الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

الثقافة والجلافه فيما جرى مع علاء الديب









الكاتب والروائي والناقد الكبير علاء الديب ليس بحاجة لتقديم . عرفته الحياة الثقافية والأدبية على مدى أربعين عاما ، ناقدا ، وروائيا، له خمس روايات تعد علامة بارزة فى تاريخ الرواية العربية هى “زهر الليمون” و”أطفال بلا دموع” و”قمر على المستنقع”و”عيون البنفسج” و”أيام وردية”، وخمس مجموعات قصصية ، غير ماقام بترجمته مثل قصص مختارة من هنرى ميللر ومسرحية لعبة النهاية لبيكيت وغيرها.

 أما عن إخلاصه للحقيقة فقد تجلى في الدفاع الحار عن كل نبتة موهوبة وكل قلم شريف والمهمشين من الأدباء .

 قام الديب بذلك عبر باب أسبوعي شهير بمجلة صباح الخير أسماه ” عصير الكتب”، عد أحد أهم الأعمدة الثقافية ، حتى أن دار الشروق جمعت الكثير من مقالاته في كتاب بنفس العنوان. مع ظهور جريدة القاهرة من نحو عشر سنوات بدأ الديب يكتب فيها بابا أسبوعيا أسماه ” كتاب في كلمة “، كان بشهادة الجميع أهم عمود ثقافي في مصر.

ولم يكن سر ذلك الذيوع أن ما يكتبه علاء الديب يتسم بالعمق والرهافة والقدرة على كشف مواضع الجمال والضعف في العمل الفني ووضع العمل في سياقه التاريخي والاجتماعي، بل ولأن كل ماكتبه الديب كان يتسم بالنزاهة وبتجنب المجاملات وتأثير العلاقات الشخصية أوالانسياق إلي ضغوط المؤسسات والرأي الشائع الذي يتم اصطناعه واختلاقه.

عبر تلك الرحلة الطويلة كان علاء الديب ضميرا مرهفا. وأظن أنه كان ينظر لدوره هذا بصفته ضريبة لابد للكاتب أن يؤديها لمجتمعه. يذكرني ذلك بالراحل العظيم يوسف إدريس حين أهمل كتابة القصة القصيرة وتفرغ فترة في جريدة الأهرام لمقالات نارية تعالج الأوضاع السياسية، وحين سئل”ألم يكن من الأفضل أن تولي اهتمامك للقصة القصيرة وأنت أستاذها؟” كان جوابه ” كيف أكتب قصة وستائر البيت تحترق؟”.

 كان يوسف إدريس يدرك أنه مواطن مصري قبل أن يكون كاتبا، وعندما يحترق الوطن فإن عليه أن يهب لإطفاء الحريق غير عابئ بأي شيء آخر حتى لو كان إبداعه العبقري. أعتقد أن علاء الديب أدى دوره من نفس المنطلق ، حارسا للمواهب وللحقيقة حتى لو كان ذلك على حساب إبداعه كروائي وقاص.

قلت إن علاء الديب ليس بحاجة لتقديم. لكن ماحدث مع علاء الديب مؤخرا جعلني أقدمه لكي يعرف الناس أي كاتب كبير أساء إليه العاملون بوزارة الثقافة، فجاءت إساءتهم إهانة عميقة للثقافة المصرية ووزارة الثقافة ذاتها.

وقد بدأت القصة مع تولي سعد عبد الرحمن رئاسة مجلس إدارة جريدة القاهرة مؤخرا، وحديثه عن أن جريدة القاهرة لا تحقق أرباحا. وحين قرر سعد عبد الرحمن تقليص نفقات الجريدة لم يجد زيادة يحذفها سوى المكافأة الشهرية التي يحصل عليها علاء الديب ! وهي مكافأة رمزية قياسا بدور علاء الديب كمستشار أدبي للجريدة وصاحب عمود أسبوعي مرموق. سعد عبد الرحمن هو قبل ذلك رئيس هيئة قصور الثقافة التي تصل ميزانيتها السنوية لثلاثمائة مليون جنيه ويتبعها أكثر من خمسمائة موقع ولم يسمع أحد يوما بأنها تركت أثرا في مواجهة الظلام الفكري الذي يعم البلاد ، أو أنها قامت بدور ثقافي يذكر في التصدي للفتنة الطائفية ! وكلها قضايا من صميم عمل الهيئة،وإلا فما هو دورها؟. لم يجد سعد عبد الرحمن زيادة في ثلاثمائة مليون جنيه تهدر سنويا ، لكنه عثر على تلك الزيادة في مكافأة رمزية يتقاضاها علاء الديب! على أية حال ربما – أقول ربما – يكون من حق سعد عبد الرحمن أن يضغط ميزانية جريدة القاهرة بصفته رئيس مجلس الإدارة .

