السبت، 31 مايو، 2014

مائة عام من العنف والتذكر



       


اقتربت من صفحات أدب أمريكا اللاتينية الحقيقى، احترقت أصابعى، وسرت فى الجسد والروح رعدة كأنها النار أو الكهرباء. هناك شىء غريب وقريب فى هؤلاء الناس وفى كلماتهم عندما تخرج صادقة صادمة عنيفة:
 مثل موسيقاهم ورقصهم، وعلاقتهم المباشرة الحميمة بالحياة، مثل الجمال الوحشى الصاخب للنساء.

لست متجراً فى معرفة هذا الأدب وفنونه، فقد بقينا بعيدين عن الإسبانية، وأخيراً فتحت أبواب الترجمة على يد رواد فى مصر والشام «الأستاذ صالح علمانى.. وفى مصر محمد مبروك».

 سرعان ما تحول بعض هذا الأدب إلى «مودة مبتذلة»
«الواقعية السحرية، وصورها الماسخة المقلدة البلاستيكية» ليس هذا ما أقصده!
أذكر الآن منذ ما يقرب من نصف قرن أن صديقاً أهدانى كتاب: «ذكريات التخلف» للكاتب الكوبى: أدموند ديزنوس، وهى رواية واقعية عن أزمة مثقف برجوازى مع الثورة الكوبية وما حدث له ولعائلته، وقد كان أثر هذا العمل على نفسى وعملى وتفكيرى كبيراً، مما دفعنى إلى تسجيل أوراق كتاب «وقفة قبل المنحدر» إن كنت قد سمعت به.

بيننا وبينهم شىء قريب وغريب:
 قد يكون الفقر والتخلف، قد يكون الاستعمار الأوروبى، والعلاقة التنويرية والتدميرية مع المركزية الأوروبية، قد يكون العلاقة بالدين والتاريخ القديم، وقد يكون الجهل والأمية والخرافة.. قد يكون كل هذا وغيره. المهم أن هناك الكثير لكى ننظر فيه ونتبادله معهم.

رواية «النسيان» للكاتب: أكتور أباد فانسيولينسى:
 «من كولومبيا» يبدو أنها ستكون حادث آخراً مهماً فى طور حياتى هذا المتأخر.
 أسرنى صدق هذا العمل:مباشرته وفنيته فى نفس الوقت.
 شاعريته المختفية وراء أحداثه العنيفة.

 الكاتب يروى حادثاً واقعياً اغتيل فيه والده: أستاذ الجامعة الطبيب:
 مسؤول لجنة حقوق الإنسان فى مقاطعة «أنتيوكيا» فى 24 أغسطس 1987، وهى مقاطعة جبلية جميلة شهدت عقوداً من العنف والقتل المتبادل، بين اليسار واليمين، بين الحكومة والجيش وعصابات التهريب والخطف.

تروى الرواية حياة واغتيال هذا الأب السياسى والمفكر والإنسان وتحكى تاريخ كولومبيا السياسى الصاخب وعلاقة الأسرة النادرة بابنه الكاتب، الذى يحمل نفس الاسم
«الكاتب مواليد 1958 فى مدينة ميديين عاصمة المقاطعة» وهو يهدى الرواية إلى زملاء الوالد الناجين من حوادث الاغتيال، ويقول:
 إنه يحمل نفس وجه أبيه من أجل الذكرى، كان يوقع أوراقه باسم أكتور أباد الثالث:
 لأنه كان يعتبر والده اثنين، انتقامه الوحيد من القتلة هو أن يروى بصدق كامل ما حدث!.. وسط كل هذا العنف والأرتباك، هل يعرف أحد حقيقة ما حدث؟ القتلة يقولون: إنهم أرادوا «إطفاء العقل».

لقد تأخر عشرين عاماً لكى يروى ما حدث، احتفظ بقميص أبيض يحمل دماً جافاً، ورصاصة شاردة، أهملها رجال التحقيق الشكلى الذى أجرته السلطات عشرون عاماً وهو يحمل حزناً جافاً، بلا دموع حزناً نام لعشرين عاماً، «ولكنه حزن مشدود. الآن وقد كتبت: يمكننى البكاء الشىء الوحيد الذى أصرخ به: يا أبناء العاهرة»!

لم يكن الطبيب الأستاذ الذى تم اغتياله أباً عادياً يجعل منه الكاتب أسطورة كائناً جميلاً مشرقاً عادلاً كأنه الشمس يروى الكاتب وهو طفل عن علاقته بوالده:
«هناك شىء أسوأ بكثير من موتى: موت أحد أبنائى. إنه هكذا وبلا تخفيف شىء لا يدركه المرء برأسه بل بأحشائه».

«أحببت أبى حباً حيوانياً. أحببت رائحته، وذكرى رائحته فوق الفراش، حين يسافر كنت أتوسل للخادمات ولأمى كى لا يبدلن الملاءات أو كيس الوسادة. أحببت صوته، أحببت يديه، أحببت نظافة ملابسه وبدنه الدقيقة. كنت إذا انتابنى الخوف ليلاً أذهب إلى فراشه، حيث كان دائماً ما يفسح لى مكاناً لكى أنام، لم يقل لا قط. كانت أمى تتنمر قائلة إنه يدللنى، أما أبى فينسحب إلى طرف الفراش ويتركنى أبقى إلى جواره».

تحمل هذه العائلة التى نعيش معها كل الأحزان والأفراح، نفس الانقسام والصراع الذى يعيشه المجتمع: صراع بين التدين الكاثوليكى المتشدد، وبين التقدم والتحرر، والتنوير العقلى الذى يحمله الأب ويكافح من أجله. العائلة تتعايش وتتفاهم، حتى فى أشد أوقات الضيق والأحزان«موت: الأخت الصغرى مارتا بالسرطان»، أما المجتمع فلا يكف عن العنف والصراع والقتل المتبادل بين المحافظين والليبراليين، حيث يصدر عن أحد القساوسة المتشددين فتوى معناها:
«إن قتل الليبراليين إثم مغفور».

