الأحد، 27 مارس، 2016

40 يومًا على صمت علاء الديب


   








أحمد صوان

40 يومًا مرت على رحيل الكاتب الكبير علاء الديب، الرجل الذي عاش صامتًا، بينما يتحدث قلمه. حكى لنا طيلة عقود عن الفن وهو منخرط حتى النخاع بين الأوراق والحكايات، ينتقي منها ما يقوم بعصره وتقديمه للقارئ. هكذا كانت حياة الديب، صانع الضوء لا الواقف أمامه، كان يكتب ليصنع حالة تجمع بين الكتاب والقارئ، فيُغرق قارئه معه في بحر التأملات.


استهل الديب حياته المهنية مع بداية الستينيات، عندما التحق بالعمل في مجلة "صباح الخير"، لم يبدِ حينها صحفياً تقليدياً يلهث وراء الخبر، بل خرجت منه على الفور روح الأديب ليُمارس بها صحافة التحقيقات، وكانت مقدمة أولى أعماله "مخدرات الطلبة"، دليلاً على أن من سطر هذا التحقيق أديب يرسم الحالة قبل أن يخوض حكايته، فبدأ موضوعه بـ"كثير من النوافذ هذه الأيام تظل مضاءة حتى الفجر وكثير من الوجوه الشابة المرهقة، يبدو عليها الإجهاد والإعياء، ذقونهم نابتة وعيونهم حمراء وأعصابهم متوترة، إنهم الطلبة الذين تعصرهم الامتحانات هذه الأيام، الشوارع في الليل فارغة، والكورنيش يمشي عليه السجائر والسواح، والطلبة في البيوت يحاولون تعويض الوقت الذي راح".


كانت "صباح الخير" منبراً انطلق منه الديب ليطل على قُرائه، فبدأ مقالاته التي كانت تُنشر أسبوعيًا لعقود بعنوان "عصير الكتب" -والتي جمعها فيما بعد في كتاب يحمل الاسم ذاته- وجاء تقديم الكتاب من اثنين، أحدهما صديق عمره الأديب الراحل إبراهيم أصلان، والثاني تلميذه الكاتب بلال فضل، فكتب أصلان "هذه كلمات لا تنفع، طبعًا، إلا أن تكون في محبة علاء الديب، الصديق والأستاذ، وأحد الأخيار القدامى في هذا الواقع الثقافي الذي صار مسخرة، ومفخرة، أو أي شيء من هذا القبيل"، بينما كتب فضل "مع سبق الإصرار والترصد أضعت كل فرصة سنحت لي لكي أتعلم من علاء الديب أشياء مثل الحكمة أو الهدوء أو التأمل أو معرفة الأشجار، فالنباتات عندي كلها تحمل اسمًا واحدًا هو شجر، ولذلك اكتفيت بأن أغبط على الدوام صحوبية عم علاء الحميمة لجميع أنواع الأشجار والثمار والزهور"، بينما كتب هو "ماذا قدمت لي الكتب سوى الحيرة وتلك الحزمة من الأشجان الرومانتيكية اليابسة؟ هل تقف الكتب ضد الحياة أو بديلًا عنها؟ كلا، هم أصدقاء، من حسن الحظ أن مهنتي هي هوايتي، هي حياتي تلك الخطوط السحرية التي تنقل معاني وتهز النفوس والجبال وتغير العالم".

على مدى أربع عقود كتب الديب الكثير، وأطل برؤيته عن الجميع وعليهم، تنوعت اختياراته فقدّم عصيرًا استمتعت به عقول مُتابعيه، ورغم أن الكتابة عن كاتب كبير ومتحقق بالفعل أشبه بالمأزق، فإن الديب قد نجا من هذا عندما كتب عن الأديب الراحل نجيب محفوظ، فاستعاض عن القوالب بإحساسه وانطباعه الشخصي، وفي الوقت نفسه لم يخش مكانة أديب فتدفقت كلماته في لغة مبهرة "فُتحت النوافذ لنسمات الحكمة، وخرج علينا الكاتب بأصداء السيرة الذاتية، أصداء، لأنها أوسع وأرحب من سيرة ذاتية، لأنها ترن في الماضي القديم، وفى الأفق المأمول البعيد، لم يشهد الأدب الحديث مثل هذه البلاغة، ولا القدرة على الإفصاح والوصول".


تنبأ الديب بصعود العديد ممن كان يصفهم فيها بـ"الكاتب الشاب"، وصاروا فيما بعد نجومًا، منهم كتاب بعنوان "الذي اقترب ورأى"، ألفه طبيب شاب -آنذاك- يُدعى علاء الأسواني، وصفه الديب قائلًا "علاء طبيب جديد يقتحم بجرأة ميدان الأدب، يدفعه غضب جامح، وتراث من الفن والبلاغة، والقدرة على الإفصاح"، فيما بعد صار الشاب صاحب سُمعة عالمية كبيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من لغة، ونشر مقالاته في الصحف الفرنسية، وتحول أشهر أعماله، "عمارة يعقوبيان"، إلى فيلم سينمائي.



كان علاء الديب موسوعيًا، جمع الكثير من مجالات الثقافة المختلفة مع الأدب، منها الموسيقى، الفن التشكيلي، والسينما، وهذا ما استخدمه عندما كتب عن رواية "بحيرة المساء" لصديقه الراحل إبراهيم أصلان، عندما كتب يقول إنها ذكرته بأعمال الموسيقار العظيم "يوهان باخ"، وأسهب في الربيط بقوله "تعلمت من الموسيقى الكلاسيك وخاصة من باخ.. إن أروع ما في العمل الموسيقى هي الثواني التي تنتهي فيها الجملة الموسيقية أو اللحن، وتبدأ فيها جملة جديدة، أو لحن جديد، في هذه الثواني يتركز كل تركيب العمل، يضع فيها المؤلف أسرار الكمال الفني القائم في ذهنه دون إفصاح أو مباشرة"، رابطًا هذه النظرية بتجربة جيل الستينيات كله، موضحًا بهذه الرؤية أنه جيل استطاع صياغة هذه الحالة في كلمات، عبر تمكُنهم من مقاليد الجملة القصيرة التي تخرج وكأنها طلقة صائبة، وتساءل عن انبهار أصلان بهذه اللعبة، وعن حبه للبريق الذي يصدر من تلميع الجملة وصياغتها بدقة، كذلك وصف يحيى الطاهر عبدالله بأنه "واحد من الذين رافقوا حركة القصة الجديدة، بل وصاغوا كثيرا من معالمها"، وعاد حول أعماله وطبيعتها ليقول "من الذين يتردد البعض في تقويم أعمالهم، ويقفون من كتابته الدقيقة الصعبة موقفًا متحفظًا، ويرون في رؤيته الخاصة وتناوله المميز للأحداث والشخصيات استمرارًا لموجة الغموض والعبث".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في البوابة نيوز بتاريخ 27 مارس 2016

الجمعة، 25 مارس، 2016

"حوار خاص" مع علاء الديب













محمد رياض

لن أتعاملَ مع موتك، فأنا، بوضوحٍ وارتياحٍ وبساطة، لا أعرفه.

