السبت، 26 أبريل، 2014

لا سلفيين فى السياسة

          

هل - حقا - انتهى الدرس؟
 أم هو - الآن - بدأ؟
هل تعلمنا من الفجر الذى طلع مع خروج الشعب فى 30 يونيو بعد ليلة كابوسية حسبناها لن تنقشع أبداً، سرق فيها سكان المغارة الجوهرة الوليدة التى صاغتها إرادة ودماء الناس فى أبسط وأنصع شعار: عيش حرية كرامة إنسانية؟

هل تعلمنا من الثورة والسرقة والفجر: أن «الإسلام هو الحل» كان الخديعة الزلقة التى حاولت أن تدفع البلاد إلى هاوية «القاعدة» و«أفغانستان»، وأن تحرمنا من الاثنين معا:
من «الإسلام» ومن «الحل»!
ما زلنا نخاف ونحسب حساب الإسلام والإيمان؟!
كأننا لم ندرك - بعد - أن سحبه من أيدى هؤلاء الدجالين الذين صوروا للبسطاء: أن من كليات ومطلقات الدين نستطيع رصف الطرق.

 اختفاء هؤلاء وأشباههم إعادة للدين إلى جلاله، إلى نقاء نوره وآثاره فى الروح والقلب فى العقل وكل الجسد الإنسانى.
 على الشعب أن يعمل من أجل الحل. 
الحل ليس فى السماء.
«السلفيون والسياسة» الكتاب الأول من سلسلة
«المكتبة السياسية» التى تساهم بها الهيئة المصرية العامة للكتاب فى كشف غيوم الفكر السياسى فى هذا المنعطف الخطير الذى نمر به.

 إن الذى حدث ليس نجاحا للدجالين باسم الدين، ولكنه فشل وغياب للفكر وللعمل السياسى بعد سنوات الفساد والجدب. وطبعا لوقوع شعبنا وبلادنا فى عين عاصفة مؤامرة صراع الحضارات.
تقول هيئة تحرير السلسلة فى تقديمها:
«هذا البديل المسمى بالإسلامى سرعان ما سقط فى تناقضاته الجوهرية مع استحقاقات العصر، ومطالب الشعب، إنه لن يكون بحال من الأحوال قاطرة مجتمعاتنا إلى الغد الذى رسمت الثورة معالمه الأساسية».

عالم الاجتماع وأستاذ الأنثروبولجيا فى جامعة بنها الدكتور: محمد حافظ دياب (مواليد 1938 - جائزة الدولة التقديرية 2013) يهدى كتابه إلى: نصر حامد أبوزيد وهو دراسة تاريخية، فكرية، سياسية للحركات السلفية ومحاولاتها القديمة والحديثة للولوج إلى ميادين السياسة والسيطرة، لقد عمل الدكتور دياب بتدريس الاجتماع، والفلسفة والفكر الدينى فى كل من: الجزائر والسعودية وليبيا.

 وكانت رسالة الدكتوراه موضوعها: المهاجرون الجزائريون فى مارسيليا.
 أقصد أنه كما يبدو - يعرف موضوعه نظريا وفعليا معرفة تاريخية وسياسية، علمية إنسانية مسؤولة.
لذلك فإن الكتاب الذى احتشد بالمعلومات التاريخية والفكرية عن أصول السلفية فى كل من السعودية، والمغرب، ومصر يقدم لنا قراءة مضيئة مفيدة.
محذرة وكاشفة للأخطار التى مازالت محدقة بالمشهد السياسى على امتداد العالم العربى.
«القول بأن الجماعة السلفية واحدة من الجماعات الإسلامية قول غلط، فهى الجماعة الوحيدة التى يجب اتباعها، والسير على منهاجها والانضمام إليها، والجهاد معها، وما عداها، فإنه لا يجوز الانضمام إليه لأنه من الفرق الضالة».

