السبت، 29 مارس، 2014

الشباك الموارب

                          
  
أين تسكن؟
 كيف تذهب إلى هناك؟
 ماذا ترى عندما تفتح نافذة سكنك؟!
 هل عندك- أصلاً- نافذة؟
 أم أنك وصلت إلى سكن بلا باب أو نافذة؟!

 «مجموعة قصصية» للفنان الكاتب «منتصر القفاش» مكونة من 21 قصة قصيرة: تستطيع أن تثير فى روح القارئ وعقله حيرة إنسانية ممتعة.. مقلقة هى علاقة الإنسان بالمكان الذى يعيش فيه. العلاقة المتبادلة بين الواقع والحلم، بين الطفولة والشيخوخة، بين الفضاء الرحب وخنقة الجدران والنوافذ المغلقة«مقلق هو التفكير فى العلاقة بين الجسد والظل، قلق- قد يكون ممتعاً هو التفكير فى إنسانية النوافذ والطوابق، فى شخصية الشقق، والمناور، والمخازن، والمغارات» منعش ومثير هو استحضار الطفولة وإسقاط العقل على حيل الخيال البكر، والذكريات الأولى التى لا تمحى من العقل المندهش من رؤية الأشياء للمرة الأولى.

 «فى مستوى النظر» مجموعة قصصية جميلة ومحيرة لكاتب لا يكتب بل «يكتشف حياته» وواقعه فى وعى ساذج أو سذاجة واعية غير مرتبط لا بمدرسة أو اتجاه، لذلك فهو يخلق مع كل قصة مفاجأة طازجة تنسيك فكرة التصنيف الخانق بين الحداثة وعكسها، وتذكرنى أنا شخصياً- إلى حد كبير- بنوع متعة المفاجأة والاكتشاف التى كانت تقودنى إليها جمل الراحل «أصلان» فى قصصه القصيرة أو مقالاته.

 لا تستطيع أن تصنف هذا النوع من الكتابة أو ترجعه إلى تأثر بالمدارس الغربية أو بموجات غرائبية أمريكا اللاتينية، ولكنك دون شك تستطيع أن تتنسم رائحة تراث حكى ألف ليلة، والجمال الصافى للعربية الناضجة البسيطة.

لا أعتقد أننى قد بالغت فى مدح هذه المجموعة التى جعلتنى أتذكر فى استمتاع تجاربى مع بعض روايات القفاش التى حاولت الكتابة عنها منذ سنوات «رواية مسألة وقت- روايات الهلال 2008»: تذكرت نوعية البناء الفنى، والخامة الأصيلة التى يتعامل بها الكاتب، دون ادعاء أو تزييف «أمراض منتشرة بكثرة فى الإبداع الجديد!».

 تضعك كتابة منتصر القفاش فى قلب أزمة الواقع الراهن، دون خطب أو ادعاءات سياسية أو كما يقال إنه يضع يده على مكان الداء دون فضيحة أو ألم.
 أعتقد أن هذا أنبل دور ممكن أن يؤديه فن الكتابة.
يقدم الكاتب مجموعته بهذه الفقرة الدالة على نوع المغامرة التى أنت مقدم عليها فيقول:
يحكى أن الدور الأرضى حينما يكتمل بناؤه يتطلع إلى أعلى متخيلا بقية الأدوار التى ستبنى.

كان يعرف أن صاحب البيت لن يسأله عن رأيه، وربما لهذا السبب كان يبالغ فى تخيلاته، ولا يعجب بأى شىء يبنى فوقه.
ومع مرور الأيام لا ينظر إلى أعلى.
 فلا يوجد شىء سوى أدوار تتشابه فى الشكل والمساحة، وتذكره دائماً بأنها صارت عكس كل ما تخيل.