أعرف "علاء" الحيّ.

ينتظرني في نفس المكان، على نفس الطاولة، هناك أفرغ هواجسي كاملةً، بابتسامةٍ يربّت على روحي، فأودّعه بقبلةٍ على الجبين.

انفضّ السامر يا أبي، واحتفلوا بموتك أكثرَ من حياتك، فهل كان نهر الكتابات التي ترثيك، قادرًا على استبقائك في يوم من الأيام؟ لا أعتقد، أنت الذي قررتَ المغادرة بإرادتك.

وتركتني.

تحدثوا عن منحة رئاسية لإنقاذك، وكنتَ وقتها تتأرجح بين ساعات انعدام الوعي ولحظات الإفاقة، لكنك رفضتَ المنحة بموتك، وكنتَ قادرًا على الحياةِ من دونها، لستُ أشك في ذلك.

تركتني.

وأهملتَ روايتين ناقصتين لتكتبَ عني، تكتبَ من أجل ثورتي وكرامتي ودمي، من أجل الحياة التي أعيشها الآن، بينما أدرتَ ظهركَ لي لأكملَ الطريقَ وحدي، ولم تترك لي وقتًا لألتقطَ الأنفاس، أو أبكي مع الآخرين عند شاهدك.

فاجأني موتك.. أعترف. لكنني لم أعترف بانهزامك. كنتُ هناك بينما يلقنونكَ وصيةَ الانتقال: "إذا سألك المَلَكان من ربك، وما دينك، ومن نبيك..."، أنتَ الذي اعتدتَ أن تشيرَ على الجميع، وتأمر، وتقولَ الكلمةَ الأخيرة، بهدوءٍ وكبرياءٍ واكتفاء.

إذا كان غيابُك مؤكدًا كما يقولون، فدعني أصفُ لك المشهد:

في يومِك، شيّعوا شهيدًا آخر، قتيل الدرب الأحمر، مات بطلقةٍ واحدةٍ من سلاح ميري، ربما في الوقت الذي قررت المغادرة أنتَ أيضًا، طلقة واحدة في الرأس، لأنه رفض المساومة على عرقه، هؤلاء من اخترتَ أن تدافعَ عنهم وتحمّلتَ المرارةَ والعارَ والانكسار.. وقتًا هادئًا يا سيدي مع رفقائك الدائمين.

- "يحصل الواحد منا، نحن أبناء الطبقة المتوسطة، على أكثر من حقه، انظر إلى العارقين الكادحين حولك، هل تعرف كم يقبضون في آخر النهار؟ كيف ينامون؟ وكيف تنام أنت؟ فكّر في المزايا المجانية الكثيرة التي تحصل عليها بجهد قليل أو بلا جهد على الإطلاق".

مهلاً، إليكَ بقية المشهد: في جنازتك، رأيتُ القتلة يقفون وسط المصلين، ويتلقون التعازيَ والتصاوير، ورأيتني مقتولاً للمرةِ الألف، وكنتَ تقرأ أفكاري وتحاصرني، لكنكَ لم تمدد لي يدك، كنتُ أشك بكل شيءٍ حتى بجثمانك: من الذي يحملونه الآن فوق أكتافهم؟ وما الذي أتى بي إلى هنا؟ ومن أين يخرج كل هذا الحزن، وهذه الدموع؟ لو كنت واعيًا بموتك، لرفعتُ عقيرتي بالقصائد، وأطلعتُ الباكين على وصيتك الأخيرة، قلت لي وأنت على سرير البداية:

- احترس.

- من أي شيء؟.

- من كل شيء.

كنتَ تخافُ من غروري وكبريائي ورعونتي، من فرحي، ومن يأس البلاد من الفرح.

كنتَ تقاومني وتأسى لأجلي، تدفعني وتشدني للوراء، وتشفق علىّ من سجني وحريتي، كنت ندّي، وما زلتَ حتى الآن قادرًا على إدهاشي وتعنيفي وتحذيري ومؤازرتي.

ساعدني لأعثر على وجهي، مثلما عثرتَ عليّ وأنتَ في مكانك، قل لي كيف أثق في مبادئ لم تعد تعني أحدًا، ولا تدل عليها لافتةٌ أو أثر، كيف أعيش مؤمنًا بالحياة فوق بركان، وكيف أموتُ بنفس اليقين الذي تطلق به دخانك؟.

- "كل ما أريده في النهاية أن أكون رجلاً صالحًا بجد، وأن أشن حربيَ الخاصة التي لا هوادة فيها ضد:

الكذب والنفاق.. أبشع خصائص الطبقة المتوسطة".

لقد خضتَ حربَك الخاصة، وظللت شهرين أسير "العناية المركزة"، لكنني لستُ أنتَ في نهاية المطاف، فلديّ أيضًا حربيَ التي لا هوادة فيها، ولديّ ثأريَ المؤكد، بالدمِ والشواهدِ والعاهات المستديمة، ولديّ مأساةٌ لا أرى حدودها من مكاني، ولن أدعهم يضحكون مجددًا من براءتي وضياعي ومراهقتي، لن أتركهم يقيمون المآتم للمجرمين، أو يقبلون التعازي فيمن سآكلهم يومًا بأسناني.