كرد على الحركات الثورية التى انتشرت بعد الثورة الكوبية دعت الكنيسة إلى «صلاة المسبحة» وهى مظاهرات دينية حاشدة تطوف شوارع المدن ليلاً فى أدعية وابتهالات صاخبة، كان الوالد وجماعته من التقدميين يقولون عنها «مسيحية الدفوف».

يسجل أكتور أباد بطريقة فريدة ونادرة الصراع بين صور التدين المتشدد المزيف الذى يحمى الأنظمة الفاسدة ويتستر على فقر الناس وأمراضهم بالدعاء والصلوات وسلطات رجال الدين الحمقاء، وبين محاولات التغيير والخدمة الاجتماعية الحقيقية، التى تلصق بها مباشرة اتهامات: الثورة، والشيوعية، والتمرد.
الأب الطبيب الذى تم اغتياله كان نموذجاً لكل محاولات النضال تلك، من أجل إحداث تغيير حقيقى فى المجتمع، ومن أجل ذلك وجهت له فى المجتمع وفى جامعته كل أنواع الاتهامات، وتلقى مختلف أنواع التهديد ولكنه كان يقول:
ألن يكون موتاً جميلاً لو قتلت بسبب أعمالى.

 وكان يعترف لخاصته أنا مسيحى الديانة، ماركسى فى الاقتصاد، وليبرالى فى السياسة، زرع فى كلية الطب فروعاً جديدة لدراسة الفقر والأمراض الاجتماعية المؤثرة على صحة الأطفال والداعمة لظواهر العنف وكان يحلم بطبيب المجتمع، أصدر مجلة لطلبة الطب الجدد كتب هو افتتاحيتها، يقول لهم:
«أجل أيها الأطباء الصغار ليست الغاية هى التمتع بالوسامة وتقاضى الأجور الضخمة، وبيع أقراص غذاء ملكات النحل.. بل الغاية هى إرسالكم إلى جميع الأنحاء للعلاج والابتكار، أو باختصار لخدمة الناس».

عندما جمع الرجل فى روحه المعرفة والحكمة والطيبة أقالوه من الجامعة، وعندما عمل طبيباً للمجتمع لمقاومة وباء العنف قتلوه، لكى يطفئوا العقل الذى يصر على تعبيد طريق التغيير ومواجهة الفقر ليس بالسلاح ولا بالعنف ولكن بالعمل الجماعى المشترك.
أعتقد أن الرواية التى صدرت 2006 بالإسبانية وترجمت إلى أغلب لغات العالم وأخيراً إلى العربية حدث أدبى وفكرى مهم، قادم من بلد «سيمون بوليفار» الذى يقال عنه جورج واشنطون أمريكا اللاتينية: وبلد جابرييل جارثيا ماركيز: الذى مات مرتين، وبلد شاكيرا أيضاً.

زار المؤلف القاهرة مرتين وله كتاب بعنوان:
«القاهرة مدخل إلى الشرق» وفى روايته هذه وقصصه القصيرة شعر مندمج مع فكر وسرد جديد يليق بهذا الزمن القاسى الصعب.
 كان الأب يحمل فى جيبه عندما اغتالوه قصيدة لبورخيس تقول: «نسير إلى النسيان. تحت سماء زرقاء لا تبالى».

النسيان- رواية. أكتور أباد فانسيولينسى.
 ترجمة مارك جمال.
 العربى للنشر والتوزيع القاهرة 2014

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 31 مايو 2014

السبت، 24 مايو، 2014

فجر الضمير وأبواب الأمل

       

                      
                     
الآن يدق الناس أبواب الأمل، لكى يدخلوا إلى وعد جديد بدولة مدنية حديثة، يحكمها «فجر الضمير» الذى علمته مصر لكل البشر.

يطلب الناس العدل والرحمة فى دولة بلا فساد قائمة على العلم وكرامة الإنسان.
فى هذه الانتخابات التى تجرى بعد أيام صعبة وفى ظروف عصيبة: لا يمكن أن تكفى الوعود والشعارات، الناس تريد واقعاً يتغير، تريد أن تكون مدعوة لعبور المسافة بين الحلم والواقع،. هذه الكلمات لم تعد كافية ولا الشعارات والأغانى، الدقائق محسوبة وهى تزيد مرارة الواقع وصعوبة الحياة. ناس مصر الذين اكتشفوا- قبل الدنيا- معنى الضمير يريدون الآن حكماً يدعوهم بالعلم للعمل على تحقيق العدل والرحمة وكرامة الإنسان.. لم تعد هذه كلمات ولكن حالات متجسدة ينزف الناس شوقاً إليها.

وقعت فى أيامى هذه على كتاب «العقل والسياسة» لفكرى أندراوس وهو كيميائى مصرى صعيدى قبطى يعيش فى الولايات المتحدة يعمل فى كبرى الشركات هناك قريباً من مطابخ الأفكار، وبنوك السياسة والمال التى تحكم العالم وهو عميق الاتصال ببلده الأصلى مصر:
 وكنا قد عرضنا له هنا كتاباً مهماً كتبه عن العلاقة بين الأقباط والمسلمين، كتبه بمعرفة وصراحة وإنسانية نادرة، كما قدم مؤخراً كتاباً جامعاً عن حياة وأعمال راهب النيل والجيولوجى الكبير رشدى سعيد الذى رحل بعد أن أمضى سنوات عمره الأخيرة مهاجراً بفكره وعلمه إلى الولايات المتحدة «أليس هذا نزيفا حادا يجب أن نفكر فى أسبابه وطرق علاجه».

«العقل والسياسة» كتاب عميق لكنه سهل وممتع عن الولايات المتحدة ومصر، ليس عن العلاقة بينهما ولكن عن صناعة السياسة والانتخابات وتسويق الأفكار، وبيع المصالح والأغراض، عن التجارة فى الدين هنا وهناك، عن كيف نبيع للناس حكماً ضد مصالحهم الحقيقية كما نبيع لهم السرطان فى الدخان والأمراض فى الأطعمة الحديثة. كيف نبيع للناس حكاماً يمثلون مصالح الشركات- ويمثلون على الناس- الصلاح والطيبة، وخدمة «شرع الله» هنا وهناك.