لكن هل من حقه أن يبرر مافعله بتصريح للصحف يقول فيه ” إن جريدة القاهرة ليست شئون اجتماعية”؟! أكان علاء الديب يتقاضى مكافأة عن عصارة عقله وروحه كمثقف كبير أم معونة اجتماعية؟ ألم يكن علاء الديب في واقع الأمر ” شئون اجتماعية ” تعاون جريدة القاهرة بالمقالات، ويتكسب من وراء اسمه ومقالاته موظفون عاطلون عن أية موهبة سوى قدرتهم على الجلوس طويلا يلوكون الملل خلف مكاتب كئيبة؟. ألم تكن هذه هي موهبة إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام وغيره ممن تقاضوا الملايين شهريا ؟ أم أننا صرنا نعيش عصر الموظفين بحيث لم نعد نرى موظفا كبيرا إلا ويكون بالضرورة روائيا أوشاعرا أو قاصا مرموقا حتى لم يترك الكذب شبرا واحدا للحقيقة. أم أن إهانة علاء الديب جزء من الطابع الثوري لوزارة الثقافة بعد 25 يناير؟ .

 أم أن تلك الإهانة جزء من وضع عام رأينا فيه الصحف تصادر – بعد ثورة – والقنوات التلفزيونية تغلق – بعد ثورة – والدستور يلفق – بعد ثورة – فلا يحظر في المادة 45 إغلاق وتعطيل ومصادرة الصحف؟ أكان المقصود علاء الديب ؟ أم كل علاء مفكر وكاتب حر؟ أظن أن الإهانة تجاوزت قامة علاء الديب لتصبح إشارة إلي الكيفية التي قد تتعامل بها السلطة مع المثقفين .

عام 1924 خاطب عبد القادر المازني القارئ في مقدمة كتابه ” حصاد الهشيم ” بقوله” هذه مقالات مختلفة .. تباع المجموعة بعشرة قروش لا أكثر . وأقسم لك أنك تشتري عصارة عقلي وإن كان فجا ومجهود أعصابي وهي سقيمة بأبخس الأثمان! إن في الكتاب أكثر من أربعين مقالا تختلف طولا وقصرا وعمقا وضحولة، وأنت تشتري كل أربع منها بقرش! ثم أنك تشتري كتابا هو على الأقل زينة على مكتبك.على أنك قد لا تهضم أكلة مثلا فتشعر بالحاجة إلي التسرية وتجد أمامك هذا الكتاب فالعن صاحبه وناشره ماشئت ! ثم أنت بعد ذلك تستطيع أن تبيعه وتنكب به غيرك ! أفقليل كل هذا بعشرة قروش؟”. وقد انقضت على هذه الصيحة الساخرة المريرة نحو مئة عام كاملة، ومازلنا نرى أن عشرة قروش كثيرة على عصارة عقل الكاتب وأعصابه، الأسوأ من ذلك أننا – بعد ثورة – صرنا نضيف إلي ذلك الواقع التعس عبارة مهينة تنتقص من قدر كاتب كبير.

في عام 1964 قام المسئولون بفصل مجموعة من الكتاب من جريدة الجمهورية كان على رأسهم عميد الأدب العربي طه حسين ، فكتب العميد في يوليو 1964 يعقب على ذلك الإجراء بمرارة ” لقد استغنوا عن خدماتي ضمن عدد من المحررين”! لا يتذكر أحد الآن ، ولم يتذكر أحد من قبل ، اسما واحدا من أسماء الموظفين الذين فصلوا طه حسين، ويظل اسم الكاتب مغردا في الضمائر، ويظل عمله وإبداعه ” شئون اجتماعية ” عاونت كل الوزارات وكل موظفيها.