في المرة القادمة، سأحضر معي حبًا جديدًا، وورودًا كثيرة، ونهرًا من قصائدَ ورسومٍ ومدوّنات، عائلة من الشهداء سوف تأتي برفقتي، وسنقرأ حدَّ الانهيار، سأغني أنا وأنتَ وكلُّ الفقراء الذين أصادفهم في الطريق، سنقفُ جميعًا مع الأشجار والبيوت والشواهد، الحجر والتماثيل والأطفال والأمهات، من سيبقون في النهاية وإلى الأبد، معهم لن نتعذبَ من جديد، لن نشعرَ بالنصر أو الهزيمة، ولن نرى الأمسَ والحاضرَ والمآل.


إلى أن نلتقي يا أعز الرفاق.. طابت أيامك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة الوطن بتاريخ 25 مارس 2016

الاثنين، 21 مارس، 2016

سريعًا مر شهر على رحيله فمتى يكف القلب عن الحنين ؟.


 مقتطف من سيرة علاء الديب
سريعًا مر شهر على رحيله فمتى يكف القلب عن الحنين ؟.




 حمدي عبدالرحيم

ليل السبت على الأحد ( عشرون فبراير 2016) أجلس في مسجد الثائر القديم عمر مكرم لتلقي العزاء في شيخي علاء الديب ، يقع المسجد على الشاطئ الشرقي لنيل القاهرة ، يحده شمالًا مبني جامعة الدول العربية ، ومن الجنوب ذلك الكيان الخرافي المسمى بمجمع التحرير ، ومن الشرق ميدان التحرير حيث بائعة الجرائد وهتافات ما تزال مقيمة في القلب تنادي بأن الشعب يريد إسقاط النظام .

لن أعلو فوق المشهد وأخاطب روح شيخي :" الساعة الآن العاشرة ، الجرائد في السوق الآن يا شيخي هل أتيك بالمصري اليوم لنقرأ مقالك الجديد ؟ ".
سأترك نفسي لصوت المقرئ وهو يرتل :" ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة ".
إنه القرآن يا شيخي وقد سألتني مرة :" كيف هو الكلام عندك ؟ ".

أجبتك متسرعًا :" هو عندي كما عند الناس ، نثر وشعر ".
يومها رميتني بنظرة إشفاق وقلت :" لو كنتَ تريثتَ  لكنت قلت إن الكلام هو نثر وشعر وقرآن ، القرآن ليس نوعًا من أنواع الكلام ، إنه جنس قائم بذاته ، هو ليس شعرًا وليس نثرًا هو القرآن وحسب ، وإن لم تدرك هذا بقلبك عشتَ كالببغاء " .

ثم ستمر السنون ويقول لي :" صحح ما قلته لك في زمن مضى ، الكلام نثر وشعر وقرآن وأصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ ".

هذان التصريحان سيكشفان لي ما أظنه كان خافيًا من شخصية وعالم علاء الديب .
الرجل تعليمه كان مدنيًا ولم يلتحق يومًا بمعهد ديني أو مدرسة شرعية ، فمن مدارس الحكومة المدنية إلى جامعة القاهرة التي غادرها حاصلًا على ليسانس الحقوق إلى مجلة صباح الخير وشعارها " للقلوب الشابة والعقول المتحررة ".

فمن أين جاءه الشغف بالقرآن وبعالم المشايخ ؟
ثم أن الرجل على صعيد الانتماء السياسي كان يقف راسخًا غير متحسر ولا مهزوم على أرضية اليسار الرحبة ، يجمعه بكل فصيل يساري جامع ، ثم هو علاء الديب المتفرد الذي لا هو قطيع ، كما هو ليس من محترفي دسائس القيادة والزعامة .
 وعلى ما سبق فلا يجمع الرجل جامع بالذائقة " الدينية " الصاخبة والعنيفة.

أدخل عليه غرفة مكتبه فأجده دائمًا يقرأ منكبًا على الكتاب الذي بين يديه كأنه كنز الكنوز ، ولا أجده يسمع سوى لنشرات أخبار البي بي سي ، وقرآن يرتله الشيخ مصطفي إسماعيل ، ومقطوعات لكمان عبده داغر .
متى يكتب هذا الرجل ؟.

ثم عندما يكتب أو يتحدث لماذا يبدو لي كأنه عالم الفقه وقد حيرته مسألة فراح يفحصها ويمحصها من كل وجه وجانب .
 أسأله عن هذه الرواية أو تلك فيقول بصوت خافت واثق :" لم تقع في يدي بعد ".
ثم لا يضيف حرفًا .
أعود وأسأله عن هذا الكتاب أو ذاك فيقول :" قرأته وهو عندي كذا وكذا ".
ثم يضيف :" أنا أرى أنه كذا ".
ثم يواصل :" هناك جمهرة تقول إنه كذا ، أما أنا فأقول إنه كذا ".
مفرداته السابقة قد تبدو هينة بسيطة ، ولكنها عندي ثمينة للغاية ، لماذا ؟.


في الزمان البعيد كان الأزهر كيانًا محترمًا وكان رجاله هم بحق حاملو رايات التنوير ، راجع قائمة تبدأ في العصر الحديث بسعد زغلول وتصل إلى الشيخ زكريا أحمد بل والشيخ مدحت صالح ، في كل فن كان رجال الأزهر يضربون بسهم من تفسير الآيات الكريمة إلى السياسية إلى الموسيقي ومن العروض إلى الرياضيات ومن علم الجرح والتعديل إلى الجغرافيا ، كانوا كما وصفهم أمير الشعراء أحمد بك شوقي :" كانوا أجلّ من الملوك جلالة / وأعز سلطانًا وأفخم  مظهرًا ".
تلك الجلالة كان التواضع  شعارها وكان الإتقان سداها ولحمتها .

كان الواحد منهم إذا جلس مجلس العلم يقول :" الرأي عندي ، أنا أرى ، أنا أقول ".
تلك الأنا لم تكن أنا الأنانية أو أنا التفاخر والتباهي والتبجح ، بل كانت " أنا " التواضع ، والمسئولية وفتح الباب أمام أراء أخري واجتهاد آخر وكلام جديد .

