السبت، 27 أبريل، 2013

إلى لبنان مع حبي

           




منذ منتصف القرن العشرين توالت ضربات قاسية على رأس البشرية، تغيرت قيم وتبدلت اتجاهات فى الشرق والغرب، فى أوروبا وأمريكا، وأمريكا اللاتينية.


 سقطت أيديولوجيات حاكمة، وانطلقت أصوليات تنفى كل آخر.
 انطلقت رأسمالية متوحشة «تاتشر، وريجان 1978-1979».
 سقطت المنظومة الاشتراكية كلعبة الدومينو، 67 أصابت العالم العربى بجرح لم يندمل بل تلوث..

تاركاً فى الدنيا مجاميع هنا وهناك من «التائهون»، هو الاسم الذى اختارته المترجمة نهلة بيضون، لعمل أمين معلوف الجديد، الرواية العبقرية التى تغازل السيرة الذاتية للمفكر اللبنانى الفرنسى الذى انضم مؤخراً، 2012، للأكاديمية الفرنسية، مجمع الخالدين، شاغلاً المقعد رقم 29 الذى خلا برحيل عالم الإنسانيات «شتراوس». اختارت المترجمة لفظ «التائهون» لاعتبارات عملية فى حين أن اسم العمل الفرنسى «Lesdèsorlentès» يوحى بفقدان الاتجاه، والبوصلة، والأرض التى تحمل الجذور، عندما يفيق من تلقى شضربة قاسية على الرأس يسأل:
 أين أنا؟
 أين الشمال والجنوب؟
 أين الشرق والغرب؟

 وهذا حال أبطال عمل المفكر الروائى أمين معلوف، كما صورهم فى هذا العمل الضخم، الذى يقترب فيه أمين معلوف،«مواليد لبنان 1949
–رحل إلى فرنسا 1976
– تفرغ للكتابة بعد أن عمل فى الصحافة بجريدة (النهار)
 – ورأس تحرير (جين أفريك)
- أصدر (الحروب الصليبية من وجهة نظر العرب) 1983
- (ليون الأفريقى) 1986
 - (سمرقند) 1988»،
يقترب للمرة الأولى من أغرب وأقسى
- الحروب الأهلية التى عرفتها المنطقة، الحرب الأهلية اللبنانية، من 13 إبريل 1975 - 13 أكتوبر 1990، ويقول عنها أهل لبنان:

 الأحداث فى اقتدار وسخرية وألم غير مفهوم فقد غيرت «الحرب، الأحداث» كل شىء: غيرت الأرض والناس، ولكنهم يصنعون من البحر والجبل، من الشطارة، والعروبة والهجرة والارتباط واقعاً جديداً، لكننا نراه، ويا للغرابة، يحمل الجرثومة الطائفية القديمة نفسها، هل يكرر التاريخ نفسه؟!

                    ■

«آدم» بطل الرواية، أستاذ تاريخ، «يحمل رائحة المؤلف، وتنطلق على لسانه بعض من حكمة (معلوف) القاسية»، فى الرواية أستلهم فترة شبابى بتصرف شديد.

عشت تلك الفترة مع أصدقاء كانوا يؤمنون بعالم أفضل، نهلت من أحلامهم، ومن حسراتهم، ومن ذكرياتى معهم عندما كنا نشكل مجموعة أصدقاء يطلقون على أنفسهم «البيزنطيون» لأننا نناقش ونعيش كل شىء، الكلام، والحب، والجنس، والسياسة، والكتابة، والمقاومة، والأحلام قبل كل شىء!

«من شرفة بيت مراد صديقنا كنا نطل على الجبل، نشرف على الأرض ونتحكم فى المستقبل»، لم أكن أشعر بأننى ولدت فى بيروت أو لبنان، بل ولدت فى العالم.

كانت الشلة متحمسة، ساذجة، متضامنة، أما وطنى الاجتماعى فكان يقع فى منزلة بين المنزلتين، لا منزلة المنعمين ولا منزلة السائلين، إننى أنتمى إلى تلك الطبقة الوسطى التى بوسعها أن تنظر إلى العالم نظرة متبهرة، بما أنها لا تعانى من قصر نظر الأثرياء ولا عمى الجائعين.

