السبت، 9 نوفمبر، 2013

كتابة إنسانية مدهشة

            



               




 بيت الأستاذة الكاتبة رضوى عاشور، دقائق من ميدان التحرير، «بيت كباقى بيوت الخلق»، ولكن عندما يحتشد بالشعراء من آل الحداد وآل جاهين مع صاحب الدار: مريد البرغوثى والابن تميم، يغدو البيت سكنا غريبا للعذوبة ربما، أو للجمال، ربما لشىء مستقر لا يسهل اقتلاعه أو خلخلته: كأنه الأمل..


أمل غريب فيه يقين، وإن كان معجونا بالشقاء والأسئلة
أجل.. أمل فيه يقين، ولكنه معجون بالشقاء والأسئلة هكذا بدا لى هذا العمل الرائع «أثقل من رضوى».. مقاطع من سيرتها الذاتية، ترسم فيه صورة عن محاولة الحياة هنا الآن:
بحب للحياة، ومقاومة وكرامة، والمعرفة بالتاريخ الذى لا يعرف الخوف، والسخرية التى تجدد الدفاع عن النفس، والثورة التى ليست صورة أو مشهداً أو حكاية ولكنها دقات قلب، حتى وإن لم يعد شابا، فإنه يدق بانتظام.


 ما دامت للأرض ذاكرة.. ومادام الشهداء يزورون ميدان التحرير ليلاً، حتى بعد أن أظلم، وابتعدت عنه الحشود.
العمل كبير.. حوالى 400 صفحة و33 فصلاً،
 الواقعة الأساسية هى مقاومة «ورم كان حميداً وتحول» فى الرأس بالجراحات المتعددة والعلاجات الأخرى: لكن الإنسان الجميل القوى المحبوب، الذى يرى الآخر، ويشعر به حتى فى أقسى لحظات التعب والألم.


 هذا الإنسان هو الظل الوارف الندى الذى تعيش فيه من أول كلمة حتى سطر الختام الذى يقول: «هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة مادمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا.


وبين البداية والنهاية تقدم الأستاذة درسا فى شكل الكتابة.
 أقول «شكل» الكتابة لأننى أعتقد أن ظاهرة الكتابة السهلة، فى المقالات والكتب: السهولة التى تشبه حديث المقاهى، قد صارت كأنها الحشرة التى تأكل الأرض تحت الأدب والفن والفكر.. ضوضاء:
 وكأن كل شىء على وشك السقوط.. والناس لا تتوقف عن الكلام.. بل تكتبه بنفس الطريقة.
فى كل فصل من الفصول الـ33 تجربة مختلفة فى شكل الكتابة، مع وجود شكل دائرى كامل للعمل مرسوم بالكلمة والصورة والسطر والشعور.


 هناك تناغم مدروس للإيقاعات المختلفة فى الكتابة: بين فصول الجراحة فى أمريكا. والثورة فى ميدان التحرير، والصراع مع الفساد والبيروقراية فى أروقة واجتماعات الجامعة. وفصول الشعراء وجلسات الشباب.


يحتوى الشكل المعنى، لكى يوحى بالقصد والمضمون:
 ليس هناك نصح أو إرشاد مباشر ولكن هناك دائماً «معرفة» معرفة جديدة مقدمة من خلال تجربة حية.
 ولأن الربط - كما تقول - قد يلجم المعنى، فإن الكاتبة كثيراً ما تترك الربط للقارئ يقوم به، يجنى متعته.


 فى فصل قصير بعنوان: مقال قصير عن الكتابة «فصل 15» تقول كلمات مضيئة عن فعل الكتابة:
«نعم، الكتابة فعل أنانى وطارد.
 لا تفوتنى المفارقة، لأنها فعل ينفى الآخرين ليخاطبهم، ويصوغ علاقته بهم، ويشكل ما يشكل لغتهم «لأن لا أحد يمتلك لغة بمفرده» ينفيهم ليكتب حكايتهم، يقصيهم ليراهم يبتعد ليقترب، ويعزلك ليتيح لك تبديد وجودك المفرد وإذابته فى وجودهم ومكانهم وزمانهم. عجيب!».


رغم أن المبنى ليس روائياً فإن خبرة الكاتبة كصائغة روايات تبدو فى كل التفاصيل الصغيرة من رسم الشخصية إلى حبكة السرد فى تقديم رضوى الطفلة فى المدارس وإلى جوار النيل:
 رضوى «المطيورة» التى «تكعبلت فى نفسها»، إلى المتفوقة التى تسلمت شهادات التقدير من عبدالناصر ومن المدرسات الحقيقيات، وخلال ذلك خلقت الكاتبة المكان:
 الروضة، ومنطقة باب اللوق، ومنطقة محمد محمود، الشارع الذى ارتوى بدماء الشهداء، وميدان الفلكى الذى سكن فيه أحمد عرابى.


من أجمل فصول الكتاب: من ناحية الشكل والمضمون معاً.
 الفصل الـ15 بعنوان: «عن أحمد الشحات وشعبان مكاوى». وأحمد الشحات - إن كنت لا تذكر - هو الشاب الذى صعد ليلاً إلى آخر أدوار العمارة، وأسقط العلم الإسرائيلى، وتابعته الكاميرات حتى كاميرا قناة الجزيرة».