من النظر في سير الرجال الذين كانوا رجالًا  بحق ، ومن التلمذة على أيدي " أمين الخولي " و" محمد أبو زهرة " جاءت المسئولية التي حمل علاء الديب عبئها وأدى حقها ، لم يكن مشايخه القدامى يتبجحون ويقولون  :" أنت تسأل والإسلام يجيب !!!" بل كان الواحد منهم يعرف قدر نفسه ويتحمّل مسئولية كلامه فيجيب بلسانه عن المسألة المعروضة عليه ولا يسد باب الاجتهاد ولا ينفي رأي الآخر أيًا كان الآخر ورأيه .

كذلك كان شيخي علاء الديب ، يقرأ الكتاب ويقرأ حوله ثم يتركه فترة يعيد فيها تأمله ، ثم يشتبك معه في حوار ، وذلكم الحوار كان هو المنهج النقدي لعلاء الديب ، إنه يحاور الكتاب وكاتبه وقارئه ويقول رأيه المتضمن للمحاسن والعيوب والمصحح لما يراه هو خطًأ ، والكاشف عن الذي بين السطور والمظهر لما أراد الكاتب أن يجعله رسالة سرية مشفرة .

كان هذا منهجه وشريعته في الكتابة النقدية ، أما في الكتابة الإبداعية فكان هو الكاتب والمكتوب ، علاء الديب يكتب علاء الديب ، والأمر هنا أبعد وأعمق وأعقد من تسميته بالسيرة الذاتية الروائية ، إنه على صعيد من الأصعدة علمية تشريح قاسية جدًا ومؤلمة للغاية لخفايا النفس ومكنونات القلب .

في إبداعه ( كان لا يستخدم  مصطلح إبداع  ويفضل عليه مصطلح كتابة ) يعلن كلمته التي هي ضد التزوير والكذب ، وهذان هما المرضان اللذان كان يري أنهما مقتل أمة العرب ، بل مقتل الإنسانية ، كان يتقصى عروق المواجع الحقيقية كأنه جيولوجي يبحث عن عروق المعادن في قلب الجبال الصماء والصحراء المجهولة ، كان يصبر على مشهده ولا يتركه لآخر إلا إذا رضى عنه وسلّط عليه شمس الحقيقة الكاشفة .

أشهد وقد تكرّم عليّ وأهدىني مسودة روايته الأخيرة " أيام وردية " أنه أعاد كتابة مشهد بين البطل وشجرة طريق عشر مرات ، كان يريد لقارئه أن يشعر بمشاعر البطل تجاه شجرة الطريق .

وأشهد أنني قد قرأت له قصة قصيرة عن حب جارف عميق يجمع بين شاب له قلب حكيم وشابة لها جمال الكون كله ، ولكن قلقًا ما كان ينغص على الشاب حلاوة الحب ، ثم في لقاء له مع حبيبته شاهدها وهي تسارع ملتاعة لالتقاط وردة ندية داستها الأقدام ، ورآها وهي تنفض عن الوردة برقة ما نالها من أذى ، ثم رآها وهي تضم الوردة وتقبلّها كأنها طفلها الرضيع .
تأتي كلمة النهاية في القصة بانصراف الحبيب عن الحبيبة .
قلت له  في تبرير قلق الحبيب وفي شرح انصرافه :" الحبيبة كانت مزورة مفتعلة ".
قال :" نعم " .
قلت :" وأنت الشاب ذو القلب الحكيم ".
قال :" بل أنا العجوز الذي يبحث عن لحظة صدق ".
أما وقد أتاك اليقين يا شيخي قبل شهر من الآن  فلتطب ميتًا كما طبت حيًا  وليبارك الخالق بحثك عن صدقك وخلاصك من دنيا الافتعال والتزوير والكذب .

هامش
في السنوات الأخيرة من حياة علاء الديب كتب مئات المقالات عن مئات الكتب في جريدتي الأهرام والمصري اليوم ، خصص مقالات الأهرام لتناول الكتابات الجديدة لشباب الكُتَاب  ، وجعل مقالات المصري اليوم لأصحاب التجارب ، هل تسارع دار نشر وتجمع المقالات بين دفتي كتاب قبل أن يطمسها تعاقب الأيام ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة المقال بتاريخ 21 مارس 2016

الأربعاء، 16 مارس، 2016

Alaa Al-Dib : C’est Albert Camus qui m’a donné l’envie d’écrire


  Suite à la disparition de Alaa Al-Dib le 18 février dernier, Al-Ahram Hebdo publie un entretien recueilli par l’écrivain Alaa Khaled il y a quelques années. Chroniqueur de la classe moyenne, il évoque les mutations politiques et sociales à l’époque de Nasser, à travers ses années passées à l’université.
Alaa Al-Dib








 Alaa Khaled

Quelles sont les mutations dont vous avez été témoin pendant vos années passées à l’université ?
Alaa Al-Dib : Le changement le plus frappant concernait les professeurs. A mon époque, il y avait une génération très respecte et très reconnue de professeurs de droit. De grands noms comme Mohsen Chafiq, Abdel-Moneim Badr et Al-Cheikh Abou-Zahra. Ils avaient à la fois le charisme, le prestige, le sens de l’humour, le respect et les relations conviviales avec les étudiants. Mohsen Chafiq, qui enseignait le droit commercial, transformait le droit en comédie de théâtre.


Pourquoi cette génération de professeurs a-t-elle disparu ?
Le régime de Nasser offrait des bourses et donc des figures telles que Rifaat Al-Mahgoub sont apparues. Ils étaient bien différents des anciens professeurs. C’était le phénomène de « nouveaux professeurs ». Ces derniers cherchaient à tirer profit de la révolution et du pouvoir. Ils ont contribué à la destruction de l’université en la transformant en une institution commerciale, sécuritaire et policière. A partir de là, les courants islamistes ont commencé à apparaître. C’était aussi l’époque de la construction du Haut-Barrage, de la réforme agraire. Il était évident que les militaires, et ce, malgré leur soutien populaire, nuisaient à la vie sociale égyptienne, supprimaient le rôle des intellectuels et de la classe moyenne.


Avez-vous adhéré à une organisation politique à l’époque ?
A cette époque, j’étais communiste. Je militais en dehors du cadre universitaire mais étant présent à l’université j’avais aussi des missions à effectuer sur place comme la distribution de tracts politiques. J’ai adhéré au Parti communiste à l’âge de 16 ans grâce à Ibrahim Mansour, le grand frère de l’un de mes camarades de classe. Chaque semaine je lisais un livre pour le présenter aux ouvriers de la zone de Hélouan. Après 1956, les problèmes des partis communistes ont surgi, et l’idée d’unifier les différents partis est apparue.