نفس المنطق المتعالى، المحتكر للحقيقة والذى يقود إلى طريق مسدود، ونفس المنطق الذى كرس النفور من «الرأى» كمسلك عقلى، ومن الفكر كفريضة إسلامية. منذ محمد بن عبدالوهاب وجنوده من (الإخوان) فى الدرعية، وإشاعة ضرورة إعادة الخلافة وعدم شرعية الدولة العثمانية.
 والتمكين السياسى لسعود الكبير واستعادة أفكار «الغزوات» و«الهجرة» و«الجهاد» وتبادل المواقع والمنافع بين السلطة، والدين، خلق هذا وضعا قابلا للتصدير، خاصة بعد «ظهور النفط (1946) والوضع الخاص للمملكة - أرض الحرمين - وقد قال طارق على، المفكر الباكستانى صاحب خماسية الإسلام(5 روايات إسلامية تاريخية مهمة) وصاحب كتاب«صدام الأصوليات»: «لم تكن أفكار ابن عبدالوهاب تحمل فى ذاتها أى خطورة لولا تفعيلها على أرض الواقع الذى سيجعلها خطيرة، وصفاته الاجتماعية بالجلد حسب الإسلام، والإصرار على رجم مرتكبى الزنى حتى الموت، وبتر أعضاء اللصوص، وإعدام المجرمين - أمام العامة - هى التى سوف تحدث مشكلات حقيقية.
 عندما استطاعت المؤسسة الوهابية أن تسيطر على التكنولوجيا الحديثة قبلت بها واستعملتها بعد أن كانت تعتبرها رجساً من عمل الشيطان.

أسست مع السلطة جذور السلفية، وحكماً تسلطياً قائماً على: الدين - النفط - القوة - والقمع، ثم أدخلت اصطلاحات أمريكية على الحكم: انتخابات بلدية، ديكور من لجان حقوق الإنسان، دون المخاطرة بالتفريط بحصة كبيرة من السلطة للجماهير.

 واعتماد «التنمية الريعية» كنظام اقتصادى تابع، وتصاعد التاريخ والقمع والمال والفقر حتى وصلنا إلى «القاعدة» وأصبح فى إمكان كاتب أمريكى مثل توماس فريدمان القول:
 يمكن الآن أن نقول إن نيويورك صارت «مكة التسامح» لأن من مكة خرج بن لادن.
فى المغرب يرصد لنا الدكتور دياب سلفية أخرى.
محمد الفيزازى، مؤسس الوهابية المغربية، فبينما المغرب هى الدولة العربية الوحيدة التى لم تخضع للحكم العثمانى، فإن التدين هناك قائم على ضوابط منهجية أربعة: الأشعرية، المذهب المالكى، التصوف، إمارة المؤمنين.
وعلى يد السيد المجاهد علال الفاسى فى نضاله ضد الاستعمار تأسست سلفية إصلاحية، أو سلفية جديدة قائمة على النضال ضد الاستعمار، ثم تطهير الدين، والعودة إلى السنة، وإصلاح حال الأمة، وجعل حركته الدينية فى حالة انبعاث مستمر لا يعرف الجمود، وقال «لتكن حرية التفكير جزءاً من عقيدتنا أولاً» بانتهاء الاستعمار وغياب نضال علال الفاسى دخلت السلفية المدعومة من الخليج، واختلطت بأفكار سيد قطب، وأفرزت فى الدار البيضاء «حى سيدى مؤمن» الذى تسيطر عليه جماعة الصراط المستقيم، ويضم أكثر من 13 ألف أسرة تعمل فى المخدرات والبلطجة تحت ستار الدين.

جزء الكتاب الأخير يتتبع السلفيين فى مصر، وهو وحده عمل مستقل مستوفى شروط البحث والرصد والتوصيف.
وهو يحذر من نوع الألاعيب السياسية التى يستعد هذا التيار للقيام بها فى هدم المشروع الديمقراطى الوطنى الذى من المفروض أن نجتمع حوله.
مرور هذا التيار وأحزابه وميزانياته الضخمة من مشروع الدستور الجديد وخارطة المستقبل، يشكل خطرا يوميا وحالا، متمثلاً فى كل الأقوال والأفعال التى مازالت ترتكب، من أول سيناء حتى أسوان وفى قلب القاهرة.

صفحات الكتاب الخاصة بالسلفيين فى مصر محشودة بذكريات مؤلمة لا تنسى لأفعالهم وأقوالهم منذ 2011 وبطرق الالتواء والانتهازية التى أصابوا بها الدين قبل الوطن.
الإسكندرية منارة الفكر والفلسفة والفن والجمال. حطموا فيها 7 أضرحة، وتماثيل على البحر، وأطلقوا فيها وجها قبيحا. يقول الشيخ ياسر برهامى: «بلدنا الإسكندرية»