كان كل أبطال الرواية متلازمين فى شبابهم، لكن فرّقتهم «الأحداث» والأفكار والأيام، والرواية تحكى فى تدوين محكم لـ16 يوماً تحاول فيها «الشلة» التجمع فى بلدهم الأصلى،«لم يكتب المؤلف اسم بيروت أو لبنان مرة واحدة طوال أكثر من 550 صفحة»، بمناسبة وفاة «مراد»، صاحب البيت الكبير الذى كان مكان تجمعهم، حيث الشرفة الكبيرة التى أصبحت تطل على فراغ، «مراد» هو الوحيد الذى بقى، عاش الأحداث، بل ساهم فى صناعتها، تلوثت يداه بالدم والفساد..

 لكنه حافظ على البيت والشرفة، تزوج من الشلة، وقدم العون، والعقاب لبعض من بقى من المصابين والمخطوفين..

 لكنه كان غارقاً فى دوامة الدم والفساد، سقط إلى أعلى، وصار صاحب نفوذ واشترى مصرفاً.. وأصيب بالسرطان!

«آدم»، الراوى، الذى يتولى محاولة جمع الشلة يقول عن نفسه:
 «أحمل فى اسمى ولادة البشرية، غير أننى أنتمى إلى بشرية تندثر».

 بروح الألم الدفين هذا راقب «آدم» مصائر الأفراد الأصدقاء، راقب أولاً «مراد» الذى قاطعه قبل موته بعشرين عاماً، وصار يقول عنه صديق قديم، أما «نعيم» الصديق يهودى الديانة الذى هاجر إلى البرازيل، فما زال يأكل كثيراً ويقول فى مرح يخفى غربته الأبدية:
 إن الله يتأمل أرض البرازيل فى فرح واعتزاز، ويتأمل الشرق الأوسط بحزن وغضب.

 كما أنه يبدى إعجابه وتعجبه من براعة سفراء إسرائيل القادرين على إقناع العالم بأن إسرائيل دولة لا تُهزم، وبأنها فى الوقت نفسه دولة مهددة دائماً بالموت.

 وأخيراً يرى أن الشخص الذى يولد عربياً ويهودياً هو مجرد سوء تفاهم!
أما «ألبير» المسيحى الذى خضع لعملية اختطاف عبثية أنقذته من محاولته للانتحار نتيجة ارتباك حياته الشخصية والجنسية، فما إن ينقذه «مراد» بنفوذه حتى يهاجر إلى الولايات المتحدة ويغرق بعبقريته التقنية فى أعمال البنتاجون وأجهزة المخابرات.

باقى الشلة، «رامز» و«رمزى» صديقان لا يفترقان عملا فى المقاولات فى بلاد النفط، صنعا إمبراطورية ضخمة من بناء قصور أثرياء النفط، وسجون حكام المنطقة، ودخلا تجربة زواج قادت أحدهما إلى سعادة وهناء، ودخلت بالثانى، وهو المسيحى، إلى الدير بحثاً عن خلاص من كل هذا الحمق والعبث!

«آدم»، مرة أخرى، يدرس التاريخ ويراقب تحول «ذهنية العصر» من اليسار إلى اليمين، ومن الإلحاد إلى التدين المتطرف، ومن السلام إلى الإرهاب، وهو فى منزلة بين منزلتين، بين التدين والإلحاد، بين صديقته التى يعيش معها فى باريس، و«سميراميس»، واحدة من أفراد الشلة القديمة، بقيت فى بلدها الأصلى وحولت جزءاً من بيت عائلتها إلى الفندق الذى يعود إليه «آدم» فى محاولة جمع الشمل، وفى محاولة لإعادة العلاقة التى كانت قد بدأت مع «سميراميس» «سمى» صاحبة الفندق الذى هربت عائلتها من مصر عند تأميم «عبدالناصر» أموال الرأسماليين واعتقاله الإخوان، حيث اشترك والدها فى إخفاء أحد من حاولوا اغتيال الرئيس، تبقى صديقة عشيقة.

                    ■

التفاصيل التى أظهرتها الرواية الواقعية الفكرية المليئة بالرمز والحاضر، بالشعر والألم تجمع بين التاريخ والحاضر فى منهجية مقصودة لمناقشة قضايا أمين معلوف الأساسية:
 قضية اختلال العالم، والهويات القاتلة، وله كتابان يناقشان هذه الأمور فى إطار علاقة الشرق بالغرب، فى إطار «هم، ونحن»، والهوية القاتلة:
 هى فكرة تلك الهوية الجامدة التى لا تقبل التغيير الذى يجرى به الزمن وتدخله الحوادث والتغيرات. هوية الجاهل، الذى لا يرى الآخر.