Etait-il habituel de retrouver des organisations politiques à l’université ?
C’était très normal. On discutait très ouvertement de tous les sujets. Il y avait alors des Baassistes et une timide présence des Frères musulmans. A cette époque, je sentais déjà que j’étais écrivain et c’était ce qui m’importait le plus. L’idéologie était juste pour moi un moyen d’organiser mes idées. La bibliothèque représentait pour moi un moyen d’échapper à l’ambiance stricte qui régnait à l’université. Je rencontrais chaque semaine trois à quatre autres militants communistes. Et c’était une jeune femme Soad Al-Tawil qui s’occupait du groupe. Chacun d’entre nous payait 25 piastres à l’organisation.


La vie universitaire peut-elle, à elle seule, former l’individu ?
L’université et la maison sont suffisantes pour le développement de l’individu. J’ai passé 5 ans à l’université au lieu de quatre. Car au cours de la troisième année, que j’ai eu une histoire d’amour sans grand intérêt, mais qui a fait que, pendant une année entière, j’ ai pu découvrir l’amour, l’errance et un nouveau monde. Je rêvais de changer de vie. J’ai quitté la maison à l’âge de 20 ans et j’ai commencé la traduction littéraire. Grâce à la lecture, j’ai perfectionné la langue anglaise. Puis j’ai dû reprendre les études pour obtenir mon diplôme de droit. J’ai également eu l’occasion de travailler à la revue Rose Al-Youssef grâce à mon frère aîné Badr. Avec ce dernier, nous avions des amis en commun. Il a eu une grande influence sur moi. Mon père était très compréhensif et on a donc eu une éducation moderne.


D’où provenait le rêve de changer le monde ? Est-ce de la maison de votre frère Badr, ou bien de votre adhésion à l’organisation politique ?
Probablement de la famille et surtout mon frère aîné Badr, qui était à la fois une sorte de père et de professeur. Il m’a donné tout ce dont j’avais besoin. Il s’est marié juste après la fac et avait alors déménagé dans une maison à Guiza. J’avais donc une seconde maison où je pouvais rencontrer mes amis. C’était à ce moment-là que j’ai compris qu’il fallait quitter le foyer familial. Mon père a très mal vécu la séparation avec Badr qui quittait la maison pour se marier. Il en avait pleuré. Nous étions cinq enfants en tout, et mon père était un grand fonctionnaire mais avec un petit salaire.


Décrivez-nous la vie sociale à l’université à cette époque...
Il y avait des écrivains comme Ragaa Al-Naqqache et Ibrahim Mansour. Ce dernier restait toujours à la cafétéria de la faculté des lettres. Ensuite, on a commencé à fréquenter les cafés du quartier Doqqi. On se retrouvait souvent chez l’écrivain Ghaleb Halsa. Son appartement à Doqqi était ouvert 24 heures sur 24 aux étudiants et aux écrivains. Il accueillait des critiques et des écrivains, comme Abdel-Mohsen Badr, Farouq Choucha, Soliman Fayyad, Aboul-Maati Aboul-Naga et Ibrahim Aslan. Je connaissais également Mohiéddine Mohamad, qui était le correspondant de la revue Al-Adab (les lettres) avant Ragaa Al-Naqqache. C’était un grand intellectuel. C’est lui qui nous a fait connaître L’Etranger d’Albert Camus. On se rencontrait aussi tous les lundis chez Ghaleb Halsa, alors que les jeudis, on prenait un verre le soir au pied de la pyramide.


Qu’est-ce qui vous a poussé à écrire ?
Dès lors que j’ai appris à apprécier l’art, beaucoup de choses ont changé au fond de moi. Je pense que c’est L’Etranger de Camus qui m’a donné envie d’écrire. J’ai ressenti alors l’urgence d’écrire. Je pense que la porte royale qui donne accès au monde de l’écriture est de pouvoir mettre sur papier ce qu’on ressent au fond de nous, et les émotions qu’on a du mal à exprimer.


L’université à l’image de la société
En 2010, le poète et écrivain Alaa Khaled a consacré le thème principal de sa revue Amkéna (les lieux) au thème de « l’université ». Il a choisi son ami et célèbre écrivain Alaa Al-Dib pour évoquer la période de sa vie passée à l’université à l’époque de la Révolution de 1952.


Comme de nombreux écrivains de sa génération, Al-Dib ne s’était jamais remis de la défaite de 1967, préférant se replier sur son oeuvre et sur la présentation des jeunes talents dans sa fameuse rubrique Assir Al-Kotob (le jus des livres). Mais il ne peut s’empêcher de regretter les bouleversements qui ont eu lieu dans la société. L’université, qui était pour lui le chantier de l’engagement politique, de la connaissance, de l’ouverture sur la pensée libre, et le lieu de l’épanouissement de la classe moyenne des années 1950, a dramatiquement changé au cours des années. « Réduire la patrie à la taille d’un nain, et transformer l’université en une usine délabrée où circulent les idées usées », écrit-il dans l’une de ses oeuvres. Car si Al-Dib est l’érudit qu’il est devenu, celui qui a traduit Samuel Beckett et Henry Miller écrit le scénario de l’incontestable Momie de Chadi Abdel-Salam, il le doit au temps passé dans la bibliothèque de l’université. « Elle ouvrait de 8h à 17h. Tout ce que j’ai lu dans ma vie, je l’ai lu dans cette période. C’est la vraie période de lecture ». Il lit, dévore les classiques russes. Gogol, Tolstoï, Dostoïevski. La classe moyenne à laquelle il appartient, c’est aussi celle qu’il a retrouvée plus tard lors de ses engagements militants, et qu’il reflétera dans son oeuvre Zahr Al-Leimoune (fleur de citron) où le héros se traîne dans un présent morose et se souvient de son passé de militant communiste au Caire et de son intense histoire d’amour. Waqfa Ala Al-Monhadar (arrêt sur la pente), qui n’est pas un ouvrage de fiction, relate la même histoire. Sa trilogie romanesque, Qamar Ala Al-Moustanqaa (lune au bord du marécage), Atfal Bila Domoue (enfants sans larmes), et Oyoun Al-Banafseg (regards de violettes), s’intéresse au destin d’une famille marquée par l’émigration dans les pays du Golfe.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في الأهرام إبدو بتاريخ 16 مارس 2016


الاثنين، 7 مارس، 2016

علاء الديب سلامًا!