عام 1907 أطلق الشاعر الكبير حافظ إبراهيم صيحة مريرة من قلبه :
حطمت اليراع فلا تعجبي .. وعفت البيان فلا تعتبي
فما أنت يامصر دار الأديب .. ولا أنت بالبلد الطيب !
ومازالت القصيدة صالحة لوصف أحوالنا بعد قرن ، وبعد ثورة أراد الناس بها المزيد من الحرية والكرامة واحترام الثقافة والكتاب !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد الخميسي
نشر في صوت العروبة بتاريخ 7 ديسمبر2012

السبت، 17 نوفمبر، 2012

ما عاش يا أستاذ علاء..







*النظام الاستبدادى عادة ما ينظر إلى المبدعين بتوجس، وهو لا يأمن لهم إلا إذا تحولوا إلى أبواق للحاكم، أما أن يقبض المثقف على الجمر ويظل مخلصا لمبادئه، مثلما فعل الأستاذ علاء الديب، فلابد أن يثير ذلك كراهية المسؤولين فى الدولة*



    ظل الأستاذ علاء سنوات يبذل هذا الجهد الكبير فى جريدة «القاهرة» مقابل أجر تافه لا ترضى به سكرتيرة حسناء فى مكتب أى مسؤول، وهو الذى كان يستطيع بسهولة أن يحصل على مبالغ طائلة لو أنه وافق على الكتابة فى مجلات الخليج أو الصحف الخاصة التى طالما سعت إليه، لكن الأستاذ علاء كعادته لا يهتم بالمال ويحس برضا حقيقى مادام يؤدى شيئا مفيدا للثقافة..


    الأنظمة الاستبدادية تستعمل دائما أهل الثقة وليس أهل الكفاءة. معظم المناصب فى الدولة المصرية يحظى بها لواءات على المعاش أو موظفون مطيعون خبيرون بإرضاء الرؤساء وتدبير المكائد للتخلص من المنافسين. من الطبيعى أن ينزعج هؤلاء المسؤولون العاطلون عن الكفاءة من كبار المبدعين، لأنهم يحسون أمامهم بالضآلة


حدث ذلك من ثلاثين عاماً: كنت أبدأ محاولاتى الأدبية فكتبت قصة قصيرة وأردت أن أنشرها فى مجلة «صباح الخير». ذهبت إلى الأستاذ لويس جريس، رئيس التحرير آنذاك، فأحالنى إلى المسؤول الأدبى للمجلة الأستاذ علاء الديب. أحسست برهبة وأنا ألتقى بواحد من أهم الأدباء المصريين. رحب بى الأستاذ علاء، فتغلبت على خجلى ومددت يدى له بالقصة فدعانى للجلوس وبدأ فى قراءتها فورا، ولما فرغ تطلع إلىّ وقال:

ـــ القصة جيدة ولكن لدى بعض الملاحظات، هل تحب أن تسمعها...؟!
ــــ طبعا


على مدى ساعة كاملة شرح لى الأستاذ علاء دروساً مفيدة فى الكتابة. قال لى إن مشكلة الكتابة العربية هى الكلام الزائد. يجب أن تكتب بالضبط ما تقصده. نصحنى بأن أستعمل علامات الترقيم بحرص. قال جملة لا أنساها:
ـــ نحن نكتب كما نتكلم. كل توقف أو إبطاء أو إسراع فى إيقاع الكتابة يجب أن يحمل معنى.