 أما شعبان مكاوى فهو أحد تلاميذ الدكتورة، النابهين الفقراء، الذى ترجم - رغم ظروفه الصعبة ماديا وصحياً - واحداً من أهم الكتب الجديدة عن الولايات المتحدة بعنوان «التاريخ الشعبى للولايات المتحدة»، وكان يعانى من أمراض خطيرة فى الكبد، وأجريت له عملية زراعة» رحل على أثرها فى 11 مايو 2005 عن واحد وأربعين عاماً.
 تقول عنه الأستاذة: «فلاح جميل قطع الطريق بسرعة خاطفة من بلدته الصغيرة (منشية النور) إلى الجامعة ليتعلم، ويعلم، متسلحاً بالمعارف والمكارم وفيض مدهش من الحضور والإنسانية».


 وعن أحمد الشحات تقول:
 «نزل الولد فى أمان الله.
رفعه الناس على أعناقهم ماجوا به ومن حوله وهم يهتفون بالصوت الهادر:
 تسقط تسقط إسرائيل، ثم أودعوه سيارة إسعاف خوفا عليه من اندفاع الحشود الهائلة لحمله، أو من مندس يصيبه بأذى، حملته وغادرت».


فلاح، وفلاح، صعود سريع، اختفاء: هل هذا ما جمع بينهما؟
الحكاية لا تنتهى لأنه من الممكن روايتها من جديد.


 تحدثنا عن: أولاد الناس، والآخرين الذين «شكلهم غلط»، وعن اختلاف تعامل الشرطة معهم: زمان والآن بعد الثورة.
 عن الثورة: هناك كلام كثير من الواقع وكلام نظرى يشرح، ويحلل ولكننى، توقفت عند جملة أوردها حتى إن كانت خارج السياق:
«يمكن احتواء الثورة بتقديم هذا التنازل أو ذاك بإتاحة مساحات أكبر من الحريات هنا أو هناك، بفضح بعض الفساد بمحاكمة الرموز الأبرز للحكم السابق، أما تبديل السياسة الخارجية، فيدخل فى نطاق التمرد على النظام العالمى، وهو على رأس الممنوعات...».


يعيد العمل حيا سلسلة المجازر الدموية والأحداث والوقوف أمام مشرحة زينهم، والجثث غير المعروفة التى يحاول البعض أخذ بصماتها على أنها للمسجلين الخطر، والبلطجية.
 زحام مرورى رهيب فى الأحداث وفى الأفكار التى تتصاعد إلى الرأس، تتركه المؤلفة كما هو نابضا بالدم والأمل، دافعا للحزن والمقاومة.


الشباب يتقدم بفتح الطريق: نوارة نجم معها، تقرأ مقالاتها وتقود خطواتها إلى الميدان وإلى شقة «بيير»، ورضوى لا تريد أن تقفز أمام الشباب أو تربكهم.
 إنها تنتمى إلى جيل سابق وتجربة مغايرة.أستاذة حقيقية ترى أن التشاؤم موقف لا أخلاقى.كما أنها أستاذة فى التنكر وإخفاء الجرح والوجع.«قميص أمى القطنى الأبيض» ترتديه فى المستشفى الأمريكى البارد وسط أصعب مراحل الجراحة: يكسر القميص الغربة الغالبة التى أتفنن فى تجاهل قسوتها».


أنعم الله على رضوى عاشور بالقوة والصحة والعافية.
أثقل من رضوى. مقاطع من سيرة ذاتية. رضوى عاشور. دار الشروق 2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 19 نوفمبر 2013

الأحد، 25 أغسطس، 2013

أصله ثابت وفرعه فى السماء

            
                

الحمد لله..
 الأعمال الكاملة للشاعر فؤاد حداد الآن بين يدى القارئ العربى فى اثنى عشر مجلداً: تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 هى نتيجة عمل متواصل لمدة تزيد على ربع قرن من أبناء الشاعر الثلاثة: سليم، وأمين، وحسن،وهم يتقدمون بالشكر أولاً للسيدة الوالدة العزيزة المرحومة«زكية إسماعيل»، التى عملت على حفظ هذا التراث، كما عملت على تشجيعهم طوال هذا الوقت لإنجاز هذا العمل الضخم، ويتقدمون بالشكر للدكتور «أحمد مجاهد» الذى ذلل كل الصعاب ليخرج العمل فى هذه الصورة المشرفة.

كان من الضرورى من هذه البداية لأننا أمام إنجاز نادر جاء فى وقته تماماً، رغم كل ظروف البلد، أعتقد أننا الآن فى أشد الحاجة لهذا الصوت، وهذه القيمة.