لقد باعت شركات التسويق السياسى وتجار الدين والسلاح بوش الأب والابن «مرتين» وريجان وغيرهم، ممن صنعوا الإرهاب وحروبا شملت الكون باسم الديمقراطية. تحت حكم الجمهوريين: وتحت وهم تخفيض الضرائب الذى استفاد منه كبرى الشركات فقط، وانتعشت بشكل غير مسبوق تجارة السلاح «ارتفعت ميزانية جيش الولايات المتحدة حتى أصبحت تعادل ميزانية جيوش العالم مجتمعة» يقول أندراوس:

 «يكفى للقارئ أن يلاحظ أن كلينتون عندما أنهى فترة رئاسته ترك فائضا فى ميزانية الدولة جاء جورج دبليو بوش بحروبه فى أفغانستان والعراق فالتهم ليس فقط الزيادة التى تركها كلينتون بل أضاف إلى ذلك بلايين عديدة»، تقترب من تريليون دولار، الغريب أيضاً رغم كل تلك التكاليف أنه عندما ضرب إعصار كاترينا ولاية لويزيانا سنة 2005 والذى راح ضحيته نحو 2000 شخص وشرد قرابة المليون شخص أغلبهم من جذور أفريقية أو من الفقراء البيض تحركت الحكومة الأمريكية ببطء وجهل شديدين فى مواجهة الكارثة، وراقب العالم كل شىء على شاشات التليفزيون كما كان يراقب المليارات التى تنفق فى حروب عبثية فى العراق وأفغانستان إلى أن أنهى بوش فترته الرئاسية بكارثة اقتصادية».

يعتمد الأستاذ فكرى أندراوس فى فهمه وتحليله لميكانيزم الحكم السياسى الحديث فى الولايات المتحدة على مفكرين جدد أهمهم: جورج ليكوف فى كتابه «العقل السياسى» وهو عالم لغويات يدرس ظاهرة بيع الأفكار الخادعة خلال استعارات وتشبيهات يستعملها رجال اليمين ورجال الدين الأمريكى «سابق التجهيز»- الكالفينية البروتستانتية التى تدعى أن جمع الثروة من الإيمان وهى دليل على رضا الرب بينما الإنجيل يقول إن دخول غنى للجنة أصعب من دخول الجمل من ثقب الإبرة. المفكر الثانى الذى نتعرف عليه خلال دراسة أندراوس لصناعة السياسة الأمريكية هو:
 فاميك فولكان، وهو مفكر وطبيب نفسى من أصول قبرصية يدرس ويعمل بالسياسة فى أمريكا وخارجها من خلال دراسات متعمقة للتحليل النفسى، وطرق عمل المخ والعقل والعواطف الفردية والجماعية ومن أهم كتبه «حاجة الإنسان للعدو والصديق» 1988.

يبدى الكتاب معرفة واسعة ودراية بمسائل «الإسلام السياسى» ويتابع عن قرب حركة الإخوان منذ حسن البنا حتى انتخابات 2012 والنهاية المأساوية فى 30 يونيو، ويقول:
 «على كل من يفكر بعقل الإخوان أو يفكر فيهم أن يسأل نفسه:
 كيف ولماذا تعاون الإخوان مع جميع الأحزاب والحكومات، ثم انقلبوا وتصادموا معهم جميعاً، وعندما وصلوا إلى الحكم فى ظروف معقدة تصادموا مع أغلبية الشعب المصرى.

 حتى أبوالأعلى المودودى الذى أثر فى تفكير البنا وسيد قطب، وهو من ساهم فى نجاح قيام دولة باكستان على أسس دينية اعتقل هناك ثلاث مرات، ثم حكم عليه بالإعدام 1953 ثم خفف الحكم إلى سجن مدى الحياة حتى مات إثر عملية فى القلب فى الولايات المتحدة 1979.

 «المودودى لم يحظ بأى تعليم غير التعليم الدينى، وله أكثر من ستين كتاباً، وأول من نال جائزة الملك فيصل العالمية».
من القضايا المحورية التى تثيرها المقارنة بين السياسة هنا وهناك هى طبعاً قضايا التعليم والحوار وأولاً قضية الشباب.

 رغم أننا نقول ونكرر أن مصر دولة شابة وأن نسبة الشباب فى السكان من أعلى النسب فى العالم، فإن الشباب بعيد عن الحكم ليس الآن فقط ولكن من زمن، منذ أن عرفنا رب العائلة.
 وتربية التلقين والسمع والطاعة. هناك بدل رب العائلة فكرة العائلة الحاضنة هناك الأم والأب لا أوامر ولكن شخصية مستقلة للذكر وللأنثى، ويذكرنا الكتاب بكلمات جبران خليل جبران فى كتاب النبى من ترجمة الدكتور ثروت عكاشة حيث يقول عن الأولاد فقرة خالدة جديرة بأن نقرأ فيها الآن:
«أبناؤكم ما هم أبناؤكم.. فقد ولدهم حنين الحياة ذاتها.. فبكم خرجوا للحياة وليس منكم.. وإن عاشوا كنفكم فما هم ملككم.. قد تمنعونهم حبكم ولكن دون أفكاركم.. فلهم أفكارهم.. قد تؤوون أجسادهم لا أرواحهم.. فى وسعكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم ولكن لا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم.. فالحياة لا تعود القهقرى ولا هى تتمهل عند الأمس.. أنتم الأقواس منها ينطلق أبناؤكم سهاماً حية».

التعليم فى مصر ليس فى حاجة إلى ترميم أو إصلاح أو دعم، إنه فى حاجة إلى ثورة شاملة وتغيير كامل ظل أغلب المفكرين ينادون بها، ويكتفون بالمطالبة والنداء مع بقاء الحال على ما هو عليه، حتى تدهور الحال وأصبح من الصعب السكوت.
 إحدى الأفكار المطروحة للنقاش العلمى السريع، هى أن يدخل جهاز الإعلام الرسمى «التليفزيون» تحت إشراف هيئة من كبار الأساتذة المتخصصين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!
فى النهاية- ولكى نعود إلى اليوم- نذكر ما قاله مفكر كبير آخر هو الدكتور لويس عوض فى كتابه تاريخ الفكر المصرى الحديث قال ما معناه:
 أعداء مصر ليسوا دائماً من الخارج، إنهم فى أحيان كثيرة هم الشعب نفسه، وحكام يريدون لنفسهم عظمة أو أمجادا زائفة. لكرامة الشعب وعزته أبواب هى:
 الشرف والتدبير والعلم والعرق وضبط الشهوات والإيمان بالإنسان. 
ثم يقول:
 «البطش لا يصنع القوة، والخوف لا يصنع الرجال، والوطن القوى لا يبنيه المواطنون الضعفاء».
غداً وأنا أدلى بصوتى سوف أتذكر أن مصر هى التى اكتشفت فكرة الضمير.