خرجت من مكتب الأستاذ علاء وأنا مندهش من أن أديباً كبيراً مثله يعطى من وقته ساعة كاملة لكاتب ناشئ لا يعرفه أحد. نُشرت القصة فى مجلة «صباح الخير» وبعد أعوام قليلة أصدرت مجموعتى القصصية الأولى وما إن أرسلتها إلى الأستاذ علاء حتى كتب عنها مقالا جميلا يشيد بها. كانت فرحتى عارمة، فقد كانت إشادة الأستاذ علاء ومازالت بمثابة شهادة ميلاد لأى كاتب شاب. اقتربت من الأستاذ علاء وشرفت بصداقته على مدى ربع قرن. يحتاج الحديث عن هذا الرجل إلى كتاب كامل. الأستاذ علاء روائى كبير له تجربة خاصة وفريدة استطاع بها أن يكسر الحاجز بين النثر والشعر، وأنجز مشروعه الروائى فقدم عالما إنسانيا فريدا بلغة مصقولة صافية لا أعتقد أنها توفرت لسواه، من أهم ما كتب علاء الديب رواية «زهر الليمون» الشهيرة، وروايات «أطفال بلا دموع» و«قمر على المستنقع» و«عيون البنفسج» وهى ثلاثية مدهشة فذة فى تعبيرها عن غربة الإنسان المصرى فى عصر الانفتاح... بالإضافة إلى إنتاجه الأدبى العظيم مارس الأستاذ علاء النقد التطبيقى على مدى خمسين عاما فى زاويته الأسبوعية «عصير الكتب».


كل أسبوع يقدم قراءة نقدية بسيطة وعميقة لنص أدبى. يتوجه إلى القارئ العام ليثقفه ويشرح له أسرار فن الأدب. أجيال متعاقبة من المصريين والعرب تعلموا قراءة الأدب وتذوق الفن بفضل علاء الديب. أذكر أننى كنت أقرأ «عصير الكتب» كل أسبوع ثم أسارع بقراءة الكتاب الذى عرضه الأستاذ علاء لأتعلم كيف أتذوق النص الأدبى. دور عظيم آخر اضطلع به علاء الديب هو اكتشاف المواهب الأدبية وتقديمها، ما إن يقرأ الأستاذ علاء نصاً لكاتب موهوب حتى يكتب عنه ويبادر بالاتصال ويدعمه بكل جهده... معظم الأسماء اللامعة فى عالم الأدب قدمهم علاء الديب لأول مرة وتتلمذوا عليه، وهو شأن الكبار دائما لا يذكر أبداً فضله على تلاميذه، يأتون إليه كطيور صغيرة فيرعاهم ويعلمهم الطيران، وما إن يحلقوا عاليا حتى يطمئن عليهم ويلتفت إلى غيرهم ممن يحتاجون إلى مساعدته. الأستاذ علاء من القلائل الذين عرفتهم فلم أجد تناقضا بين ما يقولون وما يفعلون. إنه يعيش تماما مثلما يكتب.


تعلمت من الأستاذ علاء كيف نفصل الخاص عن العام. رأيت ذلك أكثر من مرة: يكون الأديب صديقا للأستاذ علاء ثم يصدر كتاباً لا يعجب الأستاذ علاء فلا يكتب عنه، والعكس صحيح، يكون الكاتب على خلاف شخصي مع الأستاذ علاء ثم يصدر كتابا يعجب به فيكتب مشيدا به.. رأيت كيف يتعفف الأستاذ علاء وينأى بنفسه عن كل صراعات المثقفين وتقاتلهم على المصالح الضيقة. رأيت فى الأستاذ علاء نموذجا للكاتب الحقيقى الذى لا يسعى إطلاقا إلى الشهرة أو الثروة. لا يحب الأستاذ علاء الأضواء والكاميرات، ويضيق بكل ما هو مصطنع متكلف، وله واقعة شهيرة عندما أفلح أحد المعدين فى إقناعه بالظهور فى التليفزيون لمناقشة روايته العظيمة «زهر الليمون». وما إن بدأ التسجيل حتى فوجئ بالمذيعة تسأله:
ــ ممكن تلخص لنا الرواية من فضلك..
فتطلع إليها الأستاذ علاء وقال:
ــ حضرتك بتناقشى رواية لم تقرئيها..؟


لم ينتظر الإجابة وإنما فك الميكروفون المعلق بثيابه وانصرف من الأستوديو وسط ذهول العاملين. يعتبر الأستاذ علاء الكتابة واجبا يؤديه وليست حرفة يبيعها.. رأيت الأستاذ علاء مراراً وهو يرفض مناصب يلهث وراءها آخرون من كبار الكتاب. رأيته يتعامل بندية وكرامة مع أكبر المسؤولين فى الدولة وأصحاب ملايين ينحنى أمامهم الجميع. إنه نموذج لإنسان استغنى بالفن عن كل ما عداه، فمنحه استغناؤه صلابة لا تتوفر لكثيرين. يلخص الأستاذ علاء فلسفته فى الحياة قائلا:
ـــ كل هذه الأضواء وهذه الضجة ستذهب هباء. سنموت جميعا ولن يتبقى منا إلا ما يستحق البقاء. لو أنك قضيت عمرك كاتبا ولم تضف سوى جملة واحدة مفيدة إلى الأدب العربى تكون قد أنجزت شيئا كبيرا...