أحد أبطال الشلة وقد كان صديقاً ثم زوجاً لـ«سميراميس»، هو الشهيد «بلال»، المناضل الذى حمل السلاح مبكراً مجاهداً فى سبيل الله، ومن أجل فلسطين كان قد تزوج «سمى» بعد غرام سريع ملتهب.


 وكان يحلم بالحب والحرب والنضال:
 «كانت علاقتنا مثل تلك الرقصة المحمومة، التى يبتعد فيها الراقص عن الراقصة بعنف، ثم يعود فيلتصق بها بالقدر نفسه من العنف.


 قبل أن يبتعد عنها من جديد، لكن لا أحد منهم يفلت يد الآخر فى أى لحظة من اللحظات».

«أرانى السلاح الذى اشتراه، وكان يتباهى به مثل طفل.
قلت: ظننت أنك ستبدأ بالكتابة كما فعل لوركا، وهمينجواى.
 فأجابنى:
 أولاً يجب أن أقاتل، ومن ثم سأكتب».

لم أره ثانية، لم نتكلم بعدها قط، مات بعد أربعة أيام، دون أن يكتب، ودون أن يكون قد قاتل، على الأقل، ظلت يداه نظيفتين، ولم يقتل أحداً.

شخص جديد واحد أراد «آدم» أن يضمه إلى التجمع الجديد للشلة هو «طلال» أخو الشهيد «بلال».

 إسلامى جديد يتبنى أفكاراً جهادية، ينتقد الجميع ويريد أن يعيد الرواية من جديد، وفى الرواية ما يكفيها من مآس ومفاجآت للقارئ أن يصعد إليها وهو يحبس أنفاسه!

                    ■

لا يتركنا أمين معلوف دون أن يلقى بعدد من الحكم المنثورة فى عمله كأنها جواهر مدفونة، فهو يقول إن المهان فى وطنه لا يتصرف بنبل أو شجاعة.
عندنا فى الشرق لا يكترث الناس للعقائد الإيمانية كثيراً، بل هم يكترثون للانتماءات، طوائفنا عشائر، وغلونا الدينى شكل من أشكال القومية!
«التائهون» - رواية أمين معلوف
ترجمة: نهلة بيضون.
دار الفارابى - بيروت 2012

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 27 ابريل 2013

السبت، 13 أبريل، 2013

عن القهر.. والكرامة

                                                                                                                         



       

      
يشق علاء الأسوانى طريقه نحو بلاغة بسيطة ناصعة باقتدار واضح.

روايته الجديدة «نادى السيارات» إضافة كبيرة لعملية الكشف والتشريح التى يقوم بها لسبيكة مجتمعنا المصرى الفريدة والمعقدة. 
الأدب بالنسبة له وسيلة للتعبير عن حبه واهتمامه بالناس الذين يراقبهم بذكاء من حوله.

 فى مقالاته السياسية الغزيرة يثير ما يشاء من قضايا «الآن». ويبنى أفكاره كلها لكى تصب فى دعوته العالية المخلصة: للديمقراطية.

بالنسبة للرواية فإنه يهتم أولاً بإحكام البناء: العمارة، والإنشاء والأساس، والشخصيات، وتفاصيل العلاقة بين البشر والمكان، البشر والظرف الاجتماعى.. البشر والبشر.

فى عمله هذا الثالث المهم «نادى السيارات» تجارب خارجية فى المدخل وفى التنفيذ، ولكنه يعود سريعاً إلى الخط المستقيم الذى يربط القارئ به فى متابعة أخاذه، يحبس المتابع أنفاسه، والأحداث تتصاعد والشخصيات تنشابك، خالقة لبشر أحياء، تحبهم وتغضب منهم، وأماكن واضحة ورائحة زمن قديم.

يقول الأسوانى: إن الرواية الجيدة المحكمة يمكن أن تجعل أى موضوع، موضوعاً مهماً ومثيراً كما يقول «إننا لا نؤلف الروايات أو نخترعها، بل نحن نكتشفها فى داخلنا، وما علينا إلا أن نركز جيداً لكى نكتبها».