 «لا وجود للثقافة خارج إطار الممارسة الدينية»، وتم استبدال فكرة «الحاكمية» بفكرة «الولاء والبراء» ونختم بتصريح تاريخى لزعيم من زعماء السلفية الشيخ رسلان: قال
 - لا فض فوه - الأمن هذا الهراء: الثورة نازلة من النوازل، مثل الوباء والمجاعة، وفى الفقه تدخل فى فقه النوازل، قال: الثورة عمل لا يتناسب مع الإسلام، بل هى خروج عليه.
من قاموا بها «ليسوا شهداء» بل خوارج. ورأى فى الثورة جزءاً من الخطة التى بشر بها أحبار الماسون وأنبياء صهيون، ومن قاموا بها خريجو وطلاب الجامعة الأمريكية، يتبعهم ويساندهم الفنانون المخلون والمخرجون السفهاء وأصحاب العرى والسفور والباحثون عن تطليق الفضيلة.
إن هؤلاء وأمثالهم، مهما تبدلوا، أو غيروا ثيابهم، أو أشكال تنظيماتهم، مسؤولون أمام الله وأمام الوطن عن كل ما يحدث - الآن - وبعد الآن - فى القاهرة، والصعيد، فى سيناء، بل هم أنفسهم المسؤولون أمام الله والوطن والتاريخ عما يحدث فى «العراق وسوريا والجزائر ومالى واليمن».

السلفيون والسياسة - محمد حافظ دياب
«المكتبة السياسية». الهيئة العامة للكتاب - القاهرة 2014.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 26 ابريل 2014

السبت، 19 أبريل، 2014

السيدة تكتب التاريخ

         
                

لم أكن قد سمعت عنها من قبل:
 أليس مونرو «نوبل 2013 فى القصة القصيرة: الأدب، كندية، مواليد 1931». طبعاً التقصير من عندى! العالم قرية، وكل شىء متاح: لها أكثر من 20 عملاً على الشبكة.
 لكن: القصة القصيرة!
 ألم يتراجع الاهتمام بها بعد اختفاء العمالقة وكتابة الرواية الحديثة مختلفة الأشكال: القصص تنشر فقط فى المجلات وضاعت سمعتها شكلاً ومضموناً فى السنوات الأخيرة
«الأسباب أظنها فى الأغلب تسويقية». 
ثم من كندا؟!
 أليست: بعيدة وهادئة: ماذا يحدث هناك سوى أن كثيراً من المصريين وغيرهم يرحلون إلى هناك بحثاً عن عيش آمن وبعض الرفاهية؟!

ما إن اقتربت من عالم أليس مونرو «السيدة الـ19 التى تحصل على نوبل فى الأدب مقابل 109 رجال، وأول كندية» حتى عرفت كم أنا مخطئ. هى قصة كفاح فنى وإنسانى رائع. فى كندا تتصارع كل الأفكار والاتجاهات فى إطار دولة مستقرة رغم التنوع الإثنى والعرقى واللغوى، ورغم اختلاف المدن والريف، وهى تقاوم المغناطيس الأمريكى الضخم المجاور والطاغى بقوته الفكرية والمالية وبقيمه الخاصة المتفردة.

 «أليس مونرو تميل إلى الجنوب الأمريكى، ورغم أنها لا تميل إلى وليم فوكنر أديب الجنوب الأمريكى الكبير، لصعوبته وتقعر لغته: إلا أنها تعشق أدب أيادورا وهى أشهر كاتبة قصة فى الجنوب وبينهما مراسلات أدبية وفنية.

أليس مونرو تعيش أغلب حياتها فى الجنوب الكندى. وعلى الرغم من أنها تقول عن نفسها إنها ليست كائناً سياسياً فإنها أحياناً تسأل: أين الأدب الكندى؟».
لم تحضر أليس مونرو تسليم جائزة نوبل فى أستوكهولم ولكنها أرسلت حواراً مسجلاً أجراه معها إستيفان أوسبرج وترجمه إلى العربية أمير زكى» تحكى فى الحوار حياتها، وعلاقتها بمدينتها الصغيرة «أونتربو» وبالعائلة: الأب مزارع ومربى ثعالب لتجارة فرو «المينك». فقير ولكن الكتب فى كل البيت.

كاتب هاو وشاعر، والأم مدرسة فى مدرسة حكومية:
 «حياة أمى حزينة، وغير عادلة، أصيبت بمرض (بركنسون)، كانت تجد صعوبة فى الكلام.

 حاولت أن تفرض علىّ هى وخالاتى حياة فتاة الكنيسة التى تشتغل بالتطريز والنميمة وشؤون البيت والمطبخ فقط، وقد قاومت هذا بقوة. العائلة من أصول أسكتلندية».

ارتبطت بالقصة القصيرة وأنا فى الخامسة عشرة. وحتى الآن. البداية كانت مع قصة «حورية البحر الصغيرة» لهانس كيرستيان أندرسن. أفزعنى أن الحورية لا تستطيع فى النهاية أن تتزوج الأمير لأن ليس لها أقدام. وأنها لا تستطيع السير، أو النوم فى الفراش. فى خيالى غيرت النهاية، وضعت قصة لها نهاية سعيدة رغم عذاب المشى والسير على الأقدام.