.. على أن ما أضافه علاء الديب ليس جملة وإنما بناء شاهق. حديقة جميلة زرعها علاء الديب بحب ودأب فأثمرت زهورا رائعة من كل نوع. سيظل الأدب العربى مديناً لهذا الرجل بأعماله الجميلة الخالدة وبمقالاته النقدية التى علَّمت الأجيال، وبتقديمه لأهم المواهب الأدبية فى مصر والعالم العربى على مدى نصف قرن. لو كان علاء الديب فرنسياً أو إنجليزياً وفعل ربع ما فعله للأدب لكان محل التقدير الفائق من الدولة..


ماذا فعلت الدولة المصرية لعلاء الديب..؟ مرة واحدة أرادت وزارة الثقافة أن تضفى بعض المصداقية على جوائز الدولة التى تعطيها للمحاسيب والحبايب فاختارت أسماء قليلة محترمة مثل الأستاذ علاء الديب والدكتور جلال أمين. فيما عدا هذا لم يلق الأستاذ علاء من الدولة إلا المشاكل والتصرفات الصغيرة. منذ سنوات احتاج الأستاذ علاء إلى جراحة فى القلب وأعلن المسؤولون أن علاجه سيكون على نفقة الدولة (وهذا أبسط حقوقه كمواطن).. فشلت العملية نتيجة إهمال شنيع فى المستشفى، وأجرى الأستاذ علاء عمليتين أخريين تركتا أثرا سيئا على صحته إلى اليوم. الغريب والمشين أن المسؤولين تقاعسوا عن دفع مصاريف العلاج وقام مدير المستشفى بأخذ توقيع الأستاذ علاء وهو مريض على تعهد بتسديد أتعاب المستشفى، ولما تقاعست وزارة الثقافة تحركت دعوى جنائية ضد الأستاذ علاء وأصبح مهددا بالحبس وهو مريض، وتدخل تلاميذ الأستاذ علاء ومحبوه وأجروا مفاوضات شاقة مع وزارة الثقافة حتى دفعت تكاليف العلاج.


هكذا تعامل الدولة المصرية واحداً من أهم الأدباء العرب. تجربة أخرى للأستاذ علاء مع الدولة لما صدرت جريدة «القاهرة» ألح رئيس تحريرها الأستاذ صلاح عيسى على الأستاذ علاء لكى يكتب مقاله النقدى كل أسبوع ويشرف على القسم الأدبى. ولأن الأستاذ علاء يمارس الكتابة باعتبارها واجبا ثقافيا وليست حرفة يتكسب منها فقد استجاب لإلحاح صلاح عيسى، وقبل أن يعمل فى جريدة «القاهرة». بالإضافة إلى مقاله الأسبوعى طالما رأيت الأستاذ علاء غارقا فى فحص عشرات الأعمال للأدباء الشبان، يجمعها كل أسبوع فى ملف كبير يقرؤها بعناية ويفرزها ويدوِّن ملاحظاته عليها ويرشح ما يصلح للنشر.. ظل الأستاذ علاء سنوات يبذل هذا الجهد الكبير فى جريدة «القاهرة» مقابل أجر تافه لا ترضى به سكرتيرة حسناء فى مكتب أى مسؤول، وهو الذى كان يستطيع بسهولة أن يحصل على مبالغ طائلة لو أنه وافق على الكتابة فى مجلات الخليج أو الصحف الخاصة التى طالما سعت إليه، لكن الأستاذ علاء كعادته لا يهتم بالمال ويحس برضا حقيقى مادام يؤدى شيئا مفيدا للثقافة..