 فى حاجة حقيقية لمراجعة ليس فقط شعر فؤاد حداد:
 ولكن لكل القيم التى مثلها والتى دافع عنها والتى دفع من أجلها حياته، والتى تلخصت فى معنيين: الشعر «الفن» والعدالة الإنسانية «إنصاف الغلابة»

حلم فؤاد حداد وهو طفل بأن يكون فارساً وأن يحرر العالم وأظنه لم يقاوم هذا الحلم ولم ينحرف عنه أو يسعى إلى شىء مخالف.
 ظل حياته كلها كائناً نادراً، حالماً، نظيفاً، عاملاً، قادراً منجزاً. الإنجاز الشعرى والقيمى «القيم التى عمل بها ودافع عنها» لا يوجد فى الاثنى عشر مجلداً فقط ولكنه موجود فى أمواج البشر الذين يناديهم صوته وشعره ومعانيه التى تعيد تنقية الحياة وتستخرج منها جمالاً إلهياً يحاول أن يطمره غبار الأيام والأحداث والأخلاق.
اللغة التى يكتب بها هى لغته.

لها جلال ومدارات.
 يقول: لا عامية. إنها عربية. ابنة اللغة العربية الفصحى.
 لا داعى لكى نصطنع خلافاً أو اختلافاً يقول عنه بيرم التونسى: هو أشعر الشعراء.
 هو أبوالشعراء.
 قطع رحلة حرة طويلة صنع فيها نفسه وأفكاره.

 كان شيوعياً، متديناً، وكان يصلى، وكانت له قضية واحدة: الشعر وإنصاف الناس، اعتقل عام 1953 إلى 1956 ثم مرة أخرى 1959 إلى 1964 فى السجن (سجنونى بنيل وطمى عجنونى) «مواليد أكتوبر 1927: تركنا فى نوفمبر 1985».
هو المسحراتى. هو صاحب الحضرة الذكية. صاحب أجمل قصيدة أعرفها عن أبى بكر الصديق.

ولقيتنى زى الجمل طالع جبل قلقان
ما يعرف البحر غير اللى أتولد غرقان
من أين تصدر أنغام وتصاوير وأفكار هذا الرجل!
بعد هزيمة 67، وسط الصمت والاكتئاب، أذاع
«من نور الخيال» وعندما سقط عبدالناصر أصدر واحدة من أشد المراثى العربية صدقاً وألماً:
 سماها: «استشهاد جمال عبدالناصر» قرر فيها أهم الأفكار والأقوال التى مازلنا نعيش عليها حتى الآن: لازم تعيش المقاومة- الأرض بتتكلم عربى، ثم ذلك المقطع المحير المتكرر الذى يلخص مسألة عبدالناصر كلها:
مين اللى أكبر
مقامك فى قلوب الناس ولا مقامهم فى قلبك؟!
بعد رحيل ناصر ودخول البلاد فى مراحل التبعية والانفتاح والفساد أصيبت روح الشاعر «بالدوخة»، وصار غير قادر على الخروج إلى الشارع وحده، كان يخرج مع: أمين حداد أو مع صديقنا الراحل «عبدالمنعم سعودى»، صمت طويل، أعقبه نشاط حاد، كان يكتب الشعر ليل نهار.

 يجد القصائد على المنضدة، وتحت المخدة فى السرير.
 «اسمى بإذن الله خالد. وشعرى مفرود الرقبة ذى الألف ورقم واحد والساعة 6 فى ميدان العتبة».

 
أسعدنى زمانى بأن عاصرت الفترة التى كتب فيها صفحته
«فى صباح الخير»، قال الشاعر، وبدأ إعداد ديوان(الحماسة الجديدة)، وقد توقفت طويلاً عند المعانى التى طرحها عندما كتب صفحته عن «صلاح جاهين» الذى كان يمر بفترة توقف فيها عن الكتابة، يقول فؤاد حداد لصلاح جاهين:
إن مصر تريد من صلاح جاهين أن يعود إلى الفناء، إن مصر لا تتوسل إليه بل تأمره!

وفى عذوبة ورقة وحنان الأستاذ يقول لصلاح:
.. آه من حلاوة كلمات صلاح جاهين:
ما أطيب وما أرق وما أبهى وما أبهج:
 يا خفيف الظل يا مصر الجميلة. ثم يقول الأستاذ فؤاد حداد: يستطيع شعر صلاح أن يعبر عن كل الأشياء:
 الفرح والحزن والضحك والبكاء ومتعة الحياة ورزق الاستشهاد، واللحظة العابرة والخلود الباقى.

ثم يضىء لنا بنقده وبصيرته: الوظيفة التى تقوم بها كلمة «عجبى» فى نهاية رباعيات جاهين:
«إنه يرد إليك أنفاسك عندما يختم كل رباعية بلازمة الدهشة المطمئنة والقلق المريح: عجبى!».

هل رأيت فهماً للكلمات وللشعر أجمل وأدق من هذا.
ثم يختار فؤاد حداد أبياتاً لجاهين تجمع شمل الوطن وتعيدنا إلى زمن نتحسر على صدقه وحقيقته.

يختار فؤاد حداد هذه الكلمات من شعر جاهين:
يا ساكنين الصفيح
أنا منيش المسيح
علشان أقول طوبى لكم غلبكم
لكنى بأحلف بكم
الدنيا كدب فى كدب وإنتو بصحيح.