إسحاق يعقوب الشيخ


كنت أتابع  بشغف كتاباته في الصفحة الاخيرة من مجلة صباح الخير في باب (عصير الكتب) وكنت مشدودًا الى ابداعات هذا المبدع المصري المشبوب بفقه جمالية الكلمة وبهجة الحرف وجملة المفردات التي تستهدف أنسنة وعي المتلقي..

علاء الديب هذا الكاتب المبدع بأسلوبه الاخاذ يتألق في عصير افرازات كتب تتنفس رائحة الارض والانسان وتهدي الى الفرح والمعرفة حتى ادمنت كتاباته وتشربت روائح مفرداته المفعمة بزهو الارض ومجد الانسان في مناسم جسمي وخلايا نبضاتي المادية والروحية فرحت ابادر صباح الخير من صفحتها الاخيرة اولا بأول وعندما يغيب (هلال) علاء الذيب في ذلك العدد تغيب البهجة عن نفسي علاء الذيب: زاده ناس الارض ورياح الوطن تعصف في حنايا صدره وهو لا يخلط اوراقه في هذا الخضم الاجتماعي المتلاطم والمتشعب المأهول بالعقد بل يمايز بين ما هو خبيث وبين ما هو طيب وينحاز بلا تردد للمطحونين وانسانية الكادحين «والغلايا» والوفاء للأرض هي النكهة السائدة وعطرها الفاخر الذي يتشذى في كتاباته ويتفشى بين خمائل مفرداته وما عرفته مقلدًا ولا ناقلاً.. بقدر ما هو مبدع ومبتكر! فالنص الادبي الصادق الموصوم بالنزعة الانسانية لا يحمل محليته فقط وإنما عالميته وشموليته فقضايا ومعاناة البشرية واحدة وإن اختلفت في تفاصيلها فهي في خطوطها العامة وفي سببيتها وهي تواجه في طبيعة تقاطبها وتجاذبها وتلامسها وفي لغة عند علاء الذيب متدفقة تتصبب ألمًا وتسيل عرقًا وتنزف دمًا وتدين بشكل قاطع المجتمع.. 

المسؤول الرئيسي عن كل هذه المآسي والاحباطات التي تمتص أجمل شيء في الانسان وتشوه حياته وتفتري على قيمه الاخلاقية وتمسخ روح الخير وحب المعرفة فيه!

وكان الراحل علاء الديب يشق طريقه بصمت وثقة عالم الابداع الادبي والثقافي بتعابير ممتعة وصياغات أدبية مميزة تدلل على ملكته وأصالته وقدرته الخلاقة في ملامسة طيف الروح ووشوشة القلب ورج موجات النفس لدى الانسان. 

كتب لي ذات مرة في احد رسائله يقول: أتمسك طبعا بالحياة في اشيائها البسيطة وأقول لنفسي لا أحد يستطيع ان يأخذ مني هذا، ولكن هل هي حقًا ملكي؟ وقد رددت عليه حينها قائلاً: انك بهذا تكرس شرعية ملكيتك للحياة لكونك انسانًا كائنًا حيا.. وروعتك انك تتمسك بأشيائها البسيطة فكيف هي بقضها وقضيها.. الحياة من حق الاحياء وملك ازلي لهم فأنت يا صديقي علاء من معشر الكتاب والادباء الذين يملكون عن حق ناصية جملة الارادة الطيبة ويعطون مصداقية مدلولها الانساني هكذا انت في عيون الاقربين والابعدين يتلمس هذا عابر السبيل والمتلقي في خضم عطاءات نصوصك الادبية وقطعك الفكري المسكون بالنزعات الانسانية وتفاعلاتها.. 

أجل يا صاحبي الحياة بمرها وحلوها بانتصاراتها وانتكاساتها.. هي ملكك وأنت منوط بالدفاع عنها وحمايتها من اللصوص والمتطاولين الذين سطوا على جمالها والذين يحولونها الى مناحات ومآتم واحداث الحياة هي ملكي وملكك وملك كل انسان على هذه الارض في سكونها وفي مساراتها وتناقضاتها وانعطافات تعقيداتها المدموغة بخدر غيب الماورائية وتطواف شياطين النهار ولصوص الليل على السواء وعلى كل من اعطاه الله بصيرة سواء السبيل ان يعمل فيها من اجل مجد الانسان وأمله وحلمه ورخائه في الحاضر والمستقبل الى ان ينضب زيت سراجه ويرحل.

هنا يفقد الانسان ملكيته للحياة ماديًا.. أما روحيًا وأخلاقيًا فتبقى متألقة تحاكي مجد الانسان وانتصاراته على مدى الدهر!

هذا ما كان بيني وبين هذا الصديق الجميل (علاء الديب) في التسعينيات وهو مدرج في مؤلفي (مطارحات فكرية) ولقد نضب زيت السراج وغادرنا علاء الديب الحياة الا ان مشاعله الفكرية والادبية ستبقى حارسًا أمينًا على ضمير الثقافة التنويرية في مصر والخليج وكل دول العرب!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الأيام البحرينية بتاريخ 7 مارس 2016

الجمعة، 4 مارس، 2016

علاء الديب... المسافر الأبدي في دنيا الإبداع




 إسلام أنور 
رغم مرضه الشديد الذي لازمه منذ أكثر من عشر سنوات... لم يتوقف عن العمل الدؤوب في ظل واقع متغير ومضطرب، يحكمه منطق المصلحة لا فلسفة الأخلاق، من النادر أن تجد شخصا صادقا وزاهدا ينتصر للقيمة والأخلاق ويرفض أن يقايضهم بمال أو نفوذ.

