذاكرة الوحيدة، المضيئة الراسخة، في عوالم طواها ويطويها وسوف يطويها ـ كما تومئ عبارات الراوي ـ غيابات التحول أو ظلمات النسيان.


ـ 3 ـ

تقدم روايات علاء الديب (القاهرة) و(الحصان الأجوف) و(زهر الليمون) و(أطفال بلا دموع) و(قمر علي المستنقع) و(عيون البنفسج) نموذجا للاغتراب متعدد المستويات، في المدينة الحديثة التي ترسم ـ بعلاقاتها وبأمكنتها ـ صورة للخواء المطبق الذي تعانيه الشخصية المتوحدة، ولا تستطيع أن تدافع شراكه وبراثنه.
الراوي المتكلم ـ أو الشخص المحوري الذي يوازيه هذا الراوي- الوافد إلي المدينة من عالم غير عالمها، أو العائد إليها بعد سفر عنها، المتوحد، الضائع بين شوارع المدينة وميادينها ومقاهيها، المكابد فراغها وخواءها وأشكال الموت ـ الفعلي أو المجازي ـ الذي يخيم عليها، المتصل بشخوصها والمنفصل عنهم، فى آن، الواقف ـ في اتصاله وانفصاله معا ـ علي شفا جرف هائل قائم بينه وبين الآخرين، المستوحش في الزحام، المعزول عن الزمن الراهن، المستسلم لنوع من "اللامبالاة" كأنما "يتفرج" علي المدينة؛ علي من فيها وما فيها، بمن فى ذلك نفسه، من بعيد أو من عل.. كلها قسمات مشتركة بين هذه الروايات الست التي تشبه "تنويعات" مختلفة التجارب، متعددة المسميات، متباينة الأزمنة، علي محور واحد ثابت في هذه الروايات جميعا. ويمكن هنا أن نشير إلى رواية واحدة فحسب من هذه الروايات الست،  دالة على ما فى عوالم هذه الروايات من تكثيف لمعانى توحد الفرد وعزلته واغترابه، ومعاناته الخواء في عالم المدينة الحديثة: (القاهرة).

**

تنطوي رواية (القاهرة)  ـ التي تتعين فيها المدينة/ العاصمة بدءا من عنوانها ـ على معارضة ضمنية لرواية ألبير كامي (الغريب)، لكن الجريمة التي تبدأ بها رواية كامي، تنتهي بها رواية (القاهرة)، ودوافع القتل العبثية، هناك وهنا، مختلفة الملابسات والدوافع المبررات.

"فتحي" ـ موازي "ميرسول" في (الغريب) ـ الشخصية المحورية التي يتحرك الراوي مقتربا من عالمها الداخلي، يمثل تكثيفا فنيا لما تفعله المدينة الحديثة بضحاياها، ولما تدفع إليه علاقاتها الضاغطة، الباردة إلي حد الموت، من ذهاب في طريق الخواء حتي نهايته، خصوصا من ساكنيها الذين لم "يتبلدوا" بعد، القادمين إليها من عالم آخر لايزال بداخلهم، لم ينقطعوا عنه، ولم ينقطع عنهم، تماما.

يواجه فتحي المدينة ضائعا، وحيدا تقريبا، مرتبطا بعلاقة جسدية سطحية مع امرأة تكرس انفصاله عنها لا اتصاله بها. يعيش في هذه المدينة دون أن يفهم "أين هو من هذا العالم، ولا ماذا يريد؟ اللحظة التي يعيشها الآن لا وزن لها ومعني" (ص112). إنه معزول عما حوله وعمن حوله في زحام هذه المدينة، "لا شيء يربطه بكل هذا القطيع"، ولا رابطة تصله بحشود الناس الذين يرى- كأنما من موقع خارج المكان - خطواتهم "سريعة وملتهبة فوق الاسفلت الأسود" (ص106). ينزوي هاربا من هذا الزحام "في الشوارع الجانبية" بالمدينة (ص107)، متبلدا "كأن نصفه قد مات، لم يعد يعنيه من هذه الأشياء إلا أنه موجود فيها" (ص117)، مدافعا ـ دونما إرادة حقيقية- وطأة الإحساس بركود ثقيل، حيث يرى سطح حياته "ممددا أمامه إلي ما لا نهاية، كذكري صديق مات" (ص113). ورزوح الإحساس بوحدة محيطة ومطبقة، كقدر أعمي، تدعمه تفاصيل المدينة وتغذيه؛ إذ الأشياء جميعا بهذه المدينة تجعله "وحيدا أكثر، معزولا أكثر" (ص115)، خصوصا بالليل حيث يبيت "وحيداً جدا وحزيناً جدا" (ص120).