العقل والسياسة. فكرى أندراوس.
دار الثقافة الجديدة. القاهرة 2014

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 24 مايو 2014

السبت، 17 مايو، 2014

إرهاب ضد إرهاب.. لقد تمزق العالم فى 11 سبتمبر

     


هكذا يقول باراك أوباما فى مقدمة كتابه «أحلام من أبى» الكتاب الذى يكشف فيه عن قلبه داخل التجربة الأمريكية الحديثة. 
يقول فى المقدمة:
فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 تمزق العالم.
 مهارتى فى الكتابة لا تؤهلنى لوصف ذلك اليوم والأيام التى تليه، الطائرات مثل الأشباح تختفى بين الحديد والزجاج، انهيار البرجين كشلال يتدفق بالتصوير البطىء.
 أناس يكسوهم الرماد يهيمون فى الشوارع، الألم والخوف لا أدعى أننى أفهم العدمية التى كانت تحرك الإرهابيين فى ذلك اليوم، ومازالت تحرك إخوانهم الآن.
 قدرتى على الوصول إلى قلوب وعقول الآخرين تعجز عن أن تخترق تلك النظرات الخاوية لأولئك الذين غمرتهم مشاعر الارتياح الهادئة غير المنطقية وهم يغتالون الأبرياء، ما أعرفه أن التاريخ قد أعاد ذلك اليوم حاملاً معه الانتقام.

 نذكر قول فوكنر «كاتب أمريكى كبير»:
 الماضى لا يموت أبداً ولا يدفن تحت الثرى هذا التاريخ الجماعى. «قنابل القاعدة تركت بصماتها بدقة غريبة على بعض معالم حياتى».
تذكرت كلمات أوباما هذه وكتاب سيرة حياته وأنا أقرأ كتاب «أوباما والشرق الأوسط»:
 نهاية العصر الأمريكى للأكاديمى اللبنانى الأمريكى الدكتور فواز جرجس، اسم الكتاب بالإنجليزية نهاية اللحظة الأمريكية. والدكتور فواز إن كنت لا تعرف:
 أكاديمى كبير من مواليد لبنان 1958، يقوم بتدريس السياسة ومتخصص فى الشرق الأوسط فى كثير من جامعات لندن وأمريكا، وهو متحدث ومعلق سياسى فى كثير من الإذاعات والتليفزيونات العربية وغير العربية يتحدث فى الجزيرة والـBBC والقنوات المصرية أحياناً، وهو كما يبدو من كتابه وأحاديثه متخصص فى الشؤون الإسلامية.

 له مقالات فى جريدة الشروق وله دور فى المناقشات الدائرة فى بريطانيا عن جماعة الإخوان الإرهابية.
 وهو دارس متعمق ومطلع على أغلب حركات الإسلام السياسى. من مؤلفاته «رحلة مجاهد»، و«العدو البعيد: لماذا أصبح الجهاد عالمياً»، «أمريكا والإسلام السياسى- صراع الثقافات أم صراع المصالح».

الكتاب هام ومحير. محتشد بالمعلومات، وبالمراجع العربية والأجنبية، ويغطى خلال 6 فصول: الميراث الأمريكى المر فى الشرق الأوسط، وعقيدة بوش وعقيدة أوباما التى يسميها عقيدة اللاعقيدة، كذلك يشمل عرضاً موجعاً لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية وفصلاً عن دول الشرق الأوسط المحورية مصر وإيران وتركيا ويختم بفصل محورى عن «الحرب على الإرهاب».
الكتاب يجب أن يقرأ باهتمام وحذر وبعقل بارد.
يقول د. فواز:
وضع أمريكا- الآن- فى المنطقة يشبه وضع بريطانيا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، نحن نشهد الآن بداية نهاية العصر الأمريكى فى الشرق الأوسط، لقد أدت الحروب غير الشرعية وغير العادلة ليس فقط إلى تكاليف هائلة بشراً ومالاً، بل هى دمرت الأساس الأخلاقى لقوة أمريكا ونفوذها رغم أن الصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية تسعى إلى ملء الفراغ إلا أن القوى الإقليمية الصاعدة هى المرشحة بقوة لشغله.

هو يزعم أنه ليست هناك «مؤامرة» أمريكية تجاه المنطقة، لقد نقدت أمريكا الحكام الأصدقاء.
 الكتاب نشر فى نهاية 2013 ولماتزال الإدارة الأمريكية وكثير من القيادات الغربية فى حالة من التخبط والتذبذب، فبعد الحركة العنيفة لقوى الرأى العام العربى، وبعد الصعود والهبوط المأساوى للحركات الإسلامية، لم تعد أمريكا تلك القوة الخارقة التى لا تقهر ولا يرد لها طلب. يقول مسؤول أمريكى:
 أصبحنا فى المنطقة عاجزين عن النجاح فى حرب أو فرض سلام ويقول أحد رجال البيت الأبيض:
 اللغز الأمريكى الآن هو أننا أصبحنا عالقين فى هذه المنطقة مع عدد أقل من الأصدقاء، لا نستطيع أن نصلحها، ولا أن نغادرها لقد أصبح واضحاً هناك أن طريق التقدم لا يمر بالضرورة بواشنطن.