ما إن اكتملت النهاية السعيدة فى ذهنى وتزوج الأمير حوريته الحسناء حتى اعتبرت أننى قد كتبت قصة، وأنها قد نشرت وقت أن اكتملت فى ذهنى.
فى البداية حرصت على النهايات السعيدة: ولكننى اكتشفت أن القصة تكتمل إذا كانت: نابضة بالحياة، مليئة بالمفاجآت والمآسى، ومكسوة بحس الفكاهة.
 الكتابة ممتعة فى المسودة الأولى، ولكنها مرهقة جداً فى المراجعة وإعادة ترتيب الأحداث.
فى حديث ممتع آخر مع مجلة «باريس ريفيو»: تتحدث مونرو عن عشرات المجاميع القصصية التى حملت لها شهرة كبيرة بحيث حصلت فى كندا لثلاث مرات على جائزة الحاكم التى تعادل جائزة البوليزير فى أمريكا، ولكنها أبداً لم تفقد إحساسها بأنها هاوية وأنها مبتدأ.

 وأنها تظل دائماً معجبة بالمحرر الذى يراجع القصة
«خاصة فى مجلة نيويوركر» ويقترح عليها تعديلات وحذفا
«من من أصغر الكتاب عندنا يقبل أو يفهم وظيفة المحرر هذه؟!»
 هى تقول إننى أندهش عندما أراه يشعر بعمق ما أقصد قوله، ويقترح على تعديلات لتوضيحه.
 إن الأسكتلندى يقرأ دائماً.

 الخطيئة الكبرى: هى أن تعتبر نفسك ذكياً أو أن تحاول لفت الانتباه!
لقد قمت دائماً بمهام الزوجة والأم فى المدينة الصغيرة.
 كنت أكتب عندما ينام الزوج والبنات ظهراً بعد أن ينتهى يوم العمل والمدرسة، ثم أرجع لإعداد العشاء حتى تحين ساعات الفراغ ليلاً أو فى الصباح المبكر.
 لم أتوقف يوماً واحداً عن الكتابة: الكتابة والمشى ثلاث ساعات على الأقل. المرأة ليست كائناً أقل.
 غريب أن يكتب الرجل بينما مطلوب منه أشياء أخرى كثيرة. لسنا فى حاجة إلى وحى.
 القصص حولنا فى كل مكان.
إن ما يحدث فى القصة القصيرة ليس شيئاً صغيراً. القصة المكتوبة باهتمام وإتقان يمكن أن تنقل لك كل العالم.
 إن ما يحدث فى المطبخ والفناء الخلفى فى المدينة الصغيرة لا يقل أهمية عما يحدث فى القصر أو فى ساحة المعركة كلها أشياء تشكل جزءاً أصيلاً من مسيرة التاريخ الكبيرة.
 القصة يجب أن تمتع القارئ.

 أن تجعل منه شخصاً مختلفاً بعد أن يقرأها.. أما معنى الحياة فهو أمر متروك للخالق وحده.
فى «هذا أنا»- أظن- أختلف عن تشيكوف الذى يحاولون مقارنتى به وغيره ممن يقال عنهم الكتاب العظام.

 أنا خارج هذا التيار بالعمل الشاق اكتسبت خبرة، لا أحب كلمة «النسوية» و«الأدب النسائى» تزوجت مرتين.
 حضرت مضطرة عشرات حفلات توقيع الكتب.
 أجمل ما حدث لى عندما قال أحدهم: أشترى كتابك لأننى مسافر وهو يذكرنى بالوطن.
 فتحت أنا وزوجى الأول مكتبة مازالت قائمة.
 أمضيت فيها أجمل أوقات الحياة مع الكتب وحدى عندما يغلق على الباب.
 أمتع لحظة طبعاً هى إبلاغى بجائزة نوبل فى الثانية والثمانين.
 كان خبراً جعلنى أعيد التفكير فى اعتزال الكتابة والحياة.
 لقد صرت أنسى الأحداث والأسماء أحياناً.
الآن لها أكثر من خمسة كتب مترجمة للعربية.
 الكتاب الذى بين أيدينا من ترجمة الأستاذ أحمد شافعى يشمل أربع قصص مختارة بعناية ومترجمة باهتمام «أحمد شافعى شاعر ومترجم من مواليد 1977، آخر رواياته الخالق: 2013- وترجمة للمختارات من الشعر الأمريكى الأفريقى 2005». أهم قصص أليس مونرو الأربعة قصة: البعد. والقطار.