هو وحيد ضائع في المدينة بوصفها كلا، كما هو وحيد ضائع في مفرداتها؛ في الشقة التي يسكنها؛ "هذه العلبة التي يريد أن يغلق علي نفسه فيها" (ص112)، وفي بيته القديم حيث يسكن أخوه وأخته (ص123)، وفي مقر عمله بالمتحف الزراعي، حيث يتحرك في مكتبه كالجنين في تابوت ويرى نفسه والمروحة ـ معا - نقطة ثابتة؛ "قمة الحركة، الطاقة الكامنة والشيء الذي لا معني له" (ص129). وفضلا عن هذه الوحدة الخانقة، يشعر فتحي، مرارا، بأنه مشرف علي نوع ما من الموت، خصوصا عند الغروب الذي "يضغط علي كل شيء في رفق وإصرار حتي يلقي بنفسه فوق المدينة" (ص113).

هذه الوحدة، وهذا الإحساس بالموت، لم يستطع أبدا أن ينفيهما جسد "عقيلة" ولا أن يخفف منهما. يخوض فتحى مع عقيلة علاقة من نوع خاص؛ "عاطفة لم توجد"، يجمعهما محض تمزق مؤلم، وحتى هذا الذى يجمعهما يتحقق معهما بطريقتين متغايرتين (انظر ص 129).

مع هذا المتوحد، تتعين معالم المدينة من السطور الأولى بالرواية: "شوارع المنطقة المحيطة بباب اللوق خالية، مبانى الحكومة على الجانبين مغلقة..إلخ" (ص105). ولهذا المتوحد تنفتح المدينة، دون معنى ودون ألفة، باتجاهات شتى، فيجوبها على غير هدف من أقصاها إلى أقصاها: من البيت القديم ـ وبه أخته وأخوه المريض ـ في شارع محمد على حيث "صناديق الزبالة المفتوحة، قطط سوداء، الفجيعة ساكنة" (ص122)، إلى شقته الواقعة بالدور السادس في عمارة تطل على جزء من المدينة الحديثة (انظر ص112)، إلى مقر عمله، غرب المدينة، إلى المقابر شرق المدينة، التى يزورها بعد موت أخيه، ويشعر ـ وهو فيها ـ "أن القاهرة بالنسبة له ذكرى بعيدة" (ص138). هذه الحركة بالمدينة لا تؤكد لهذا المتوحد سوى معنى الخواء في كل شىء. تبدو المدينة، بالنهار، جحيما مصغرا، "الهواء ساخن. القاهرة. إعلانات نيون مطفئة [كذا] لا لون. الشمس في وسط المدينة" (ص106). وتبدو المدينة بالليل، إذ تنام، عالما باردا موحشا باهتا يبعث داخل فتحى الإحساس بالمطاردة والخوف: "وأصبح في منتصف المدينة.. أحس أنه مطارد.. الشوارع خالية..إلخ" (ص122)، كذا بين المشهدين، النهار والليل، هناك الغروب الذى يضغط على كل شىء"، و"الشمس الغاربة [التى] تضرب الأعمدة وقطع الأخشاب فوق أسطح العمارات.. فتلقى ظلالها لتبدو كأنها مدينة مهجورة معلقة في الهواء" (ص112). ولا يبقى أمام فتحى، لمدافعة خواء نهار المدينة وليلها وما بينهما، سوى محاولة أن يهرب إلى الجنس؛ ولكن هذا الجنس المفرغ من كل عاطفة يرده إلى المدينة مرة أخرى؛ فهو يشعر أنه و"عقيلة" يحترقان ـ فحسب ـ فوق السرير، ومعهما يحترق كل شىء بهذه المدينة: "الزحام والأتوبيسات والشوارع" (ص107).

في هذا الجحيم الشامل الممتد يسير فتحى ـ بخطوات عمياء ـ نحو فعله اللاإرادى، العبثى، الذى يتصور أنه معه ينال من كل شىء ومن كل أحد حوله؛ يقتل عقيلة بعد عقد زواجه منها بساعات قلائل! هكذا "انتهت الحياة بالنسبة إليه"، وهكذا "فكر في أن هذا [الفعل/ القتل] هو أكبر انتصار" يمكن أن يشعر معه فى "العلبة/الشقة" أنه قد تحول إلى إله (انظر ص149).

لم يجد فتحى طريقا للانتصار على هزائمه، بهذه المدينة، سوى بالقتل، سوى أن يكون "فاعلا" في جريمة سوف تنساها ـ فيما يتصور ـ المدينة بعد أسبوع واحد (انظر ص154). لقد صاغت المدينة جزءا أساسيا من أركان هذه الجريمة، وإن نفى فتحى ذلك في كلماته للقاضى الذى يحاكمه ـ مستعيدًا، ومعارضا، كلمات "ميرسول" لقاضيه: "لم أقتلها لأنها بغى. ليس لزحام الأتوبيسات علاقة (...) لم أقتلها لأنى أكره الوظيفة، أو أكره حرّ القاهرة" (ص156).