الحمد لله صدرت أعمال فؤاد حداد كلها «ومعها كل المترجمات» صار عندنا كنز.
 وصار فى بيتى فن ينضم إلى الفن المصرى القديم:
الذى قال عنه «أندريه مالرو» فى كتاب لا مذكرات الذى ترجمه الأستاذ فؤاد:
«فن مصر القديمة: فن مقدس: عارض الموت والفناء».
فؤاد حداد. الأعمال الكاملة «12 مجلداً»
الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 25 أغسطس 2013

السبت، 17 أغسطس، 2013

غياب أعمدة الحكمة

            


الأستاذ الدكتور أحمد مصطفى أبوزيد:
 عمود آخر من أعمدة الحكمة فى العالم العربى يغيب.

 وسط هذه العواصف التى تجتاح حياتنا، وسط البرق والرعد والأمطار المحبوسة خلف غيوم داكنة:
 أتلفت حولى فأدرك أن عموداً آخر قد رحل.

 اختفى رجل علمنى: الحرف، والمعنى والقيمة، والأخلاق، غاب كأنه سار إلى البحر أو ابتلعته العاصفة.
 «أحمد أبوزيد»:
 أهم أستاذ أنثروبوليجى عربى «علم الإنسان» رحل فى الإسكندرية: 29 يوليو 2013: هو من مواليد 3 مايو 1921.

رحل أحمد أبوزيد عن 92 عاماً بعد أن تزرع فى كل أنحاء العالم العربى:
 معرفة، وأبحاثاً، وكتباً، وقيماً، وأخلاقاً، ومجلات، ومعاهد بحثية، بعدد أيام العمر المديد الخصب، الذى احتشد بالعمل وبالوطنية وبالإيمان، بالوطن والفكر والمستقبل.

أول كتاب علمنى القراءة فى مجالات الفلسفة، وعلوم الاجتماع كان كتاب الأستاذ ذو الغلاف الأزرق «دراسات فى الإنسان والمجتمع والثقافة».

أثار الكتاب فى عقلى مئات الأسئلة، وفتح عشرات المشاكل. أهم ما أذكره الآن من الكتاب: أنه علمنى أن أبحث بنفسى، وأن أفكر بحرية، أيامها شاهدت الأستاذ للمرة الأولى وهو يعبر المكتبة العامة فى الجامعة باحثاً عن مرجع أو قاموس:
 مسرعاً وسط المناضد المليئة بالطلبة، بقامته الطويلة وخطواته الرشيقة التى تشع فهما وذكاء وعيونه لا أنساها كما لا أنسى غلاف الكتاب الذى صاحبنى أياماً، لكى أستجمع أسئلته، وما يثيره من قضايا.

هو مؤسس علم الإنسان العربى.
حصل على الدكتوراه فى أكسفورد 1956، وكان عليه بعد العودة أن يؤسس للعلم الجديد، يقيم له قسماً خاصاً فى كلية الآداب، ينفع الناس بمعناه وأهميته.

وقبل التعريف ببعض كتبه وترجماته من المهم أن تعرف أنه بدأ عمله بـ13 شهراً قضاها فى دراسة المجتمع والواحات الخارجية، ثم انتقل لدراسة المجتمع البدوى فى شمال سيناء.

وبعد ذلك انتقل لدراسة ظاهرة الثأر فى أبوتيج.
 وأول دراسة أنثروبولوجية خارج مصر كانت فى سوريا عن مجتمع «العلويين» ثم عاد لمصر لكى يقوم بدراسة مازالت ممتعة ومهمة عن «الصبر كقيمة اجتماعية فى مصر».

الكتب الأساسية هى:
 المفهومات، الأنساق، المعرفة وصناعة المستقبل. والترجمات تفوق الحصر فى هذا العلم الجديد: أهمها كتاب عن «تايلور» وكذلك اشتراكه فى ترجمة أهم مرجع فى علم الإنسان كتاب: «الغصن الذهبى» كما أصدر فى مصر مجلة: تراث الإنسانية وظل يرأس تحريرها حتى أغلقت فى المذابح الثقافية التى أعقبت النكسة.

فى الكويت قام الدكتور أبوزيد بدور مهم كمستشار لمجلة عالم المعرفة وظل ينشر فيها مقالاً حتى آخر حياته وكذلك اهتم بدراسة الأقليات فى الشمال الأفريقى «ليبيا- تونس- المغرب- والجزائر» ضمن اهتمامه بدراسة تكوين هويته الثقافة العربية كما قام بتأسيس مركز تابع لمنظمة العمل الدولية فى جنيف.

دور المثقف المصرى فى دولة الكويت:
موضوع يثيره تطور حياة وعمل الدكتور أبوزيد:
 فمنذ الدكتور أحمد زكى أول من رأس تحرير مجلة العربى إلى أجيال: د. فؤاد زكريا، وأحمد بهاء الدين، ومصطفى نبيل، ومحمد المخزنجى، والمنسى قنديل «فى مجال الصحافة وحدها»:
 هذا الدور يستحق دراسة خاصة فهو وجه منير فى العملية التى لا تلقى ترحيباً دائماً وهى هجرة العقول والعمالة.