وإن كان ينقص الكتاب تحديد تاريخ كتابة القصة ومكان نشرها فى المجلة والمجموعة.
اهتمت أليس مونرو بالجنس فى حياة المرأة ولكنها تناولته بشكل مختلف عن غيرها من الكتاب فهى تقول إن الكلمة قد اكتسبت معنى مفزعاً منذ تناول كتاب مثل لورنس له.

 لقد حاولت أن تعيده إلى مكانه الطبيعى فى حياة المرأة، خاصة المرأة العادية المقهورة فى المدن الصغيرة. تقول:
 لقد عوقبت أمى بأن أصيبت بمرض بركنسون لأنها حاولت أن تثبت أنها «خاصة» أو «مميزة».
صدرت مجموعتها الأولى «رقص الظلال السعيدة» 1968.
 من أهم المجموعات: «من تظن نفسك؟» «صديق شبابى» 1990، وآخر مجموعاتها: الحياة العزيزة.
نقطة نظام:
صباح الجمعة وأنا أنهى هذه الكلمات: رحل جبرائيل جارسيا ماركيز.
 أقوى قلم منفرد قاوم ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية.
 حاول إطلاق خيال الشعوب وفنونها الحرة فى واقعية سحرية لا تقلد ولا تزيف. سكت صوت البحر الحر!

قصص- أليس مونرو «نوبل 2013» ترجمة أحمد شافعى.
الكتب خان. القاهرة 2014

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 19 ابريل 2014

السبت، 12 أبريل، 2014

«مقام عراقى».. حزين

           
  
                  

وسط الأمواج العالية التى تجتاح العالم العربى الآن، وبحلول هذا العام «2014» يمد نصف قرن على رحيل واحد من أنقى وأصفى أصوات الشعر العربى «لم يبق لنا إلا الشعر!»خمسون عاماً مرت على رحيل «بدر شاكر السياب»، واحد من أجمل أصوات الشعر العربى الخارج من العراق، رحل منفياً فقيراً وحيداً ومريضاً بالسل، وهو فى الثامنة والثلاثين من العمر، بعد أن كان صوته الشعرى قد سرى فى شرق البلاد العربية وغربها.

لا أظن أن العراق الذبيح الدامى قادر على تذكر هذه المناسبة الآن!
 «لو أن هناك بقية من عقل أو ضمير: لكانت فرصة تجتمع حولها الأحزاب، والفرق والطوائف، إلا أن سعار الدم قد أعمى القلوب والبصائر».

اتحاد الكتاب والأدباء فى دولة الإمارات أطلق دعوة لجعل عام 2014 عاماً لبدر شاكر السياب، يحتفلون به فى معرضهم هذا العام للكتاب والثقافة والشعر، ويطالبون بمساهمات فكرية وفنية من كل العرب فى شكل اقتراحات ودراسات وأعمال فنية لتخليد هذا الصوت الذى عاش عمره العاصف القصير يحلم بعراق عربى وسط أمة عربية جديدة.

على شاهد قبره وتحت تمثال له فى البصرة نقشت هذه الأبيات التى كتبها وهو منفى مريض ينادى أهله وبلاده:
صوت تفجر فى قرارة نفسى الثكلى: عراق
كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون.
الريح تصرخ بى: عراق
والموج يعول بى عراق، عراق.. ليس سوى عراق
البحر أوسع ما يكون، وأنت أبعد ما يكون
والبحر دونك يا عراق
الشمس أجمل فى بلادى من سواها والظلام
حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق
وا حسرتاه متى أنام
فأحس أن على الوسادة
من ليلك الصيفى طلاً فيه عطرك يا عراق
كان السياب قمة بيضاء على رأس موجة تجديد الشعر العربى، لا أحد يقول إنه فعل ذلك وحده.
 كانت الأصوات الشعرية فى العالم العربى قبل نصف القرن الماضى تعلن تمردها على قالب الشعر الذى صار قيداً على الروح الجديدة، وعلى نبض الذات الموهبة التى تغيرت تجاربها ورؤيتها للعالم: فى القاهرة مدرسة أبوللو، وإبراهيم ناجى. ومحمود حسن إسماعيل، وعلى محمود طه، ثم كان هناك صوت الأخطل الصغير، بل إن على أحمد باكثير قد حاول ترجمة
«روميو وجوليت» لشكسبير شعراً جديداً.
 فى العراق كانت نازك الملائكة تكتب قصيدة
«الكوليرا عن الوباء فى مصر» وحوالى نفس الوقت كتب السياب قصيدة «هل كان حباً؟» ممسكاً بخيط التفعيلة متحرراً مما عداه.
 فى مطبعة «الكرنك» بشارع الفجالة فى عاصمة العالم العربى طبع السياب «1947» ديوانه الأول «أزهار ذابلة» يشمل الديوان شعره الكلاسيكى.. ويسجل بداية التجريب والتحرر.