ثم تغير رئيس مجلس إدارة جريدة «القاهرة" وجاء شخص لم يسترح إليه علاء الديب فسارع بتقديم استقالته وأبلغنى بذلك تليفونيا وهو يضحك، فهنأته على الاستقالة لأننى كنت أستحثه على ترك جريدة «القاهرة» منذ فترة طويلة. يبدو أن استقالة الأستاذ علاء أغضبت رئيس مجلس الإدارة الجديد. الذى شأنه شأن الموظفين يريد أن يشعر بأنه المتحكم الأوحد فى كل من يعمل معه. أدلى رئيس مجلس الإدارة بتصريحات يخالف فيها الحقيقة ويزعم أنه استغنى عن خدمات الأستاذ علاء. إذا كان الأستاذ علاء هو الذى تقدم باستقالته فلماذا يصر رئيس مجلس الإدارة على توجيه الإساءة إلى هذا الكاتب العظيم..؟! لا يجوز هنا أن نرد على هذا الشخص، لأن من لا يعرف قيمة علاء الديب لا يعرف شيئا عن الثقافة المصرية. لكن السؤال: لماذا ينعم كبار المبدعين بالتكريم فى الدول الديمقراطية بينما يعانون من التهميش والمضايقات فى الأنظمة الاستبدادية..؟!



الإجابة أن الأنظمة الاستبدادية تستعمل دائما أهل الثقة وليس أهل الكفاءة. معظم المناصب فى الدولة المصرية يحظى بها لواءات على المعاش أو موظفون مطيعون خبيرون بإرضاء الرؤساء وتدبير المكائد للتخلص من المنافسين. من الطبيعى أن ينزعج هؤلاء المسؤولون العاطلون عن الكفاءة من كبار المبدعين، لأنهم يحسون أمامهم بالضآلة. لو كنت لواء فى الجيش وخرجت على المعاش ثم عينوك مديراً للأوبرا فلابد أن تكره علاء الديب، لأنه فى كل لحظة سيذكرك بأنك أخذت منصبا لا تستحقه..


أضف إلى ذلك أن النظام الاستبدادى عادة ما ينظر إلى المبدعين بتوجس، وهو لا يأمن لهم إلا إذا تحولوا إلى أبواق للحاكم، أما أن يقبض المثقف على الجمر ويظل مخلصا لمبادئه، مثلما فعل الأستاذ علاء، فلابد أن يثير ذلك كراهية المسؤولين فى الدولة. لا يحتاج علاء الديب إلى وزارة الثقافة ولا مناصبها ولا مكافآتها لأن تقديره يأتى من الناس وليس من رئيس مجلس إدارة جريدة «القاهرة» ومن هم على شاكلته. عندما بلغ فيكتور هوجو عامه الثمانين فكر الفرنسيون فى أفضل طريقة لتكريمه، ودعت الصحف كل من قرأ مؤلفات هوجو إلى المرور تحت شرفته، فتدفق عشرات الألوف من البشر على مدى اليوم ليعبروا له عن حبهم. لو طبقنا هذه الفكرة ودعونا تلاميذ علاء الديب وقراءه ومحبى فنه لامتلأت ضاحية المعادى، حيث يسكن، بآلاف مؤلفة من البشر أثر فيهم وعلَّمهم هذا الفنان الكبير..
ما عاش من يسىء إليك يا أستاذ علاء..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في موقع الجبهة بتاريخ 17 نوفمبر 2012 للكاتب علاء الأسواني






الجمعة، 17 فبراير، 2012

إلى علاء الديب.. جواب بعلم الوصول






هشام أصلان

العم الكبير علاء الديب،

تحية طيبة، تحمل كل الروائح الحُلوة..

فاكر يا عم علاء، وعدى لك بخطاب يحمل بعضا من الكتابة، كانت هذه وسيلتك لرفع معنويات أحد محبيك، وإخراجه من حالة نفسية سيئة، وأنت المدرك لخطورة الإحباط والتكلس واليد البطّالة..


ربما لا تعرف أن مجرد هاتف منك للاطمئنان على الأحوال كفيل بصنع البهجة، فما بالك بهاتف ساحر للسؤال عن تأخر الكتابة. إنه أمر، والله، يدعو للتأمل فى حال كاتب بحجمك، يهتم ويتابع ما يكتبه الصغار، ويشعر بتأخرهم، فلا دهشة إذن من أن تصير ملهما، ويصبح عمودك الأسبوعى الشهير «عصير الكتب»، عنوانا لبرنامج ناجح.
  