 فقد قام هؤلاء الأفذاذ بإنقاذ أنفسهم من مناخ مرعب كان يسيطر على مصر، وعملوا هناك بقدر كبير من الحرية ساعدهم كل بطريقة مختلفة على تطوير نفسه، وإضافة إضاءة ونور فى بلد رحب بهم وقدم لهم إمكانيات لم تكن موجودة يجب ألا ننسى هنا «الدكتور الراعى- الدكتور عصفور».

الدكتور أحمد أبوزيد، والدكتور فؤاد زكريا قدما هناك:
 عالم الفكر وسلاسل عالم المعرفة وهما فى اعتقادى من أهم المنشورات العربية خلال العقود الأخيرة.

من آخر الأفكار المهمة التى أشار إليها الدكتور أحمد أبوزيد فى الفكر والثقافة العربية أن أفكار التنمية والبناء كانت تولد فى العالم العربى قبل «العولمة/ الشرق الأوسط الجديد/ حرب العراق/ 11 سبتمبر» كانت الأفكار عندنا تولد من التمرد والرغبة فى تغيير الواقع ولكنه لاحظ بعد الأشياء السابق ذكرها:
 أن أغلب أفكار الإصلاح، ومحاولات التنمية، والتجديد أصبحت تتم بشكل أو آخر:
 طبقاً لتعليمات أو نصائح أو إيحاءات أمريكية
«فهم يعرفون مصلحتنا أكثر».. وبذلك تحول الإصلاح إلى تحرير، والتنمية إلى تهيئة مناخ صالح للاستثمار، واختفى أو تلاشى معنى الإبداع وراء النقل والتقليد.

كتابه «هوية الثقافة العربية» يبدأ من اختياره لتعريف واحد لكلمة الثقافة من ضمن أكثر من 200 تعريف متداول فى العالم يختار الأستاذ تعريف الثقافة على أنها:
 «هى ذلك الشكل المركب الذى يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل المقدرات والعادات الأخرى التى يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو فى مجتمع، ومقوماتها ثلاثة: اللغة والدين والتراث».

وعن الدين والنظر للديانات المختلفة يقول الأستاذ:
«إذا كان القرآن الكريم ينص على أن المسلمين هم خير أمة أخرجت للناس، فإنه ينص فى الوقت ذاته وفى سورة البقرة على أنه لا إكراه فى الدين، وعلى الرغم من كل الهجوم الذى يتعرض له الإسلام، ونبى الإسلام فى الكتابات الغربية فإنه لا يخطر على بال مسلم أن ينال بسوء أحد الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم فى الكتاب».

«فن القول» كما يقول شيخنا أمين الخولى سوف يبقى إلى جانب القرآن الكريم فخر اللغة العربية، وفى «فن القول» على الثقافة العربية أن تصون حرية الإبداع:
 الذى يتكون من أفكار مضاف إليها تصورات جديدة مبتكرة، ومن مهام الثقافة العربية للحفاظ على هويتها: إيقاف الاستيراد «وهو طبعاً غير الترجمة والاطلاع» والأهم رفع التعارض المفتعل بين الإبداع والاعتبارات الدينية.

بالنسبة للأقليات يرى أبوزيد أن صيانة حقوق الأقليات هى إثراء حقيقى للثقافة الأم. ويورد قصيدة مهمة لشاعر من صقلية يقول: إن شعب صقلية مستعد لأن يفقد كل شىء: البيت/ والطعام/ والأسرّة التى ينام عليها: ولكنه لا يزال غنياً:
إن الشعب يفتقر ويستعبد
عندما يسلب اللسان
الذى تركه الأجداد.
عندما يفقد الشعب لغته.. يضيع إلى الأبد!

لم أر الأستاذ بعد أن رأيته فى مطالع الصبا.. إلا منذ سنتين أو أكثر قليلاً كان جالساً أمام البحر فى الإسكندرية فى شرفة خالية، وإلى جواره أحد حوارييه.

 كنت ماراً من بعيد، وأظنه كان صامتاً لا أرى لماذا تذكرت أبيات بدر شاكر السياب من قصيدة «مطر»:
عيناك
غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.
د. أحمد أبوزيد
هوية الثقافة العربية. هيئة الكتاب. القاهرة 2012

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 17 أغسطس 2013

السبت، 10 أغسطس، 2013

عربدة الوهم

              
          

كأنه يزداد حضوراً رغم الغياب.
 رشدى سعيد المصرى النادر الذى رحل عن عالمنا فبراير الماضى موجود معنا فى كل ما يجدُّ فى حياة المجتمع المصرى من مشاكل وأسئلة.

 أى اسم نطلقه عليه؟
عاشق النيل، حكيم مصر، الحجر الكريم النادر، أبوالجيولوجيا، سيف قاطع بين الوهم والحقيقة، شاب رحل بعد أن بلغ الثالثة والتسعين (1920- 7 فبراير 2013).