ويكتفى بقربه من الشارع، وبأنه فى مستوى نظر عابرين، تنطلق تخيلاتهم حينما يثيرهم شىء من خلال الشباك الموارب.
إن كان لى الحق فإننى أقترح على القارئ الكريم أن يعيد قراءة هذا المقتطف ففيه كل روح المجموعة.. وفيه أيضاً لب الحيل الفنية التى سوف يعمل عليها الكاتب خلال قصص المجموعة. الطابق الأرضى هو الذى يتكلم: هو صاحب شخصية، وخيال. صاحب تاريخ ومستقبل. فيه وحوله يسكن الناس وتدور الأحداث.

 بالنسبة لبعض شخصيات المجموعة هو: حلم، وأمنية وبالنسبة للبعض الآخر هو مكان مستحيل للسكن. كما أن الشارع موجود بكل ما تعنيه كلمة «شارع» من معان ودلالات.
 ثم انظر أخيراً إلى استعمال كلمة «الشباك الموارب»!
هذه بعض عناصر جمال المجموعة بالإضافة إلى الوجود الإنسانى غير المحدود لشخصيات القصص التى تتحرك بحرية بلا ملامح ولا بطاقة شخصية، ولكنها حقيقية أكثر من أى شكل أو تحديد: الشخصيات، أطفال، أو عم محمود، أو أبى، أو عم مسعود أو أنا وياسر أو «كلب الواد على» أو صاحب البيت أو زوجته أو ابنته.

وقائع القصص محيرة مثل الشخصيات، إنها بين الوقائع الحقيقية والذكريات، أو خيالات هذيان الحمى، أو أحلام وخيالات الطفولة.
 كل هذه الشخصيات والوقائع تتداخل بنفس درجة الوجود الحقيقى الذى يخترق ضوضاء الواقع لكى يسكن فى قلب الخيال والذاكرة: كأنها تجاربك أنت، أو جزء من تاريخك أو مخاوفك.
«افرضى ده ماحصلش لكن ممكن يحصل» فى قصة «ضرورة الحديد»، يصل التوتر المكتوم فى حياة الأسرة حول ضرورة تركيب حديد على الشباك إلى القول «طرق السرقة صار لها ألف شكل وشكل، وهى تشعر بأن كل ما يحدث فى الحياة صار شكلاً من أشكال السرقة».

كان «كريم» الطفل بطل كثير من قصص المجموعة، مريضاً محموماً ورأى صاحب البيت الذى توفى منذ سنوات، يطل عليه من الشباك، موضع الخلاف، وبإشارات ضوئية بعيدة نعيش كل توتر الأسرة وواقع حياتها المخنوق فى الشقة الضيقة:
 أنهم الوالد الأم.. إنها منذ أن ثبت الجيران «اللى قدامهم الحديد» وهى تغلق الشباك دائماً بقوة كأنها تريد «كسره». ظلت تصغى إليه والمخدة فى يدها. وبدلاً من أن تضعها تحت رأس كريم، طوحت بها بقوة نحو الشباك وخرجت بعد أن أطفأت النور. دون تفاصيل يستطيع منتصر القفاش أن يضعنا فى قلب توتر، ضيق واختناق حياة عائلة عصرية فى شارع جانبى فى مدينة مزدحمة.

الناس تفتقد الفضاء الجميل الذى كانت تتمتع به.
كنا نسكن فى المنيا قبل القاهرة وأول ماسكنا هناك كنا نستطيع أن نرى الأهرامات.
 أما والدة حسن فقد احتل الكوبرى الجديد كل الفضاء الذى كانت تطل عليه النافذة وأصبحت معرضة ليل نهار لعيون المارة وراكبى السيارات والميكروباصات وحتى الكناسين!
لاأحد يساعدها على تحمل ما جرى لفضائها الجميل، ولم يعد مملكناً أن تراقب فى راحة تغير أشكال السحب فى السماء: السحب التى كان حسن يرى فى تشكيلاتها كل أفراد العائلة.
فى آخر قصص المجموعة «قصة المشى» يحقق الكاتب مستوى نادراً فى القصة المصرية.