فكرت أن الخطاب، لابد أن يحمل لك بعض البهجة، وجاء فى الذهن أن أكتب لك عن شىء تحبه، فلم أجد طريقا إلى قلبك غير الحديث عن كتاب ما، وياحبذا لو كان من الكتب التى لا علاقة لها بالثورة.


لم تكن هناك حيرة فى الاختيار، فهنا، فى زحام القاهرة الكبرى، يعيش كاتب أربعينى صعيدى عاشق لك، اسمه حمدى عبدالرحيم، تعرفه طبعا. هذا الرجل كان دائم التحدث عنك، ولك أن تشعر بحجم محبتك فى القلوب لو عرفت أن هذه المحبة، هى الشىء الوحيد الذى يتفق عليه حمدى مع كاتب آخر، تعرفه أيضا، سأقول لك اسمه سرا فيما بعد، ليس هذا فحسب، فحمدى لم يخجل وهو يعترف أمام عدد من الزملاء أنه قبّل يدك تقديرا ذات يوم، ولم يكتف بهذا، فكتب فى تصدير روايته الأولى «سأكون كما أريد»، إهداء: «إلى علاء الديب، شيخ الطريقة وصاحب المقام».

وكان اسمك فى التصدير فاتحة خير، وفازت «سأكون كما أريد» بجائزة معرض الكتاب فى دورته الماضية، فرع الرواية.


الذى يعرف حمدى عبدالرحيم، يا عم علاء، تصيبه دهشة دائمة.

تنظر إليه من زاوية، فتراه حاد الطباع، قاسى الرأى، غير عابئ بالمرأة الجميلة، لا يفرق بين دموعها وبين دموع التماسيح. وتنظر إليه من زاوية أخرى، فتجده يُقدر جمال سعاد حسنى، والفتنة المستترة لفاتن حمامة، رائق، منتشيا وهو يلقى على مسامعك أبيات محمود درويش وأمل دنقل، ويتجلى أكثر مع الأبنودى فى رثائه ليحيى الطاهر عبدالله:

يا يحيى يا عجبان يا فصيح.. يا رقصة يا زغروتة

إتمكن الموت من الريح.. وفرغت الحدوتة 
كنا شقايق على البُعد.. وع القُرب شأن الشقايق

أنا كنت راسم على بُعد.. وخانتنى فيك الدقايق

ربما، من الأفضل، الدخول إلى الموضوع مباشرة، كما تفعل أنت يا عم علاء، لكنها كانت فرصة لقول شىء ما عن الكاتب، الذى لم أستطع التعامل مع بطل روايته منفصلا عنه، فبينهما تشابه أعطى فرصة للمنشغلين بصغائر أمور القراءة للتدقيق والتفذلك ومحاولة الإدانة البلهاء بأن هذه ليست رواية ولكنها سيرة ذاتية، غير عارفين أن السيرة الذاتية، إن كتبت جيدا، تكون من أحلى أنواع الأدب، إضافة إلى عدم إدراكهم أن القارئ الذى يحبون وصفه بالـ«عليم»، تجاوز هذه الصغائر منذ زمن، وأدرك أن الكتابة الحلوة هى الأساس، والأمثلة كثيرة، فيكفى أن نتذكر عمودك الأسبوعى، أو الرسائل الفاتنة لعبدالحكيم قاسم.


ورغم هذا سوف نعتبر هذا رأيا يستحق المناقشة، ونقول لهم إن «سأكون كما أريد»، ليست سيرة ذاتية، لكنها رواية بامتياز، استفاد فيها حمدى من تجربته الذاتية، وأنت سيد العارفين، يا عمنا، أن وجود عالم حقيقى هو الدافع الوحيد للكتابة، توخزك الرغبة فى البوح، فتصبح غير قادر على العيش دون إخراج ما بداخلك، وتكون الكتابة ضرورة.