 هوامش:

1  ـ تفيد هذه الصفحات من كتابى: (الرواية والمدينة ـ نماذج من كتاب الستينيات فى مصر)، كتابات نقدية، العدد 109، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2000.
2  ـ نجيب محفوظ، (زقاق المدق)، دار مصر للطباعة، القاهرة، د.ت.
3  ـ في هذا السياق يشير محمود أمين العالم إلي أن رواية (زقاق المدق ترصد "خروجا من الزقاق المحدود إلي العالم الواسع الرهيب".
انظر كتابه (تأملات في عالم نجيب محفوظ)، الهيئة العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970، ص42.
4 ـ  الزقاق، بهذا المعني،يستعيد دلالاته في المدينة الإسلامية القديمة، حيث كان قائما فيها علي نوع من التضامن بين سكانه، وكان هذا التضامن جزءا من انتماء هؤلاء السكان إلي "أصل عرقي أو قبلي أو عصبوي مشترك"، بما جعل كل "فرد" من هؤلاء السكان يعتبر نفسه عضوا في هذه الجماعة شبه العائلية أكثر مما هو فرد وشخص قائم بذاته".
انظر: د.محمد المطالسي "الزقاق في المدينة الإسلامية: معمار المدن العربية صدي للنظام الاجتماعي"، جريدة "أخبار الأدب" العدد 184، القاهرة 16 يناير 1997، ص29.


5 ـ علاء الديب (القاهرة)، الكتاب الذهبي، مؤسسة روز اليوسف، القاهرة، أكتوبر 1964.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في مجلة الثقافة الجديدة بتاريخ نوفمبر 2010

واحد اسمه علاء الديب






كنت قد كتبت من قبل أننى قرأت منذ ما يقرب من أربعين عاماً مجموعة قصصية صادرة عن سلسلة الكتاب الذهبى عنوانها "القاهرة" لعلاء الديب قبل أن أقابله بعدة سنوات. ومازالت هذه المجموعة ماثلة فى ذهنى حتى الآن، وهى من أوائل المجموعات التى صدمتنى بقوة وفتحت عينى على عالم مختلف، وأدركت على نحو من الإنحاء أنه يمكن التعبير عن المشاعر الحقيقية، وأن الشكل ليس ضماً مقدساً.


كانت قصص المجموعة ومازالت فتحاً واكتشافاً لأنها لا تسعى وراء الحكاية، ولا تعنيها الحكاية والأحداث والوقائع، بل تسعى وراء الإمساك بإحساس ما لا يعرفه الكاتب بل يتبينه ويستكمله عبر الكتابة ذاتها. ففى القصة الأولى ـ إذا لم تخنى الذاكرة ـ هناك رجل يقرر أخيراً أن يتحرر من كل السجون التى سجن نفسه فيها: البيت والعمل والحياة الرتيبة المضجرة فيطير فى جنح الليل وهو مرتدٍ جلبابه!


وتتوالى قصص المجموعة التى صدرت فى منتصف الستينيات تقريبا وشكلت حلقة مهمة من حلقات التجديد فى القصة المصرية، وإن كان أحد لم ينتبه إليها وقتها، بل وأظن أن علاء الديب نفسه لم يكن واعياً بأنه "يجدد" بل كان يعبر عن مشاعر مختلفة غامضة على نحو من الإنحاء، فبينما كانت كل الكتابات ـ أو أغلبها ـ في ذروة انتصار الناصرية جهيرة الصوت زاعقة وتمتلك يقيناً بأن كل شىء على ما يرام، جاءت مجموعة علاء الديب عكس التيار، فلا شيء يدعو لهذه الثقة المفرطة، ولا سبب لكل هذا اليقين الزائف..


ولم تمض عدة سنوات إلا وكانت لطمة الهزيمة عام 1967، وانفجر طوفان القصة القصيرة التى كانت بجنونها ومغامراتها وشطحاتها تعبيراً عن هذه الهزيمة، إلا أن علاء الديب كان من بين الذين سبقوا الجميع بمجموعته الفاتنة حقا الخافتة الصوت بلغتها المشطوفة الناصعة.


وعلى مدى عدة عقود، وعلى نحو لم يتكرر، حرر علاء الديب بابه الأشهر فى مجلة صباح الخير "عصير الكتب". ولعل أهم ما يلفت النظر فى هذا الباب ليس فقط استمراره وانتظامه خلال كل تلك العقود فقط، بل أيضا خلوه تماماً من المجاملات والمصالح الصغيرة والمنطق التجارى الذى كان وراء أغلب الأبواب والزوايا المنتشرة فى الصحف السيارة.