هكذا عاش الأديب المصري الكبير علاء الديب، متسلحا بالصدق وراضيا بمحبة الناس، وهكذا رحل عن دنيانا، قبل أيام قليلة، ولكنه يبقى مع أعماله. على مدار سنوات طويلة ظل منزله فيللا «حب الله» في حي المعادي، «جنوب القاهرة»، مفتوحا لمريديه وأصدقائه وللغرباء أيضا من الذين اطلعوا على أعماله وفُتنوا بها، ورغم مرضه الشديد الذي لازمه منذ أكثر من عشر سنوات، فإنه لم يتوقف عن العمل الدؤوب رغم ما يسببه له من إرهاق، وكان حريصا على متابعة أعمال الكُتّاب الشباب والكتابة عنها في نافذته الشهيرة «عصير الكتب». لم يكتف صاحب «وقفة قبل المنحدر» بدعم المبدعين الشباب بالكتابة عن أعمالهم فقط، بل كان حريصا على التواصل معهم ودعوتهم لزيارته في منزله.

ورغم ما يحمله من هموم وأوجاع وأحلام مجهضة عاشها جيله، فإنه لم يفقد الأمل ولم تكسره الهزائم.

وظل مُحرّضا على الحياة عبر كتابته: «تعلمت أن أحب الكلمات. تعلمت ألا أرددها من دون فهم أو إدراك. فهم الكلمات ومحبتها كان هو المفتاح السحري الذي يقودني إلى بهجة العقل ونعيم الفهم والتفكير». لم يترك علاء الديب، عددا كبيرا من الأعمال، فلم يكتب سوى ثلاث مجموعات قصصية: «صباح الجمعة، المسافر الأبدي، والشيخة والحصان الأجوف»، و6 روايات قصيرة: «القاهرة، وزهر الليمون، وأطفال بلا دموع، وقمر على المستنقع، وعيون البنفسج، وأيام وردية»، إضافة لكتابه الشهير «وقفة قبل المنحدر» الذي يُعد سيرة ذاتية لجيل كامل وليس لشخصه فقط، ورغم هذا الإنتاج القليل كمًّا، لكنها ترك أثرا كبيرا لايزال باقيا حتى الآن، في إحدى زياراتي له سألته عن سر شغفه بكتابة الروايات القصيرة وإخلاصه لهذا النوع من الكتابة الأدبية النادرة في الوطن العربي.. فقال: «الكتابة بهذا الشكل لم تكن اختيارًا، لكن شكل الكتابة تطور حتي وصل إلى ذلك، لقد خرجت للكتابة من داخل العمل الصحافي، وكان الشكل الملائم للنشر في الصحافة، هو ذلك الشكل، ثم تطورت المسألة وأصبح اختيارا متعمدا، لأني رأيت أن هذا الشكل يضمن أكبر قدر من التواصل مع القارئ، ويعطيني الفنية والإحكام اللذين تمتاز بهما القصة القصيرة، مع الرحابة والاتساع اللذين يميزان عالم الرواية، لذلك رأيت أن الرواية القصيرة لها قدرة الجمع بين هذه المميزات في قالب واحد».

وعلى مدار ثلاثة عقود بدءًا من أواخر الستينيات ووصولاً لتسعينيات القرن الماضي، تدور معظم كتابات صاحب «عيون البنفسج». ويشترك معظم أبطاله كعبدالخالق المسيري في «زهر الليمون»، وأمين الألفي في «أيام وردية» في شعوره بالتيه والضياع الممتد معه منذ نكسة 1976، وزاد بصورة مفجعة مع الانفتاح الاقتصادي وتوقيع اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني في فترة حكم السادات. سألته أيضا عن مدى تأثير النكسة على أبطاله وعلى حياتنا بشكل عام حتى الآن.


عمل علاء الديب في السنوات الماضية على إكمال جزء ثان من كتاب «وقفة قبل المنحدر»، وكان ينوي أن يكتب عن التغيرات التي حدثت في الثلاثين عاما الأخيرة منذ العام 1980 حتى الآن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في موقع الراى بتاريخ 4 مارس 2016

قراءة في رواية"قمر على المستنقع" للأديب المصري علاء الديب







عبد القادر كعبان
 يتتبع الأديب المصري علاء الديب خطوات شخوصه بدقة متناهية كمحقق يلبس جلباب الأدب كالعالمي غابرييل غارسيا ماركيز، وهذا ما نكتشفه في الجزء الثاني من ثلاثيته الروائية الشهيرة (أطفال بلا دموع، قمر على المستنقع وعيون البنفسج) لنجد أنفسنا كقراء نقف أمام كاتب يمسك بأدواته على أحسن ما يكون.

 في بداية "قمر على المستنقع" يتعمد الديب أن يضع مقدمة تعلن عن أن القصة مستوحاة من الأوراق الشخصية للدكتورة "سناء فرج" طليقة الدكتور "منير فكار" أستاذ اللغة العربية، وهي تتمة لما سرده لنا في "أطفال بلا دموع". ليس في شخصية البطلة "سناء" ما يثير الفضول سوى الرتابة والملل رغم أنها استطاعت الحصول على طلاقها والابتعاد عن "فكار"، لكن ظل الماضي يلاحقها كظلها الذي يستحيل الخلاص منه، وهذا ما جعلها متصالحة مع نفسها: "صوتي هو ذاكرتي، نبرة بين الحكمة والسخرية، الحمد لله، لا أحمل حقدا ولا مرارة، حدث كل ما حدث وما زلت أنا سناء فرج على قدمي وحيدة عارية على شاطئ جديد." (ص 114). ربما هي رواية ألم لا أمل لما تعكسه جملة صفحاتها التي تعيدنا إلى جنس السيرة الذاتية في الكثير من المحطات التي تحركها أدوات السرد الروائي، حيث نجد أن "سناء" على علاقة حب مع "هاني قبطان" رغم اقترابها من الخمسين وهو الذي يريدها زوجة ثانية: "يريد فارسي الجميل أن أتزوجه على زوجته، أم هانية وتيسير، يريدني زوجة ثانية، محظية بيضاء، مخدعا إضافيا، وفراشا (استبن)، عادي، لا شيء جديد، إلى أن وصلنا." (ص 111).
 تعود تيمة الحب لتهيمن على الحالة النفسية للبطلة لتذكرنا في بعض المقتطفات برائعة ماركيز "ذكريات عن عاهراتي الحزينات"، ولكن بلون تجريبي خاص بالمبدع المصري علاء الديب الذي يضع النبض السردي بين يدي "سناء" حيث نقرأ مثلا: "الآن أنا أحسن كثيرا منذ أن دخل هاني إلى حياتي، حبتي المهدئة، يعطيني كل شيء، ما عدا حقيقة نفسه، ربما هو هكذا بلا حقيقة، فارغ مثلي، قشرة لامعة، ونقود كثيرة، وجهه أملس رطب، نشاطه الجنسي يثيرني، لا يشبع، يريدني في أوقات غريبة، وإذا استحال يتحول إلى طفل حرون غاضب، تعلمت أن أتعامل مع هذه اللحظات، أن أفتح طاقة يخرج منها بخار صدره فيتبعني طفلا مطيعا هادئا، في تلك اللحظات- فقط – كان يداعب روحي ما يشبه الحب له، وعندما يغادرني ذاهبا إلى زوجته كنت أكره نفسي أكثر من كراهيتي له..." (ص 116).