لقد دفنت كل دعاوى الحرية والديمقراطية الأمريكية فى رمال العراق المتحركة، تعامل بوش بخليط سام ومميت قدمه له «المحافظون الجدد» وصهيونيو «إسرائيل أولاً»، والمؤسسة الحاكمة التى تشكل السياسة بحيث يعاقب أى تفكير جديد أو نقاش مفتوح، قدموا هؤلاء جميعاً لبوش: أفكار الحرب الكونية ضد الإرهاب، وفكرة إعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رغباتهم وحل بريمر حاكم العراق الجيش العراقى، فقدم احتياطيا هائلا لقوى التطرف، بعد أن كلفت الحرب الكثير من الدماء، والدموع والدمار لتراث العراق ولسمعة أمريكا الأخلاقية والغريب بل المذهل أن تجد بوش يكتب فى مذكراته عن حرب العراق «رغم كل الصعوبات فإن أمريكا الآن أكثر أمناً، من دون ديكتاتور مجنون يسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل ويدعم الإرهاب فى الشرق الأوسط الآن يسود المنطقة أمل أكبر فى ديمقراطية شابة تضع المثال لآخرين كى يتبعوها كما أن الشعب العراقى هو فى وضع أفضل، مع حكومة تستجيب لمطالبه بدلاً من قمعه وقتله»، انتهى كلام «بوش».

الله وحده هو القادر على محاسبته على هذا الخلط والجهل والتزييف.
جاء براك أوباما إلى البيت الأبيض حاملاً بشبابه وخلفيته المختلفة أحلاماً جديدة لأمريكا وللعالم، محاولاً بعث منطق كينيدى قائلاً:
 سوف ألتقى ليس بالأصدقاء فقط، ولكن بالأعداء أيضاً.
 لن أتفاوض عن خوف، ولن أخاف أن أتفاوض.

 جاءت خيبة الأمل شديدة وسريعة فى أوباما، عندما فشل فى تغيير السياسة المهيمنة على واشنطن، ويكفى هنا لكى نعرف أن واشنطن هى التى غيرت أوباما بينما فشل هو فى أن يغير فيها شيئاً:
 يكفى أن نقارن بين خطاب جامعة القاهرة وخطاب الأمم المتحدة الأخير.
 لقد قال الرجل كثيراً ولم يفعل شيئاً، قال فى جامعة القاهرة:
«عن الديمقراطية والعراق، دعونى أكن واضحاً. ما من نظام حكم يمكن أن يفرض من أمة على أمة أخرى، أمريكا لا تزعم أنها تعرف ما هو الأفضل لكل فرد كما أننا لا نتجرأ على التكهن مسبقاً بنتيجة أى انتخابات سليمة».

أما فى الأمم المتحدة مؤخراً فقد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو بعد إجماع شامل على مفاوضات مع وقف بناء المستوطنات وقال الرئيس الأمريكى صاحب الكلمات الكبيرة:
«الالتزام الأمريكى بأمن إسرائيل أمر ثابت. صداقتنا بإسرائيل عميقة ودائمة. نحن نعتقد أن أى تسوية سلمية دائمة يجب أن تعترف بالمخاطر الأمنية الحقيقية التى تواجهها إسرائيل كل يوم».
لعل العصر الغريب الذى أدخلنا فيه الرئيس أوباما عصر القتل المتعمد غير الشرعى عن طريق الطائرات دون طيار. عصر جديد من إرهاب عالمى جديد لا نعرف إلى أين سيقود العالم. ارتفعت نسبة استعمال الـdrone إلى 32٪ وزادت خسائر المدنيين وارتفعت أصوات الاحتجاج ضد هذه الطائرات داخل أمريكا وخارجها، أمريكا الآن: طائرة بلا طيار!
نقطة نظام:

تقول السيدة الفلسطينية العظيمة حنان عشراوى:
إذا سمعت أوباما يتحدث يتبادر إلى ذهنك أن الفلسطينيين هم من يحتلون إسرائيل.
كلمة سياسية واحدة لم يتغير معناها خلال تاريخ العرب الحديث: كلمة النكبة احتفاظ إسرائيل بالأراضى المحتلة هو الوصفة الناجحة لحروب متجددة.

أوباما والشرق الأوسط. نهاية العصر الأمريكى.
الدكتور فواز جرجس
 مركز داراسات الوحدة العربية بيروت 2013

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 17 مايو 2014

السبت، 10 مايو، 2014

عناق الشجر والبشر

       
                   

فى قرية فقيرة تبعد مائة كيلو عن العاصمة البرتغالية «لشبونة» ولد عام 1922 جوزيه ساراماجو «ساراماجو ليس اسم العائلة ولكنه كنية تعنى بالبرتغالية: زهرة الفجل البرى الجميلة»، الأرض قاسية والرزق ضيق وديكتاتورية سالازار تتحكم فى كل مفاصل البلاد لتحكم حكماً غاشماً مطلقاً لمدة أربعة عقود متصلة.

 مع ذلك فالمجتمع يغلى بتيارات دينية كاثوليكية، يعمل بين الفلاحين والشباب، وداخل نقابات عمالية فى المناطق الصناعية حول العاصمة.

لم تستطع العائلة أن توفر تعليماً لجوزيه فى القرية، فرحل هو وأخ له إلى العاصمة يعيش مع جده، كان الجد يعيش فى بيت صغير له حديقة بها أشجار زيتون وتين وأرض صغيرة خضراء.
هنا بدأت الحكاية:
 الجد يحكى لجوزيه كل شىء:
 التاريخ والأساطير وتعليقاته على المجتمع والدين والسياسة.
 مرض الأخ وتوفى، وبقى جوزيه يشرب حضور الجد الذابل الملىء بالتفاصيل المغرقة فى الزخارف والمنمنمات وبلاغه الشعب العريق الذى عرف الرومان والإسلاميين، المذابح وأهوال الفقر والاستغلال يقول جوزيه: فجأة مرض الجد وكان على أن أنقله إلى مستشفى.

 شعر الرجل العجوز بأنه ذاهب بلا عودة، وأنه سيموت نزل إلى قطعة أرضه الصغيرة، ومر على كل شجرة عانقها وقبلها ثم عاد يودعها من جديد يقول الكاتب ساراماجو: من يعش هذه اللحظات ويراقب هذا المنظر ولا يحمله فى قلبه وشعوره إلى الأبد فلن يكون أبداً إنساناً ولن يحمل للحياة قلباً أو شعوراً.