وعندما يتأمل الواحد ما فعله علاء الديب فى بابه، يتذكر على الفور الدور الذى لعبه الراحل الكبير عبد الفتاح الجمل على مدى سنوات وسنوات سواء فى ملحق المساء، أو فى المساء ذاته بعد إلغاء الملحق، فقد وقف الجمل ضد التيار وحدد معياراً للنشر يتلخص فى القيمة والقيمة وحدها حتى لو اختلف الجمل مع ما ينشره، فإنه كان يبادر بنشره. ولذلك لم يكن غريباً أن تخرج كل الأسماء المحترمة من جيل الستينيات من منعطف المساء. كاتب هذه السطور لا ينسى على سبيل المثال، حين تركت له أول قصة لى دون أن أقابله، وفوجئت بها منشورة بعد ثلاثة أيام فحسب.


انتصر علاء الديب للقيمة والقيمة وحدها فى تحريره لـ "عصير الكتب"، وكتب وبشّر وعرّف بعشرات القصاصين والروائيين والشعراء الذين لا يعرفهم، واستمر هذا الملمح حتى الآن فى كل كتاباته النقدية، ويكفى أن نتذكر ما يكتبه فى صحيفة القاهرة بين الحين والآخر، ليتأكد القارئ أن الشاب علاء الديب مازال منحازاً لاختيارات لا يبلوها الزمن، وهى اختيارات القيمة حتى لو اختلفت مع اختيارات علاء الديب نفسه، وعلاء الديب فى مطلع شبابه هو ذاته علاء الديب الذى بلغ السبعين ومازال شاباً قادراً على الاختيار والانحياز للقيمة وحدها.


من جانب آخر، قد يكون إنتاج علاء الديب الإبداعى قليلاً من ناحية الكم، لكن هذا الإنتاج هو الأكثر تأثيراً والأبقى. فإلى جانب مجموعته القصصية "صباح الجمعة" كتب أيضا ثلاثيته المحكمة الرائعة التى ستظل واحدة من العلاقات الكبرى فى الرواية المصرية بابتعادها عن العاطفية والغنائية والشجن السطحى، على الرغم من أن أغلب شخوصها الرئيسية يدفعون الكاتب دفعاً نحو هذه الحلول السهلة. علاء الديب أحد كبار الساردين الواقفين على الحافة بين الإفصاح السهل العاطفى، وبين الإحكام والانضباط ليس على مستوى الشكل فقط، بل أيضاً على مستوى اللغة الناصعة المشطوفة والحريصة على عدم الوقوع فى شراك الغنائية.


وفى "وقفة قبل المنحدر.. أوراق مثقف مصرى" لا يحاكم علاء الديب عصرنا وخيباتنا وأوهامنا فحسب، بل يحاكم نفسه قبل الجميع، ليس من أجل جلد الذات وتعذيبها، بل سعياً وراء الحقيقة واختبارها بعد أن تعرض الوطن لما تعرض له، بحيث بات وطناً يصعب التعرف عليه.


أما اختياراته فى الترجمة فهى ذات الاختيارات التى أخلص لها فى إنتاجه الإبداعى والنقدى. كتاب "الطاهر" مثلاً أو مجموعة "امرأة فى الثلاثين" أو كتاب هيمنجواى عن إحدى رحلاته إلى أوربا وغيرها وغيرها فى الشعر والقصة والرواية والنقد.
لا تكفى المساحة هنا للكلام كثيراً حول دوره كأحد كبار الساردين على الرغم من حرصه على التوارى، ولا أقول العزلة، واحتقاره لتبادل المنافع والمصالح الصغيرة، كما لا تكفى أيضاً للكلام الكثير حول قيمة الاحترام التى جسدها هو دون أى تعمد من جانبه، فقد خلقه الله محترماً.


يملك علاء الديب فضيلة الاستبعاد فى الكتابة، أى استبعاد الزائد والنافل، ثم المزيد من الاستبعاد ليبقى على الجوهر، كما يملك فى الحياة فضيلة الاستغناء عن المجد الزائف بكل أشكاله وصنوفه، وليس من قبيل المصادفة أن أقل الناس ضجيجاً وظهوراً وكلاماً مرسلاً فى وسائل الإعلام هو أيضا علاء الديب.


الحقيقة أننى أشعر بفرح شديد لأننى عرفت علاء الديب، وبفرح أكثر لأنه شرفنى بصداقته، وبفرح أكثر وأكثر لأن هناك واحداً اسمه علاء الديب، فعل كل ما فعله دون أن ينتفخ وينتابه الغرور والخيلاء، بل على العكس تماماً هو أكثر الناس تواريا وابتعاداً عن الضجيج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمود الوردانى
نشر في مجلة الثقافة الجديدة العدد 242 نوفمبر 2010