 تعود البطلة للحديث عن طليقها في العديد من المرات، وكأنه شبح لا يزال يلاحقها بالرغم من تعلقها بحبيبها "هاني" الذي يراها سوى آداة لكسر حياته الروتينية مع زوجته الأولى، أما هي فتراه وجها لصفحة واحدة: "عرفت أن المشكلة في هاني نفسه أنه ليس ذلك الرجل الذي يعطي امرأة مبررا لوجودها فلا تعود تأسف وتخاف، أو تفتقد شيئا، يطلب الحرية ولا يستطيع أن يصنعها أو يهبها، كنت - عادة - أقول لنفسي.. إنه رجل من صفحة واحدة، عادي، تنزلق معه اللحظات والأيام، ولم يكن في حياتي - الآن- ما يمنعني أن أمضي معه، وكان من حقه، ومن حقي أن نعرف كيف نستمتع معا." (ص 131). 

يدفعنا الفضول للتوغل في حياة البطلة التي تفتح قلبها للقارئ وكأنه طبيب نفساني، لنتوقف عند علاقتها بشخصية "الدادة نجية" التي تعتبرها الصندوق الأسود لأسرارها العائلية، والتي تعتبرها أيضا الأم الفعلية لأولادها: "أخلاق الجواري المنسوجة مع الطمع والخبث كانت أبعد ما تكون عن أخلاق نجية لقد خلقت هذه المرأة لكي تعطي.. لي، وللأولاد، للمكان الذي تتحرك فيه، هي لا تعرف - أيضا – صمت الخدم، الذي عرفته عن قرب، وكرهته، الصمت الذي يخفي مؤامرة، وحسدا، وطمعا، فيما تملك أنت أو تنفق، ذلك الصمت الذي يشعرك دائما بأنك مهدد ومراقب، وأن هناك مفاجأة خبيثة في انتظارك، هذا الصمت كان عند نجية رضا وحنانا، مع نجية لم أعد أخشى المفاجآت، أسلمت لها أولادي، أغلب مفاتيحي، وحاولت معها أن أصلح ما أفسده الدهر في حياتها.. وفي حياتي." (ص 137-138).  ينفتح نص هذه الرواية على فضاء إنساني يحاول عبثا رد الاعتبار لذات "سناء فرج" الضائعة بعدما أصبحت ضحية للطلاق، وهذا ما نراه جليا في علاقتها التي يكسوها القلق مع الآخرين: "بعد سنوات خمس أو أكثر من السكن وحيدة في عمارة جديدة من عمارات مدينة نصر، يصبح المكان مألوفا وخطرا في نفس الوقت، يقترب السكان بعضهم من بعض، ويتطلعون داخل الشقق، يتلصصون على الداخل والخارج، وحتى على أصوات غرف النوم، امرأة وحيدة بدون رجل رسمي، مع أولادها - فقط - تصبح طعاما شهيا للعيون، وميدانا للاختبارات المتنوعة، والمطامع المفاجئة، خاصة عندما تكون جافة مع نساء العمارة، وعازفة عن سهرات القزقزة والتليفزيون، والنميمة." (ص 135). 

ترتبط الحالة النفسية للبطلة بالماضي الأليم وذلك من خلال تكنيك  الاسترجاع الداخلي، حيث تتحدث عن أختها الصغرى "نورا" التي كانت ونيسا لوحشتها خلال اصابتها بالمرض: "...كانت نورا ترعاني في أوقات فراغها، تصحبني مرة إلى الطبيب، أو تستدعيه لي، وتمضي معي ساعات قبل أن تنام تحدثني عما اشترته أو سوف تشتريه..." (ص 147). تتولى بطلة "قمر على المستنقع" وظيفة السرد مستخدمة ضمير المؤنث المفرد المتكلم الذي سعى لخلق جو حميمي بينها وبين القارئ، وهي تروي حكايتها الحزينة بشكل أو بآخر ونذكر هنا على سبيل المثال ما يلي: "وجدت نفسي وحيدة فقيرة بعد أن عدت من إنجلترا، فقيرة فعلا ليس لي سوى مرتب الجامعة الذي يضيع نصفه تقريبا في المواصلات بين مصر الجديدة والجامعة، مع الفقر الذي عرفت كيف أتعامل معه كان هناك الخواء، أسمع الريح تصفر في داخلي..." (ص 178-179).  يعكس المبدع علاء الديب في هذه الرواية مشاعر المرأة الضائعة التي يظل الماضي يلاحقها باستمرار، وهي بدورها تهرب منه بحثا عن الأمان في حاضرها ومستقبلها الذي يشوبه الغموض لتعلقها بعلاقة حب عابرة تعكسها العتبة النصية الأولى - عنوان هذه الرواية - الذي لا يخلو من عنصر الاستفزاز الذي دفعنا للغوص أكثر في عمق النص، لنجده يستنطق خبايا حالة "سناء فرج" لتقوم بعملية البوح للمتلقي عن وجعها الداخلي، وهنا نختم بما تقوله الساردة كخير دليل كالآتي: "...سحبت جسدي المهزوم وروحي المطعونة، سرت وحدي في صحراء وحدتي، وحدي أمام البحر الأسود الساكن - وجها لوجه - في السماء نصف قمر مخنوق يسقط ببطء في المستنقع الذي يمتد أمامي بلا نهاية..." (ص 185).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى موقع المثقف العدد: 3468 الجمعة 04 - 03 - 2016م