 فى الوقت نفسه وفى المطبعة نفسها كان الراحل الكريم الدكتور لويس عوض يطبع ديوانه الشعرى الوحيد «بلوتو لاند» والذى دفع فيه التجريب الفنى إلى مداه: فى اللغة، والشكل والمضمون الثورى الجديد.. ولعل من المفيد حتى الآن أن نكرر ما قاله لويس عوض عن حق التجريب، وضرورته: يقول:
«الطابع العام لهذا الديوان هو التجربة.

 التجربة حق أولى من حقوق الإنسان، حق طبيعى ومقدس ولا يقبل التجزئة.
 لا يفهم أن ينكر هذا الحق أحد، كما لا يفهم أن نقر ونوافق على نتائج كل تجربة. فمن تجارب المعمل يمكن أن ننتج الغاز الضاحك أو الغاز كريه الرائحة. أو تنتج التجربة شيئاً لا نعرفه، أو أن لا تنتج شيئاً على الإطلاق، كيف كان الأمر: فإن النتيجة لا تغنى عن التجربة.

 مهما يكن من أمر فالتجربة تبدد العفن الذى يكسو الماء إذا أسن.. فإن كانت مثمرة جددت تيار الحياة».
وقد غيرت مختلف هذه التجارب شكل الشعر العربى.. ومازالت تفعل!
ولد السياب فى قرية «جيكور» قضاء «أبى الخصيب» محافظة «البصرة» على نهر صغير اسمه «بويب». اسم القرية أصله فارسى بمعنى «الجدول الأعلى» وقد خلّد السياب القرية والنهر فى شعره.
 وعندما حاول أن يعود إليهما بعد أن هزمته المدينة، وهده الفقر والمرض المبكر، والغرام الذى تكرر فشله- لم يجد شيئاً على حاله فحاول أن يبعثهما أحياء فى قصائدة وشعره، يقول للنهر:
أود لو أخوض فيك أتبع القمر
وأسمع الحصى يصل منك فى القرار
صليل آلاف العصافير على الشجر
أغابة من الدموع أنت أم نهر
السمك الساهر هل ينام فى السحر؟
وللقرية يقول:
بلا مطر ولو قطرة
ولا زهر ولو زهرة
بلا تمر كأن نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها
لنذبل تحتها ونموت
سيدنا جفانا آه يا قبره
أما فى قاعك الطينى من جرة؟
أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذرة؟

كتاب الشاعر المصرى والدارس والمحقق «الأستاذ حسن توفيق» الذى بين أيدنيا- كتاب قديم جديد يطبع فى مصر وخارجها، ويجدده المؤلف ويضيف إليه، وقد اكتشف قصيداً مجهولاً للسياب بعنوان «نبوءة حزينة» لعل الكتاب يكون دافعاً لمساهمات أخرى من أجل السياب. ليسمح لى القارئ أن أختم بكلمات للسياب حزينة لكنها تلخص روحه وتجربته، كأنها طابع بريد يحمل صورته:
«أسير أنا فى سفينة قراصنة: موقفى من الموت قد تغير، لم أعد أخاف منه لقد رافقت (جلجامش) فى مغامراته وصاحبت (عوليس) فى ضياعه، وعشت التاريخ العربى كله! ألا يكفى هذا؟ هات الردى أريد أن أنام. بين قبور أهلى المبعثرة.

 وراء ليل المقبرة. رصاصة الرحمة يا إله»!

أزهار ذابلة- بدر شاكر السياب- تحقيق ودراسة حسن توفيق. المجلس الأعلى للثقافة 2012 القاهرة.
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 12 ابريل 2014

السبت، 5 أبريل، 2014

وحى الشياطين

            
  
ليس هذا كتابا عاديا تقابله كل أسبوع فى عروض الكتب بالجرائد والمجلات. كتب عنه وقدمه الكثيرون، والكلمة التى ترددت فى أكثر العروض: إنه كتاب «خطير».