الرواية شيقة يا عم علاء، توجد ملاحظة وحيدة خاصة بكلاسيكية البناء، لكنها ملاحظة لا تعيب العمل بقدر ما تخص الذوق الشخصى. لكن، للحق، هذا البناء الكلاسيكى جاء بمنتهى الإحكام، وتجد الشخصيات مرسومة بوعى كبير، فانفعالك بشدة مع اغتصاب آمال، أثناء هروبها مع زوجها من الكويت بعد حرب الخليج الأولى، لا يأتى فقط لكون مغتصبيها إسرائيليين، لكن الخط الذى رسمه الكاتب لآمال منذ كانت مراهقة جميلة، يجعلك مدركا للفاجعة التى أصابت البطل، فيتضاعف انفعالك تعاطفا معه.

كلنا عشنا تلك اللحظات يا عم علاء، أن تكون على مشارف الصبا، ترقب العالم حولك من جيران، نساء ورجالا، وتكون هناك البنت التى تكبرك بسنوات، ستتزوج قبل أن تصير أنت شابا، ورغم ذلك تلعب علاقتكما فى المنطقة الوسط، تقول لها يا «أبلة»، وهى تحنو عليك كأخ صغير من ناحية، ومن ناحية أخرى تنتشى بنظرتك التى تشتهيها بفطرة، وربما تفعل مثل آمال، وتعطيك قميصا يحمل رائحتها، لتتذكرها دائما.


والعالم الذى أخرجه حمدى عبدالرحيم ليس مكانيا فقط، بل إنه فرّغ التباساته الشخصية فى مصطفى أبوالفتوح، بطل الرواية، حاد، قاس أحيانا، قوى خارجيا، لكنه يحمل مشاعر رهيفة، فيصدمه عزال جارته الخالة فتحية الجميلة وأبنائها، أو فقد رضوان، المناضل اليسارى الذى مات على يد اليهود فى لبنان.

هذه المشاعر، تدفعه للإصرار على مقابلة حسن نصر الله يوما ما، كان مجرد السلام على من قهر اليهود، ولو بشكل جزئى، حلما، فمصطفى مثل كاتب الرواية، يحلم بالأبطال، ويقدر أخلاق الفروسية.


تعرف، أيضا يا عم علاء، الالتباس الحاصل فى الوسط الأدبى، مع إقدام محررى الصحافة الثقافية على كتابة رواية أو قصة، والسمعة التى تلتصق بهذا الأمر، عندما يكون الصحفى فى حاجة نفسية لوضع اسمه على كتاب، كى يوصف بالكاتب، باحثا عن تحقق زائف، ولكنْ قليلون من هؤلاء ليست هذه قضيتهم، وتستشعر أن حمدى عبدالرحيم من هؤلاء القليلين قبل حتى أن نقرأ، فهو تحقق بالفعل بمشاركته فى التأسيس التحريرى لعدد من الصحف الناجحة وهو فى العشرينيات من العمر، قبل أن يصدر كتابه الناجح جدا: «فيصل تحرير.. أيام الديسك والميكروباص».

انظر إلى عناوين الفصول، قبل القراءة، تجد فيها ما يحمل حلاوة لغوية، «زمن الروائح»، «وجع الفطام»، «كنوز رضوان»، «فرحة الخريف»، ربما تتساءل، لماذا لم يختر واحدا منها عنوانا للرواية، بدلا من، «سأكون كما أريد»، الذى هو دال بشكل أو بآخر، بل إنه تيمة الرواية، التى تعد ضفة تقابلها تيمة الفقد لتمثل الضفة الأخرى لنهر الرواية. حيث الصعاب والصدمات التى قابلت مصطفى أبوالفتوح لم تحيده عن الطريق الذى أحبه من الصغر، فيصبح من بائع كتب على فرشة إلى أحد أهم الناشرين، ويضطر إلى القتل فى آخر الطريق حتى لا يخضع أو ينحنى.


مهلا، ما الذى أفعله، لا أريد أن أحرق لك العمل يا عم علاء، وإن كنت أشك أنك بالفعل لم تقرأه.

على أية حال، سيكون جميلا لو أنك قرأته، ونتحدث عنه كثيرا، وعن أشياء أخرى، عندما نجلس سويا، فصديقك الشاعر زين العابدين فؤاد وعد بتنظيم زيارة لك، نستقى منها بعض البهجة.


ألقاك على خير أيها النبيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 17 فبراير 2012