قال عنه نجيب محفوظ «ونجيب محفوظ يرى ما تحت جلد البشر»:
 «إن حديث رشدى سعيد يعشقه المثقف والعادى ومن هم دون هذا وذاك..

عرفت عن رشدى سعيد ما ينبغى أن يعرف عن جهاد عالم فريد من آثاره التى يهتم بها الغرب قبل الشرق، من أحلامه بالنسبة إلى وطنه وتقدمه العلمى والاقتصادى، علمت ما لم أكن أعلم، وما لا يجوز أن يجهل وما يملأ الإنسان فخراً وسعادة. إن من أقبح ما فى حياتنا جهلنا بعلمائنا وهم الجواهر التى يزدان بها تاج الحياة. هم أملنا فى المرور الحقيقى إلى العصر الحاضر».

أما الأستاذ هيكل فيقول عنه فى تقديم كتاب رشدى سعيد الكاشف:
 «الحقيقة والوهم فى الواقع المصرى (صادر 2002)» يقول هيكل:
«نحن أمام أستاذ فى الجيولوجيا خطا من الجامعة إلى المجتمع، ومن العلم إلى الثقافة حين استطاع أن ينفذ من طبقات الأرض إلى حياة البشر الذين يعيشون فوقها، ثم استطاع أن يحيط بطبقات الأرض وحياة البشر فى وطن بذاته إحاطة تربط الجغرافيا والتاريخ، تصل الحاضر والمستقبل، وتكشف بالعلم والحكمة مطالب التقدم والعمران حين تصنع نوعاً راقياً من المعرفة المتكاملة القادرة على الإلهام والتأثير.

 إن كثيرين من القادرين على الخدمة العامة مبعدون عنها، فى حين أن المجال مفتوح- إلى درجة العربدة- أمام ثلاثية الجهل والعجز والفساد.

 إن رشدى سعيد رجل تسعى إليه جامعات الدنيا وتستضيفه محافلها، ولكن وطنه بشكل ما لا يسمعه بالقدر الكافى».

رحل رشدى سعيد وترك الوطن رغم الثورة، يعربد فيه الثلاثى الذى قال عنه هيكل: 
عجز، جهل وفساد.

القبطى الذى يؤكد وجهه وملامحه وقامته واستقامة خلقه ومبادئه أنه ابن هذه الأرض منذ مائة وخمسين جيلاً، آخر ملك قوى قادر:
 كان رمسيس الثالث، وأول من همس بفكرة التوحيد فى أذن العالم كان إخناتون. فى أرض النيل ولد معنى الضمير الذى يحار العالم حتى الآن فى تعريفه أو التمسك به.

 حمل المسيحى الطيب كل تلك القدرات التى ورثها واستنبتها من هذه الأرض وعاش يحاول نقلها فى دراسته عن النيل، الذى قال عندما شاهد الحال الذى وصل إليه فى السنوات الأخيرة: تحول النيل من شريان يحمل الدم الصالح إلى وريد يصرفون فيه ما فسد من دمائهم.

 بعد أن ضاعت سيناء فى 67 بدأت مشاريع لتعميرها تعميراً حقيقياً، ولكن تُركت لبيوت الخبرة الأجنبية والمقاولين ودخلنا فى الاستثمار بدلاً من التنمية، لكى تمتد نفس الأفكار وتستشرى فى التعدين، وفى التعليم وفى السياسة.

يقول رشدى سعيد الذى تعلم على يد مربى الأجيال «يعقوب فام» فى جمعية الشبان المسيحيين، وشرب الفكر والثقافة من رجل الثقافة المصرية النادر سلامة موسى.

 يقول رشدى سعيد فى كتاب: رحلة عمر:
«إن الديمقراطية ليست شعاراً يُرفع بل هى نظام متكامل وطريقة للعيش ينبغى أن يُعدَّ لها الفرد منذ نعومة أظافره بتنشئته على تحمل مسؤولية المشاركة فى إدارة شؤونه، سواء فى المنزل أو المدرسة.. حتى يكون معدَّاً للمشاركة فى إدارة شؤون أمته».

كانت العائلة من شبرا من القللى، وأصولها طبعاً من الصعيد، وفدية أصيلة لم تترك الوفد رغم انفصال مكرم عبيد، فقد كان الوفد رمز وحدة الوطن. ويقول رشدى سعيد فى كتابه: رحلة عمر:
«لم يكن هناك أى طريق آخر لرفع شأن الوطن غير الأخذ بمنهج العلم الحديث الذى هو سمة الحضارة التى نسميها خطأ (بالغربية) على أنها حضارة جامعة، هى ملك لكل البشرية لأنها نتاج تراكم التراث الحضارى لكل ما سبقها من حضارات بدءاً من الفراعنة مروراً باليونان ونهاية بالحضارة الإسلامية التى كان لترجماتها أكبر الأثر فى توصيل ما كتبه اليونانيون للحضارة الحديثة».