صنعت الحياة القاسية، والنضال السياسى مع الحزب الشيوعى ضد سالازار، والنضال من أجل لقمة العيش من جوزيه كاتبا. «واحد من أعظم كتاب القرن العشرين ومداخل الواحد والعشرين: حصل على نوبل 1998 ورحل عن عالمنا 2010»، أصدر 29 كتاباً وشارك فى «ثورة القرنفل» التى غيرت وجه البرتغال.

 أغضب اليمين والكنيسة الكاثوليكية والحكومة الجديدة عندما أصدر رواية الإنجيل حسب رواية السيد المسيح التى يقدم فيها تفسيره الحر لقيام المسيحية ودور الكنيسة، رفع الكتاب من قوائم الترشيح لجوائز الدولة، وترك ساراماجو البرتغال هو وزوجته لكى يمضى بقية حياته فى جزيرة ريفية فى جزر الكنارى الإسبانية.

فى مارس 2002 زار ساراماجو مع عدد من كبار الأدباء رام الله عقب مذبحة جنين أعلنوا جميعاً غضبهم من التعسف الصهيونى ضد الفلسطينيين أما ساراماجو فقد وضع أصبعه فى جرح إسرائيل الملتهب عندما قال إن ما شاهده فى رام الله وجنين يذكره بروح الهولوكست، قامت الدنيا ولم تقعد وقالوا له:
 إن هذه المقارنة تجعلنا نقول إن ساراماجو يحمل روح ستالين.

الكاتب الساحر الذى يتكلم بلسان المواطن العادى البسيط ضد العولمة وضد برليسكونى، وضد بوش، وضد التفسير الرسمى لأحداث 11 سبتمبر يقول قبل أن يرحل بقليل:
أصبحنا نعيش فى عالم قاس مجنون، الإنسان هو الحيوان الوحيد الذى يمارس القتل بقسوة ويعرف الاضطهاد والاحتقار والتعذيب لنوعه.

 إن كل القيم التى تعلمناها ودافعنا عنها أصبح ينظر إليها الآن على أنها عتيقة بالية ومثيرة للسخرية.

يجب أن يظل الإنسان هو الأهمية الأولى المطلقة لا شىء غيره، ما أهمية أن نبحث عن وجود الماء فى المريخ بينما أكثر من 20 مليون إنسان يموتون جوعاً فى أفريقيا وغيرها.
لست شيوعياً ولا مثقفاً أو كاتباً عندما أقول هذا.. ولكننى مواطن عادى وهكذا أحب أن أكون وأن أموت.

على الرغم من أن أغلب النقاد يحاولون دمج ساراماجو ضمن كتاب الواقعية السحرية الجديدة التى تجمع كتاب أمريكا اللاتينية، فإنه يحب أن يبقى وحده صانعاً لوهم حياة واقعية موازية كاشفة لتناقضات الواقع ساخرة منه، رواتيه محكمة البناء، له لغته الخاصة حيث المحاولة دائمة للوصول إلى حكمة البسطاء، ووهم الحكى الشعبى الأسطورى، الذى لا يقصد إلى الرمز بل يحاول خلق الوهم الواقع الساخر. أحياناً لا تمنع نفسك من تذكر ألف ليلة أو حكايات الجدات فى الريف، يقول: أكتب صفحتين كل يوم ولا أراجع كثيراً أنا سيد شخصياتى ولا أقول مثل الكتاب أنهم يتحركون بشكل مستقل، ولكننى أحلم أن أراهم أشخاصاً من لحم ودم فى الحياة، له أحياناً سخرية مضحكة، ورواياته مليئة بالأمثال الشعبية.
فجأة انقطع الموت. المرضى لا يموتون. الحوادث المروعة تترك مصابين إصابات فادحة، لكن الروح لا تغادرهم لا يموتون، لا أحد يدفن، والأسرة فى المستشفيات لا تخلو، وبيوت كبار السن «يقول عنها بيوت الأفول السعيد» ماذا تفعل الدولة؟
 وما رأى الكنيسة وكيف تتصرف وزارة الصحة وشركات التأمين؟

هذه واحدة من روايات الرجل الأخيرة بعد روايات التاريخ «حصار لشبونة وثورة الأرض»، وبعد روايات الفلسفة التجريبية «العمى والبصيرة».
دراسات جمالية وأدبية للعلاقات الاجتماعية بين الدين والسلطة والمال.

 بين الخير والشر ليس هناك شخصيات ولا نماذج، ولكن قوى تتحرك على لوحة جيدة التصميم تراعى جماليات الشكل الأدبى وتصيب كبد الحقائق الاجتماعية المختبئة خلف الأقنعة.
فى هذه الرواية مثلاً التى تحدث فى بلد لا اسم له جلالة الملكة الأم فى إغماءة الموت، ولكنها بعد- انقطاع الموت- لا تموت، ماذا يقول الملك وكيف يتصرف السيد رئيس الوزراء، والمهم كيف تتصرف وماذا تقول الكنيسة.

فى البداية رفع الناس الأعلام وساروا فى مظاهرات فرحاً بانقطاع الموت، ولكن ماذا عن المرضى طريحى الفراش، وعن الأطفال المصابين بعيوب خلقية قاسية ومؤلمة، وكيف تعظ الكنيسة وقد انقطع نصف المنظومة التى تقوم عليها الصلاة ويؤسس فوقها الإيمان.

خارج حدود البلد هناك مازال «موت»، هل نحمل المرضى الميؤوس منهم إلى هناك لكى يموتوا، ثم نعود لندفنهم هنا.
حول هذه المرحلة تتكون عصابات «مافيا» تتولى تسهيل الأمر، والاتفاق مع الشرطة وحرس الحدود.
أما فى شركات التأمين فإن الأعمال هى الأعمال لابد من الوصول سريعاً إلى اتفاق.

 فى اجتماع شامل تم تحديد سن الثمانين عنده يعتبر حامل البوليجية متوفى وتتم تصفية الموضوع.
الظرفاء الذين لا يحترمون شيئاً يقولون: إضراب الموت. أما الحكومة فإن مهمتها بعد استشراء نفوذ المافيا التى تنقل المرضى أن تطالب الشعب بالهدوء وضبط النفس، وتحاول إدخال الدجاج إلى الحظيرة، أما الكاردينال فإنه يصرخ فى رئيس الوزراء: من دون موت لا يوجد بعث، ومن دون البعث لا توجد كنيسة على الكنيسة أن تشيع وتنشر فكرة الموت المؤجل أننا لا نغذى آمالاً زائفة ولكننا نحيد الروح بالإيمان.