المؤلف: الأستاذ عبدالعظيم حماد، رئيس تحرير الأهرام سابقاً - كذلك رئيس تحرير جريدة الشروق سابقا، وقد عمل مراسلاً سياسياً للأهرام فى قلب أوروبا لأكثر من خمس سنوات: المقصود أنه صاحب خبرة ومعرفة سياسية أكاديمية، وعملية، وصاحب اتصالات ومعرفة نادرة، خاصة إذا عرفنا الموضوع الذى يتصدى له الكتاب الذى هو: «الثورة التائهة» هذا فى الجزء الأول وعنوانه الفرعى: «صراع الخوذة واللحية والميدان».

الجزء الثانى: الذى نحن بصدده، والذى يبعث حيا معنى الخطورة الذى استشعرته فى الكتاب وفى التعليقات التى كتبت - وستكتب عنه - فقد اختار له المؤلف عنوانا يتكون من كلمات - فى نظرى - متفجرة وموحية: «الوحى الأمريكى»؟!

هل أنزلت الولايات المتحدة وحيا جديدا على مقر الإرشاد لجماعة الإخوان؟! متى نزل الوحى؟ وأى شيطان: حمله؟
 على من نزل؟
 وما هى الفروض الجديدة والطقوس أستغفر الله - ومن الرب المعبود! ماذا فعل الإخوان بدين الإسلام!؟
 وماذا فعلوا بنا؟

 المقطع الثانى من العنوان يحمل معنى مفاجئا جديد.. قصة «الارتباط البناء» بين أمريكا والإخوان!
الارتباط البناء: أى مصطلحات أمريكية كاذبة خداعة؟!
بناء ماذا، ومن، ولأجل ماذا ومصلحة من؟
 ارتباط إيجابى يعنى؟
 زواج!
 تبادل مصالح؟
 أى مصالح؟
 الإخوان أم مصالح أمريكا.. لا طبعا مصالح العالم والسلام والتنمية والرخاء والقضاء على الإرهاب الذى لصقوه بالإسلام.. أى إرهاب؟
 الإرهاب الخارجى، أما الإرهاب الداخلى فإن الارتباط البناء لا يجرؤ أن يراه أحد، وأن رأى، فهو ليس إرهابا ولكنه اعتداء على حقوق الإنسان أو فوضى ناتجة عن انقلابات عسكرية مضادة للديمقراطية.

«الوحى الأمريكى» قصة الارتباط البناء بين أمريكا والإخوان، الجزء الثانى من الثورة التائهة: قصة الخوذة واللحية والميدان: للمؤلف «العارف» عبدالعظيم حماد الذى وعد على الأقل بجزء ثالث عن الحركات السلفية والإسلام السياسى.
 ملحمة معرفية سياسية مثيرة تصدر فى وقتها.
 قامت دار «المحروسة» بطباعة الجزء الأول فى وقت أحجم فيه كبار الناشرين عن إصداره، لأنه كان يناقش المجلس العسكرى ويفضح - فيما يقال - أسرار مأساة عبارة السلام.
 وقد قامت سلسلة إنسانيات فى مشروع مكتبة الأسرة بعمل هى جديرة به عندما طبعت بسعر زهيد الجزء الثانى لكى يكون بين يدى كل من يريد أن يعرف ما خفى من سر التنظيم السرطانى الذى كاد يودى بالبلد: حمانا الله منه وأولى خطوات الشفاء - المعرفة.

بعد أن يهدى الأستاذ حماد كتابه للشهداء: جيكا، ومحمد كريستى، ومحمد الجندى، وعمرو سعد، والحسينى أبوضيف والطبيبة الشابة شيماء. يقول فى نهاية الإهداء الطويل:
«أهدى هذا الجهد لإنارة ركن حالك الإظلام عن سبق إصرار وتكتم فى غياهب دنيا الإخوان.

 إنه الركن الذى يقبع فيه أصدقاؤهم الجدد من الأمريكيين والصهاينة بمشاركة أو مبادأة من إخوان أمريكا وأوروبا»، فى تصرف «ثعبانى» تكرر كثيرا من أحد الإخوان الكبار الذى لم يكن يطيق إخفاء فرحة بما صار فيه من «أملة»! فقد صار مسؤولا كبيرا ومرشحا لتصعيدات جديدة، لم يعد قادراً على إخفاء «البرجماتية» التى صارت هى الدين الرسمى للجماعة:
 وهى - إن كان مازال عندك شك - هى الاسم الأمريكى للانتهازية.