كان المسيحيون يدخلون برلمانات ما قبل الثورة فى دوائر وبنسب تواجدهم، ولكن عندما قرر عبدالناصر فى برلمان 1962 تعيين عشرة أعضاء كان أغلبهم أو كلهم من الأقباط:
 وكان من بينهم رشدى سعيد
(غالباً رشحه هيكل لأنه كان يكتب مقالات مهمة فى الأهرام) يقول:
«لم أكن سعيداً بهذا الاختيار، فقد أكد لى ما كنت قد بدأت أشعر به منذ عودتى من البعثة من أننى بالفعل أصبحت (الآخر) فى الوطن».

لم يتحدث رشدى سعيد عن «الصغائر» التى تعرض لها طوال عمله فى الجامعة أو فى الحكومة مما يتعرض له المسيحيون من بعض ضعاف النفوس من «معاملة مختلفة» صارت تتصاعد مع سيطرة وتصاعد نجم التيار السلفى الذى أفرز مناخاً لا يختلف عن مناخ القرون الوسطى، يقول: «استمعت خلال عضويتى بالمجلس إلى مئات الخطب والمداخلات التى كانت تستشهد بقصص قديمة ومقولات ساذجة أُخرجت من كتب قديمة، لم يكن الأمر مقصوراً على الأعضاء بل امتد إلى الوزراء وصانعى القرار، الذين كان البعض منهم يحمل الأحجبة، ويستطلع الطالع ويستكشف المستقبل باستخدام المنجمين».

اشتغل رشدى سعيد على اللغة العربية فى ترجمة العلوم، وقام بتجهيز قاموس المصطلحات العلمية مع دائرة المعارف البريطانية، إلى جانب التحفة العلمية التى تحمل اسمه:
 عن نهر النيل، التى تطبعها أعظم دور النشر العالمية، وكان من آخر أقواله المطالبة بإعادة إصدار «موسوعة النيل» التى كانت تصدر سنوياً من وزارة الرى.

أما أزمة النيل الأخيرة فقد قال فيها وهو على فراش المرض:
 «إن الجريمة أننا سمحنا بتدخل صندوق النقد وعناصر أجنبية فى اتفاقيات المياه».

رحل رشدى سعيد ولا أدرى إن كان قد تابع جلسات مجلس الشعب الذى ابتلينا به بعد الثورة، ولكننى قرأت له مقالاً أخيراً كان يقول فيه:
«بينما العالم يبحث فى علوم الكمبيوتر والبرمجيات ينتشر عندنا فى مصر العلم، علم السميا والتنجيم».

دفن رشدى سعيد فى تراب غريب بينما يرتع فى أرض مصر من يقول «طظ فى مصر». هذه ليست النهاية، ولكنه فاصل مؤسف فى تاريخ مجيد.

رشدى سعيد:
 ناس مصر، وكذلك الطيور والأسماك ترسل: لك السلام.
فكرى أندراوس، رشدى سعيد،
دار الثقافة الجديدة 2013

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 10 أغسطس 2013

السبت، 3 أغسطس، 2013

أكتب لرفاق الروح

                     


كتاب مهم ومثير، اجتمع فيه الموضوع الشائك، والشكل التجريبى: وكاتبته أيضاً مختلف عليها.

 «أن تقرأ لوليتا فى طهران» سيرة فى كتاب، وتاريخ للثورة الإيرانية من خلال مجموعة من الكتب والروايات التى تقوم المؤلفة «أذر نفيسى» بتدريسها لعدد من الطالبات الإيرانيات اللائى يحاولن الإبقاء على صلتهن بالفكر والثقافة تحت نظام ظلامى قامع.
عندما قامت الثورة الإسلامية 1979 تغير كل شىء فى الحياة فجأة وبعنف شديد.

 يذكر التاريخ تحالفات وتوافقات سياسية..
 ويذكر كيف تمت تصفية هذه التحالفات بسرعة وعنف لصالح التيار الإسلامى المتشدد.

 وكانت السيدة «أذر نفيسى» فى ذلك الوقت تقوم بتدريس الأدب الإنجليزى فى جامعة طهران، قاومت لفترة القواعد الصارمة التى فُرضت على المناهج، ثم فُرضت عليها هى من حيث ضرورة ارتداء الحجاب الكامل، ولما رفضت دُفعت إلى الاستقالة واكتفت باختيار 7 تلميذات«فتيات متفردات ذوات طبيعة خاصة يجمعن بين الرهافة والشجاعة»كانت تجتمع بهن كل خميس فى بيتها ليدرسن منهجاً فى الأدب الإنجليزى وضعته هى يشمل:
نابكوف الأديب الروسى الأمريكى «صاحب تجارب مهمة وأساسية فى الرواية الحديثة.

 اشتهرت له روايته ذائعة الصيت لوليتا، وكذلك فيتز جرالد «صاحب جاتسبى العظيم»، وكذلك «جيمس وأوستن» لقد وضعت هى هذا المنهج فى اختيار وتحايل فنى لكى تتمكن مع الطالبات من مناقشة الموقف الملتبس والمرتبك من:
 الفن والأدب أولاً، ثم ثانياً من الحضارة الغربية ككل، وثالثاً ترتيب منظومات القيم المختلفة بين الشرق الإسلامى المتشدد والحضارة الغربية فى أطوارها الراهنة.

