الأربعاء، 19 مايو، 2004

البداية والنهاية في حكاية علاء الديب.. حكايتنا!!



 


إنتهت حكاية علاء الديب. فاروق حسني اتصل بعمر سليمان. وزير الثقافة برئيس المخابرات. الخبر تكرر قبل ذلك كثيراً. لكن هذه الأيام دخل اسم الشخص المقصود من الوساطة. 

الأمر يتطلب هذه الدرجة العليا من الاتصالات. ولم يكن هناك قانون أو قاعدة تنقذ علاء الديب من السجن إلا اقتناع شخص واحد صاحب قرار يتخطى اجراءات تحدث في دولة مماليك جديدة.

 الأديب هنا لا يفتقد أمانه السياسي أو الفكري. أمانه الشخصي. حقه في الحياة.

في تأمين نفسه من أزمة الاحتياج. مثقف. كاتب. صحافي. تنشر الصحف نداء ليرفع عنه حكم بالسجن لأنه لم يقدر على فاتورة المستشفى. السجن ليس عقوبة معارضة أنظمة حديدية. ولا صدام مع أفكار مجتمع مستقر في جموده. السجن هزيمة في مواجهة الحياة. في الدفاع عن مكانك الشخصي. حيز الوجود الصغير الذي يمكن الاحتماء به في الأيام الحالكة.


حكاية علاء الديب انتهت (على عهدة الخبر الصحافي). ولم تنته.

حكاية تستحق تأمل.

ـ 1 ـ

عندما حصل علاء الديب عام 2002 على جائزة الدولة التقديرية في الآداب لم نفرح كفاية. فالدولة أهانت جائزتها كثيراً ومنحتها الى مسؤولين كبار بحكم مقاعدهم. والى أدباء بحكم قربهم من السلطة. وحصول أديب مثل علاء الديب لم يكن سوى: غسيل سمعة للجائزة التي كان من المفترض أن تظل محترمة. محايدة. بعيدة عن تقلبات مزاج الحكام واتجاهات الرضا في كواليس السلطة السياسية والثقافية.


الجائزة لم تذهب فقط الى أديب متميز برواياته: "زهر الليمون" و"أطفال بلا دموع" و"قمر على المستنقع" و"عيون البنفسج" و"أيام وردية" الى جانب مجموعات قصصية منها "القاهرة" و"صباح الجمعة". لكنها منحت دعماً معنوياً لقيمة الترفع في زمن الحروب الصغيرة جداً.


يعيش علاء الديب في بيت ما زالت على بابه لافتة تحمل اسم الأب: "حب الله الديب". بيت لطيف لا تبدو عليه "بهرجة" الثروات المفاجئة. في الحديقة بعض الأشجار زرعها هو بيديه. وفي غرفته بنورها الطبيعى وتفاصيلها الجذابة عالم يكاد يعتزل إيقاع المدينة الصاخب على الرغم من أن علاء الديب كان جزءاً من معاركها الدائمة عبر العمل الصحافي في مجلة "صباح الخير" (غادرها أخيراً بعد بلوغه الستين) الذي اكتشف فيها عبر بابه الأسبوعي "عصير الكتب" عشرات الكتّاب والأدباء منذ 1968 وحتى الآن.


علاء الديب يبدو مثل حكيم قادم من زمن مختلف. يخاف من البنايات الأمريكية في القاهرة. ويحكي بفخر أنه هرب من كل صراعات حول المال أو المواقع.. كما لم يحب "الشلل الثقافية" ولا جلسات الاستعراض على مقاهي المثقفين.. ما زال يؤمن بأن الأدب يمكن أن يسرّب شعاع نور للمحبطين والمتعبين... وعلى الرغم من أنه عمل بين الأدب والصحافة واقترب من التنظيمات السياسية بداية من الأخوان المسلمين وحتى الأحزاب الشيوعية السرية مروراً طبعاً بالتنظيم الطليعي. إلا أنه لم يدخل في "كومبينات" المصالح التي تحمي أصحابها الى الأبد.

وهذا سر محبة علاء الديب وسر عذابه في الوقت نفسه.

ـ 2 ـ

دخل علاء الديب من باب مستشفى وادى النيل يوم 10 آب 2003. المستشفى مخصص لعلاج موظفى جهاز المخابرات وعلاج علاء الديب هنا تحت فئة : جمهور أي من خارج الجهاز.

طبيب القلب هو الذي رشح المستشفى لأنه الوحيد الذي سيزوره الخبير الفرنسي في عمليات القلب المفتوح لتوصيل الشرايين التاجية.

كان من المفترض ان يبقى علاء الديب 3 أسابيع على أقصى تقدير للاطمئنان على نجاح العملية لكنه اضطر الى البقاء نحو 103 أيام.

لماذا؟

حدث اثناء العملية تلوث بكتيري (مسؤولة عنه المستشفى كما قال العالمون بالمسائل الصحية) نتج عنه 3 عمليات إضافية أرهقت صحة علاء وأوصلته الى حالة مرعبة (اضطر في إحدى العمليات الى نزع العظمة الواصلة بين أضلع القفص الصدري وهو يرتدي الآن حزاماً يربط هذه الأضلع حتى تنمو غضاريف جديدة).