 إننا يجب أن نتمسك بالتفاؤل البرجماتى.
كشفت الحادثة نظرية الأوانى المستطرقة التى تحكم المجتمع، وأن الأسلحة الوحيدة الصالحة للاستعمال هى:
 الفساد، والرشوة، والتخويف، وأنه أمام الجلاد الذى يهدد الناس بقطع رؤوسهم هم لا يملكون إلا إخراج ألسنتهم، لقد ذهبوا يبحثون عن الصوف فعادوا وقد جزت فروتهم.
 حملان أو دجاج فى أقفاص من سلطة الكنيسة، سلطة الدولة، سلطة المال.
بعد أن قالوا إذا لم يعد الموت فلا مستقبل لنا، يدخل ساراماجو إلى الجزء الثانى من الرواية.
الذى كتبه بإحكام أكبر ومتعة أكبر وحمله بدلالات حرة يرى فيها كل قارئ ما يريد!
على مكتب رئيس التليفزيون المغلق بإحكام: وجد مظروف بنفسجى مغلق لا يعرف أحد كيف دخل ولا ماذا فيه!
 بعد بيان من رئيس الوزراء يعلن الموت
 «هل هو موت مذكر أو منية مؤنثة».

هل هو (موت) بالحروف التاجية أم مجرد (موت) مفرد عادى فردى، غير موت الحيوان والنبات.. لا أحد يعرف»، المهم يعلن «موت» أنه سيعود إلى المدينة ولكن بشروط، سأعود ولكن سيكون للفرد مدة أسبوع بعد تلقى مظروف بنفسجى فيه إخطار نهائى لكى ينظم نفسه ويتوب ويطلب الصفح ويكتب وصيته.
وكما حدث فى الانقطاع، يحدث فى هذا الوضع الجديد، القواعد الانتهازية غير الإنسانية هى التى تحكم كل العلاقات حتى داخل العائلات والمحبين.
لا يتركنا ساراماجو فى هذا السواد غير الإنسانى، فيعزف فى النهاية لحناً عذباً كأنه نشيد الفرح الذى يختم به بيتهوفن السيمفونية التاسعة.
إن «المنية» التى هى «موت» ترسل خطابها البنفسجى إلى عازف موسيقى يعيش وحيداً مع كلبه.
 يتدرب على العزف ويرعى الكلب ويكاد لا يختلط بأحد.
 إنه يحتفل بعيد ميلاده الخمسين.
 وتفشل ثلاث رسائل فى الوصول إليه.
 عندما راقبته «موت» التى تنكرت فى ثياب امرأة جميلة، دخلت حياة الموسيقى الكهل وكلبه وسمعت عزفه فى الحفلات.
 وفى بيته فى الشقة الخالية إلا من الكلب الذى ينام فى حضن صاحبه تنتهى الرواية بهذه السطور العزبة.
عود ثقاب عادى بسيط: أشعل رسالة الموت، أما «موت» فقد عادت إلى الفراش واحتضنت الرجل. وهى التى لم تنم قط، أحست بالنعاس وأطبقت جفنيها ونامت، وفى اليوم التالى.. لم يمت أحد.


انقطاعات الموت: جوزيه ساراماجو    
ترجمة صالح علمانى
 سلسلة الجوائز هيئة الكتاب 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 10 مايو 204

السبت، 3 مايو، 2014

جهل.. وتماثيل من ورق

                  


  



ولحدش خالى من الهم حتى الحصى فى الأراضى.
ولحدش خالى من الهم حتى جلوع السفينة.
كان هذا من أول «المربعات» الشعرية التى سمعتها قادمة من الصعيد الأمجد، فيه حزن نبيل، وجمال شعرى يغلب على النواح والشكوى، لذلك ظل جماله باقياً معى منذ سمعته فى الستينيات المبكرة.

 وما أدراك- حقاً- ما الستينيات.
 لم تكن الدنيا زحاماً، ولكن الأمة وكل الناس كانوا محتشدين، يشغون بالأمل والحلم، والرغبة فى العمل لصناعة المستقبل.
 فى هذه الأيام رأيت عبدالرحمن الأبنودى يتردد على صلاح جاهين هو وزملاء له، يصنعون مع عبقرية جاهين أوركسترا يعزف كل ساعة ألحاناً جديدة:
وفى الأفق البعيد فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة فؤاد حداد، وجوده طاغ وإن لم يكن أحد يراه.

 الثلاثى القناوى عبدالرحمن ويحيى الطاهر وأمل دنقل كان لهم- كل فى مجاله- وقع وتأثير ملحوظ.
 الأرض كانت خصبة مهيأة للزراعة: البلد يغلى بالحركة السياسية والاجتماعية والفنية: عبدالرحمن الشرقاوى كان قد ألقى بقنبلته الشعرية والفكرية: «من أب مصرى للرئيس ترومان»، وأصدر أحمد رشدى صالح كتابه «الفنون الشعبية».

 أنجز كل من صلاح عبدالصبور وحجازى بدايات أصواتهم الشعرية الجديدة، كذلك المسرح والتشكيل والكتابة.
 صدر لعبدالرحمن «الأرض والعيال» «64»، وكان وقتها على ما أظن يعمل فى تجربة «حراجى القط» «69» الذى يسجل فيه تجربة العمل فى السد العالى:
 فى واحدة من بواكير إنجازاته الشعرية الكبيرة، وكان صوته قد صار مسموعاً فى عشرات الأغانى الجديدة الطعم والمذاق. حرة فى الشكل خالية من الزيف والادعاء.

ثم دخل السجن لشهور هو وعدد من اليسار المؤيد للنظام فى واحد من التناقضات الغريبة ليخرج فى إبريل 67: شهور قليلة قبل يونيو البائس الحزين.

 وأغانيه وكلماته واكبت الحشد والهزيمة ولم تتنكر للناس ولم تتعال ولم تكابر.
 كان الشاعر رغم الألم والحيرة والتناقض قد أدرك وظيفته، وأن عليه دوراً يجب أن يؤديه ومعه سلاح عليه أن يطوره ويستعمله.