 هى تعنى: لا شىء «اسمه» القيم.
لا وجود إلا «للمصالح» من يفكر فى «أى شىء اسمه قيم: فاشل: لا رجاء منه.
 قال هذا الثعبان الإخوانى - الذى لابد أنك ستعرفه -:
«على الإخوان ألا يتعاملوا مع معاهدة السلام المصرية على أساس الحرام والحلال، وإنما الواجب هو التعامل معها بمعايير المصلحة».
كان ذلك 2007، سرعان ما نفى مكتب الإرشاد، ولم يحدث شىء.

 كأن لا شىء سوى الحلال والحرام.
 كرر نفس الثعبان تصريحا مشابها وهم فى السلطة عن عودة اليهود المصريين: الذين طردهم عبدالناصر (عبدالناصر لم يفعل) ونفى مكتب الإرشاد، ولبد الثعبان ينتظر دوراً جديداً، أو يغير جلده!!
فى عيونه وابتساماته واختفاء أى أثر للتقوى أو رضا الرب على وجهه وكيانه دليل يكفينى: أستعفر الله.
 سأل المؤلف، هذا الشخص متى تغير موقف الإخوان من أمريكا.. لم يجب وأحاله إلى يوسف ندا، وعصام الحداد.
الأساتذة الكبار الذين صمموا خطة وتنفيذ فكرة الارتباط البناء: مارك لينش وجون سبيزيتو.

حاملة الوحى الشيطانى هى السيدة مادلين أولبرايت وطاقمها المساعد.
 أما أيام وليالى نزول الوحى فإن الكتاب يرصدها فى لقاءات معلنة، تقارب العشرة، هنا فى المقطم، وهناك فى الولايات المتحدة: ليلة استقالة أو إقالة مهدى عاكف، والليلة التى تقرر فيها انضمام الإخوان إلى شباب الثورة فى الميدان، أما الليلة الكبيرة، فهى الليلة التى أقنع فيها جون كيرى قيادات الإخوان بترشيح إخوانى لمنصب الرئاسة، تحسبا للمد الذى كان يحققه وقتها السلفيون.

فى فقرة مضيئة يقول الكتاب: الملاحظ أنه بينما يعمل «اللوبى» اليهودى فى أمريكا بنجاح على تطويع السياسة الأمريكية لمصالح وأهداف إسرائيل، فإن المطلوب من اللوبى الإسلامى فى الولايات المتحدة هو تطويع جماعتهم الأم للمطالب الأمريكية لتمكينها من الوصول للسلطة فى مصر، ثم فى بقية الدول العربية، ثم تطويع سياسات هذه الدول وفى المقدمة منها مصر - للالتزامات الأمريكية نحو إسرائيل.
وفود من المساجد والأئمة التى تديرها الإخوان فى أمريكا تنظم برامج للتعارف، وتبادل قضاء إجازات نهاية الأسبوع مع المعابد اليهودية التى تنظم لهم زيارات إلى معسكرات الهولوكوست فى ألمانيا - مع تبادل تفاهمات فكرية وسلوكية.

أيام عملية «عمود السحاب لضرب غزة» كان الرئيس أوباما فى قمة رابطة الأسيان فى كمبوديا، وتم بينه وبين الرئيس الإخوانى المعزول لقاء لمدة 25 دقيقة، وكان هذا هو الاتصال الثانى فى نفس الوقت (هل تستطيع أن تتصور إنجليزية مرسى على التليفون ولمدة نصف الساعة).
أبلغ الرئيس الأمريكى معاونيه بأنه بنى علاقة عمل مع مرسى.
 وأن مرسى برجماتى صديق، وأنه يمكن إقامة علاقة عمل جيدة معه!!
فى النهاية، كل صفحات الكتاب جديرة بالقراءة والتأمل إلى جانب أن الكتاب يقدم للقارئ عددا من الكتب المهمة فى الموضوع التى أحب أن أقدمها للقارئ.
الصهيونية واليهودية د. روجينا الشريف. الكويت. المعرفة.
القوة والإيمان والخيال د. أورين ترجمة د. آسر خطيبة، دار كلمة أبوظبى.
واشنطن تخرج من الظل - جيفرى أرنستون - سامى الرزاز البيادر.
كتاب مهم، وهذا وقته وفى انتظار الجزء الثالث قريبا.
نقطة نظام
إلى الشاعر الشاب أحمد دومة فى محبسه، من كاتب عجوز:
«لا نستطيع أن ننعم بالحرية وأنت فى الحبس. خلى بالك من صحتك إلى لقاء».

الوحى الأمريكى: قصة الارتباط البناء بين أمريكا والإخوان عبدالعظيم حماد.
مكتبة الأسرة 2014

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 5 ابريل 2014