على الرغم من "البهدلة" لم يسمع علاء الديب نصيحة أصدقاء اقترحوا عليه رفع دعوى قضائية ضد المستشفى الذي بسبب إهماله دخل غرفة العمليات أربع مرات وتعرض لضرر صحي بالغ وملحوظ لكل من قابله بعد الخروج من المستشفى يوم 14 تشرين الثاني 2003.

المدهش أنه منذ هذا التاريخ وعلاء دخل في دوامة أخرى بدأت بمطاردات تليفونية للمسؤولين (وزير الثقافة مثلاً) وانتهت في المحكمة.

علاء الديب دخل المستشفى ومعه قرار علاج على نفقة الدولة بتوقيع رئيس مجلس الوزراء بمبلغ 32500 جنيه.. أضيف إليه قرار وزير الصحة بمبلغ 12 ألف اخرى وبعد "لخبطة التلوث البكتيري" صدر قرار من رئيس الوزراء برفع المبلغ كله الى 50 ألف جنيه.

لكن المبلغ لم يكف لسداد نصف الفاتورة. علاء كان قد دفع من ماله الخاص اكثر من 20 ألف جنيه نفقات اقامة زوجته كمرافقة معه طوال اقامته في المستشفى.

ووقع علاء الديب بحسن نية بالغ على إيصال أمانة بمبلغ 80 ألف جنيه هي باقي الحساب على اعتبار ان هذا مجرد "إجراء شكلي" لا ضرر منه. خصوصاً أن المسؤولين وعدوا بالتدخل لحلّ المشكلة.

وهذا ما لم يحدث.

فالمستشفى تحرك ورفع دعوى تطالب علاء الديب برد "الأمانة". والمسؤولين بعد طول مطاردة ورد واحد متكرر: "اطمن الموضوع خلصان لا تقلق... عيش إنت فترة نقاهتك واسترد صحتك.. القرار على مكتب رئيس الوزراء سيكفي لبقية المصاريف..".

لكن القرار صدر بمبلغ 30 ألف جنيه فقط لم يقبل المستشفى باستلامها لأنه يريد كل المبلغ.

ـ 3 ـ

القصة وصلت ذروة درامية. محكمة المعادي حكمت على علاء الديب بثلاث سنوات سجن لأنه خان الأمانة ولم يوصل الـ80 ألف جنيه من مدير الحسابات الى مدير الخزينة.

أي أن المستشفى لم يجد وسيلة للحصول على فاتورة العلاج إلا "تلفيق" تهمة يظهر فيها علاء الديب ليس مريضاً لم يقدر على دفع مصاريف علاجه بل شخص استولى على أموال كان عليه توصيلها الى عبد الحميد محمد (مدير الخزينة) من إيهاب عبد المجيد رمزي (مدير الحسابات).

لماذا يضطر مستشفى محترم الى مثل هذا التحايل السخيف وتدبير لعبة تصلح فقط بين شطار السوق؟!

ولماذا وصلت تكاليف العلاج الى هذا الرقم الكبير (130 ألف جنيه على الأقل) والمستشفى ليس استثمارياً ولا يقدم خدمات علاج الرفاهية؟!

ولماذا لم تتحمل المستشفى مالياً نتيجة الخطأ في العملية الأولى والذي نتج عنه 3 عمليات لم تكن في الحسبان وتطالبه المستشفى ليس بتحملها بدنياً فقط بل بتحملها مالياً أيضاً؟

هذه أول الاسئلة وهناك الكثير.

لماذا يحتاج الامر في كل مرة الى مطاردة مسؤول وتوجيه النداء ليبدو الأمر في النهاية كما لو كان نوعاً من أنواع التسوّل أو طلب الحاجة؟!

الم يكن من حق علاء الديب باعتباره احد مواهب مصر رعاية افضل وثقة في انه لن "يتمرمط" في المستشفيات والمحاكم؟ أقول من حقه لأن المسألة ليست منحة من مسؤول يمنحها لمن يريد أو من يجد واسطة قوية يرق لها قلب المسؤول ومصالحه؟

الكل (نقابة الصحافيين ووزير الثقافة والوسطاء المتمتعون بميزات العلاقات القوية مع ولاة الامور..) يقول: اطمئن لن يحدث شيء وسينتهي الامر.. سنسويه.. وفي كل مرة تنتقل القصة من ذروة الى ذروة (من الفاتورة الى إيصال الامانة ومن المستشفى الى القضية الى الحكم بالحبس..) كل هذا يواجهه مريض بالقلب ويعاني الآثار الجانبية لجراحة ليست ناجحة تماماً؟!


هنا تبدو نهاية حكاية علاء الديب بداية جديدة. تعيد بناء الحكاية خارج فكرة الصدمة أو الشفقة الشخصية. إنها وجود يتعرض للخطر المباشر من دون حماية. ولا سند مجتمع حديث. وينتظر رضا شخص واحد. في يده الحل والربط وكتابة صك عودة علاء الديب من قوائم المتهمين.


وهذه حكايتنا تقريباً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وائل عبد الفتاح
نشر في جريدة المستقبل بتاريخ 19 مايو 2004