 لم يتوقف الأبنودى عن الحديث الشعرى إلى الناس، من السد إلى الاشتراكية ومن الهزيمة إلى الاستنزاف إلى أكتوبر وما بعده.
وطوال كل هذا العذاب والمشوار الطويل لم يتوقف عن تقديم كلمات الحب لكل صوت جميل «عبدالحليم- نجاة- رشدى» وكل ملحن صاحب مذاق.

 أعتقد أن سر الأبنودى يكمن فى معرفة أن الشكل فى الشعر مهم كما الموقف، ليس فى الشعر الجديد مكان للكذب أو الادعاء أو اصطناع اللغة، أو اختراع جمهور متصور، من قلب الناس يخاطب الناس، ملتزماً أولاً بالجمال الشعرى، يصوغ القيم صياغة بسيطة باقية جميلة تصاحب الروح والأذن فى الواقع الصعب المرتبك.

لم يتوقف الأبنودى عن الشعر إلا سنوات قليلة، يقول إنه كان يحس أنه يسير عارياً، ومع ذلك عمل على إصدار خمسة أجزاء من السيرة الهلالية، وكتاب نثرى جميل «ليالينا الحلوة» إلى أن وصلنا إلى «يناير» فكانت أشعاره مع أشعار جاهين ونجم وأمين حداد وكل الجدد، ميلاد فرح أيقظ آمالاً وأحلاماً..

 حتى كانت الخيانة، وأعقبها الكابوس. نحكى كل هذه الرحلة لكى نصل إلى تجربة نادرة بين أيدينا: «مربعات الأبنودى»:
نشرة شعرية يومية ظلت تصدر يومياً طوال عام «الكابوس» عام الجهل وتماثيل الورق.

 عام غلط أسود كئيب ظل الأبنودى طواله واقفاً بشهامة ورجولة شاعر، ونبل صعيدى متنور جدع، يطل علينا كل يوم يؤنس وحدتنا ويلومنا ويشجعنا على الاحتمال ويتباحث معنا عن سبب المرض وطرق الشفاء.
ثلاث كلمات يقولها الأستاذ هيكل فى المقدمة النادرة التى كتبها للمربعات:
 هى الشراع، والأفق، والناس: الأبنودى شراع قادم مع النيل من الجنوب يحاول أن يظل مراقباً أفق البحر البعيد متحدثاً من الناس للناس: عن التاريخ والآن والسياسة.

يا مصر، يا بهجة الدنيا... يا زهرة فى حلم/ الحلم ماله انطفى فى العاصفة السودا؟
فى اتصال شعرى مسموع كان الأبنودى يخرج عند إبراهيم عيسى فى جريدة التحرير لكى يقول:
أنا الوطن.. جزء مسلم جزء «نصرانى»/ فى قلبى شلت البشر حتى اللى كارهينى/ الناقص اللى هنا.. بيكمله التانى/ مسلم أنا.. والمسيحى.. شايله فى الننى!
«مينا الصعيدى بن دانيال» نزل عن صليبه.. وجانى/ قاللى: «اللى صالبنى يا خال لو أنزل بيصلبنى تانى».

صوتك.. شعاع الشمس لما يطل/ كنا على ضى الشعاع دا نشوف مال اتساعك ضاق فى وش الكل ورجعنا تانى نشم ريحة الخوف!؟

يقول إننا بلد عجيب يخلط الكسل بالدين ومحروسة بلد العجب والوهم والتخاريف/ بلد الرضا والتململ والسكوت والآه. ويقول لسلاطين الكابوس الذى طوله عام:
بتفرقوا الجهل وتقولوا عليه الدين/علشان تسوقوا وطن أطرش متغمى/ الدم دمى ولو ماعرفش صاحبه مين/ والجزارين لاغبيا.. برضك ولاد عمى.

طوال هذا العام كان علينا أن نتبين ما الذى حدث فى الحقيقة، وأين الخطأ الذى قادنا إلى هذا الحائط السد. وكان الأبنودى يفكر معنا كل صباح بالشعر فيقول:
وطنى ماخيبش ظنى/لكنما الوقت خانه/صحى الشهيد جنب منى
لقينى بايع مكانه!/مأساتى شعبى اللى قاصده عمره ما بيقرا/ حياة تعيسة.. لا فيها كتاب ولا جورنان/ وبالطشاش بس.. يسمع شىء عن الثورة/ وما شافش لا اسود ولا ابيض من ورا الميدان.. الفلاحين.. مازالوا منتظرين/ ناس يفهموا فى الأرض والإنسان/ ناس يعشقوا عرق البنى آدمين/ مش كلمتين فى ميكرفون وصوان!

عباد.. تعرفش غير تكره/ وشبه الناس.. لكن مش ناس/ دا انا احفر بير بالإبرة/ ولا اسألش اللئيم على فاس.
رغم كل ما حدث مازالت الثورة فى خطر.. بل زاد الخطر وأصبح حاضراً فى الشقوق والحوارى، وتلوين الكلام وتلويع المعانى:
الشمس غامت مش غابت/والبين عادلنى وكافينى/9تمن ما هزينا ثوابت/وسمحنا بالحزب الدينى
عمر الطغاة ما اتعلموا من بعض/عمر الطغاة ما اتعلموا م الزمن
ولا فهموا إيه بين العباد والأرض/ولا حبوا- زى الناس- عيون الوطن
من أجمل وأقسى مربعات الديوان:
واقف على باب وداع/واللحظة- فعلاً- حزينة/ع البعد.. شايف شراع/ماشايفش تحته سفينة
الميدان الحر.. فاضى/ فيه كآبة.. واكتئاب/ وكأن الثورة.. ماضى../ شاى شربناه ع الحساب!
ولأننى عجوز مثل صاحب المربعات أقول معه فى الختام:
لا ريح حتكسر الجناح/وتعطل الطيران/ولا ليل حيمنع الصباح/يهل على الأوطان ... سلمت ودمت يا عبدالرحمن.

مربعات الأبنودى- شعر عبدالرحمن الأبنودى
الهيئة العامة للكتابالقاهرة 2014.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 3 مايو 2014