مشاكل «الآن» ليست الموضوع الأمثل للروايات فإن «ديستوفسكى» وعالمه أهم من قضايا «طالبان» التى تجدها فى الجرائد وعلى شبكة الإنترنت. كتابة الرواية عنده هى فعل مقاومة للخوف من العالم: بخلق عالم مواز ومحاولة فهم تعقيداته وتشابكه والتعامل معه.

لذلك فإذا كنت خائفاً فلا تكتب، وإذا كتبت فلا تخف. بهذا الموقف حطمت روايته الأولى «يعقوبيان 2002» والثانية شيكاغو «2007» كثيراً من المحاذير، وكذلك حطمت كل أرقام التوزيع فى الداخل وفى الترجمات غير المسبوقة بالنسبة للأدب العربى.

                    ■ ■ 

ما هو عالم رواية «نادى السيارات»؟
 لن أحاول هنا تقديم عرض أو تلخيص: لهذا العمل الكبير «أكثر من 600 صفحة» الممتع، الذى كتبه مؤلفه على مدى خمس سنوات، عمل خلالها كل صباح بانتظام، وهى عادة حميدة اكتسبها وحافظ عليها بعد نجاحه الكبير فى اقتداء مستحدث بأستاذ الرواية العربية الخالد نجيب محفوظ،لكننى سوف ألتقط خيطاً واحداً من هذا البناء الضخم:
 خيط الصراع بين القهر.. والكرامة.


نادى السيارات الملكى، مجتمع الطبقة الراقية، ومكان سهر ومتع جلالة الملك وحاشيته «أسس النادى 1924». ليس الملك ولا حاشيته هما موضوعنا. موضوعنا الخدم المصريون الذين يخدمون هذه العصبة الراقية والأجانب الذين يمثلون الاستعمار ومن يلف حولهم. هؤلاء الخدم يرأسهم «الكوو» قاسم محمد قاسم كبير شماشرجية الملك. حكم «الكوو» للخدم يلخص كل شىء.


صورة للبلد للقهر والفقر والكد من أجل لقمة العيش.
 وأنهار الطعام والشراب والبذخ تعبر الخدم لكى تأخذ منهم لا لتعطيهم سوى «البقشيش» الذى يشاركهم «الكوو» فى نصفه غصباً وبالضرب لو لزم الأمر لأن الخدم المصريين لا يعملون إلا.. بالضرب والقهر..

 وهم غالباً غير قادرين على اتخاذ أى «قرار»؟!
أين الكرامة إذن؟!
 الكرامة فى عائلة «الهمامية» العائلة التى هاجرت من الصعيد بعد أزمة مالية، لكى يعمل رب العائلة «عبدالعزيز» مساعداً لأمين مخزن النادى، وهو اليونانى الطيب الوحيد. ومع ذلك يقع عبدالعزيز فريسة لقهر «الكوو»، وتبقى زوجته وأولاده الثلاثة وابنته فى شارع السد الجوانى بالسيدة زينب مقابلاً لبقعة النور المتوحشة فى نادى السيارات الرواية ترصد حياة ومقاومة وكرامة الزوجة: «لرمز الشامخ للمرأة المصرية»، والأولاد الذين يشق كل منهم طريقاً لكسب العيش بأكبر قدر ممكن من الكرامة بعيداً عن النادى وسطوة «الكوو» وعالم القهر والبقشيش.


الابن البطل «كمال» يدخل بنا عالم السياسة والمقاومة السرية، والابنة صالحة تخوض عذاب الشابة المصرية من أجل حريتها وكرامتها، أما «سعيد» و«محمود» فلكل منهما عالم وطريق يمر معوجاً ومستقيماً لتكتمل سبيكة المجتمع المصرى الفريدة والمعقدة والتى تخصص علاء الأسوانى فى تحليلها وتشريحها بأكبر قدر من الوضوح والصراحة.


علاء الأسوانى «مواليد 26 مايو 1957» اسم معروف ومذكور بفخر واعتزاز فى عالم الأدب فى أوروبا وأمريكا وفى العالم العربى، وهو قيمة إنسانية وفكرية نادرة فى واقعنا الصعب المرتبك قاوم ويقاوم كل أنواع القهر، واحتفظ لنفسه بكرامة الإنسان المصرى، وقرر لنا قيمة كرامة الكاتب، أتركك الآن مع: «نادى السيارات».

نادى السيارات (رواية)
علاء الأسوانى
دار الشروق _ القاهرة 2013
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 13 ابريل 2013