استطاعت «أذر نفيسى» (مواليد 1955 ابنة آخر محافظ لطهران فى ظل الشاه قبل الثورة، سليلة عائلة مثقفة لها مكانتها المادية والمعنوية فى الحضارة الفارسية القديمة) استطاعت فى هذا الكتاب المشكل النادر أن تقدم عملاً فنياً وفكرياً.

 فقد حافظت على شكل الرواية، وأكملت سيرة حياتها هى فى فترة صعبة مختلطة مرتبكة، كما قدمت صورة لطهران فى ظل سنوات الثورة الأولى حتى غادرت إيران إلى الولايات المتحدة 1997 وكتبت كتابها هذا 2003 ثم أعقبته بكتاب آخر بعنوان «أشياء مسكوت عنها» 2007.

 وقد أثارت كتبها كثيراً من النقد والاحتجاج، لكنها تميزت بالصدق والحرارة والفنية العالية.
 تقول أذر نفيسى:الأدب هو احتفال بالحياة.
 والكتب لها بعض القدرة على إنقاذ الكرامة المهدرة.
 أنا لا أكتب للإيرانيين أو للأمريكان ولكننى أكتب لرفاق الروح، لقد تركت إيران ولكن إيران لم تتركنى.
عرفت فى هذه البلاد التى كانت بلادى أن هناك دولة للكلمات ودولة للواقع.
 جاء إلينا متشدد، داعية، ملك، فيلسوف جاء ليحكم أرضنا باسم ماض سُرق منه حسبما يدعى.

 هو الآن يعيد صياغتنا على طراز ذلك الماضى المزعوم.
هل من عزاء أن نقول إننا نحن الذين سمحنا له بذلك؟
 لا أريد حتى أن أتذكر هذه الحقيقة!.

أفضل وسيلة لكى أشرح حجم التناقضات التى عشناها أن أحكى بعض النوادر:
 رقيب الأفلام حتى 1994 كان كفيفاً، وبعد ذلك عُين رئيساً للقناة التليفزيونية الجديدة، كان يمارس عمله عن طريق شرائط صوت ومرافق يشرح.
كان رئيس القسم يحاول أن يجعلنى أفهم ما الذى يعنيه الإسلام السياسى.

 وكان هذا تحديداً هو ما أرفضه.
 وحدثته عن جدتى التى لم أعرف فى حياتى مسلمة فى مثل ورعها وتقواها.
 كانت مستاءة جداً من فكرة أن حجابها الذى هو بمثابة رمز للعلاقة المقدسة بينها وبين الله قد أصبح فى ذلك الوقت أداة بيد السلطة، جاعلين من النسوة اللاتى ارتدينه رموزاً وشعارات سياسية.
 إلى أين يتجه ولاؤك يا سيدى:
 إلى الإسلام.. أم إلى الدولة؟
عاشت أذر نفيسى، ووصفت فى كتابها هذا حرب السنوات الثمانى بين إيران والعراق.
 وكان النظام يرفع شعار:
 هذه الحرب خير وبركة لهذا الشعب، وفى النهاية قرر النظام زحف الشهداء.

 آلاف الشيوخ والأطفال يقطعون بلا أى غطاء حقول الألغام تحت قصف الصواريخ وتقول الكاتبة فى تفجع لا حل له:
- أخبرنى يا رفيقى القديم ما الذى نفعله بكل تلك الجثث التى بين أيدينا؟
كانت تعليمات الحرس الثورى للنساء أن يرتدين ملابس محتشمة لكى يكون حال الجثة لائقاً.

لم أكن أخاف من الرصاص، ولكننى صرت أخاف من غياب صورة المستقبل من أمامى.
قرب نهاية كتابها الكبير «580 صفحة» تروى أذر نفيسى قصة واحد من طلبتها، كان من المحاربين القدماء الذين عاشوا كل أهوال الحرب.

 وظل بعد الحرب من أفراد الحرس الثورى فى الجامعة:
 جاء مبكراً إلى الجامعة.
 دخل إلى قاعة خالية معه عبوتان من الكازولين.
 صب الكازولين على رأسه، وأشعل الكبريت..
وكانت آخر خطبه الحماسية:
- لقد خاننا الخونة.. لقد كذبوا علينا.. انظروا إلى ما فعلوه بنا.
من فارس.. من أرض.. حافظ، وسعدى، والرومى، والخيام، والنظامى، والعطار والبيهقى.

 جاء هذا الكتاب الذى يثير كثيراً من النقاش الفكرى والفنى. قامت بالترجمة عن الإنجليزية شاعرة عراقية مقيمة فى القاهرة هى: الأستاذة ريم قيس كبه لكى يجمع الكتاب مزيداً من الشجون والأحزان.

رغم كل شىء فإن الأدب قادر على أن يحول حتى المآسى إلى جواهر ساطعة.
«أن تقرأ لوليتا فى طهران». أذر نفيسى .
 منشورات الجمل 2011

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري  بتاريخ 3 أغسطس 2013