 إن البطل الذى يواصل الاصطدام بالناس أثناء السير دون قصد: يحدثنا عن ذاكرة الجسد، وعن الرسائل القصيرة التى صارت تصل إليه الرسائل التى تشبه الرسائل الموجودة على الأنسرماشين.
لن يشكو أحد من التصادم المتبادل «مادام اصطدام كل واحد بالآخر سيصير طبيعة المشى فى هذا البلد».

فى مستوى النظر. قصص منتصر القفاش.
 دار التنوير

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 29 مارس 2014

السبت، 22 مارس، 2014

الوطن والنخبة.. والاستبداد

          

           

«الصرخة» إصدار جديد صدر عن المدرسة الصحفية العريقة «روزاليوسف» ضمن محاولة للبحث فى تراث هذه الدار الملىء بالصعود والهبوط، بالمعارك ومحاولات التجديد والتفكير.

 عمل الزميل الأستاذ رشاد كامل رئيس تحرير صباح الخير الأسبق على التنقيب فى «تراث روزاليوسف» لكى يخرج عددين ضمن مشروع أكبر لإصدار كل الأعداد التى صادرتها الحكومات المتعاقبة منذ صدور العدد الأول فى أكتوبر 1925 وحتى الآن.

وقد وجد المشروع المثير والطموح دعماً من المهندس عبدالصادق الشوربجى رئيس مجلس الإدارة، رغم الصعوبات المادية الكثيرة التى تعانى منها الدار نتيجة للتقلبات والمشاكل الداخلية والخارجية. لقد وجدت من واجبى كواحد من الذين عملوا فى هذه المؤسسة، وتعرفوا على سر العائلة الذى يسرى فى كل من يعايش مناخها الخاص والحميم، الذى تختلط فيه قيم العائلة بقيم الوطنية، قيم الفن والفكر والخلق والإبداع. لعل هذا يبرر فرحى بهذه الفكرة الجديدة وتمنياتى لها بالنجاح ومحاولة البحث فيما تحتويه- الآن- من أفكار ودلالات.

فى مقدمة الكتاب الأول تقول السيدة فاطمة اليوسف:
«كنت أواجه هذا التحدى بإصرار، كلما عطلت الوزارة المجلة أصدرت مجلة أخرى باسم جديد» فى السنتين الثالثة والرابعة من عمر المجلة كان المفروض أن يصدر 104 أعداد، لكن لم يصدر إلا 42 عدداً فقط وصودر 62 «لم يكن الأمر مصادرات فقط بل تحقيقات وقضايا ووقوف أمام المحاكم، ورحلات يومية إلى مبنى النيابة، إلى جانب الخسائر المادية الباهظة، حيث تتم المصادرة بعد أن يكون قد تم طبع كمية العدد بالكامل».

أما الأستاذ محمد التابعى، الذى كان كاتب الجريدة الأول فيقرر أن يشن هجوماً شديداً على «المندوب السامى البريطانى» فى الباب الذى كان يكتبه بعنوان: «خطابات مفتوحة إلى العظماء والصعاليك» يقول بأسلوب التابعى السهل الساخر البسيط:
«نقل إلىّ زميل اجتمع بكم فى حفل الشاى التى أقامها(معالى إسماعيل صدقى باشا) أنكم تلطفتم وتنازلتم بالسؤال عن (روزاليوسف) وعما إذا كانت لا تزال على قيد الحياة؟! وتقصدون طبعاً الجريدة لا صاحبة الجريدة، ويسرنى يا سيدى كما يسركم طبعاً أن تعلموا أن روزاليوسف لا تزال على قيد الحياة صحيفة متمتعة بثقة الناس وإعجاب الجمهور، وأن الضربة التى أصابتها من يد أظنكم تعرفونها لم تصب منها سوى ظهرها فدفعتها إلى الأمام».

الأعداد مليئة بالمعارك الكبيرة والصغيرة التى يديرها الكتاب والرسام الوحيد «صاروخان» الذى كان يرسم ما يشرحه له التابعى أو غيره من المنغمسين فى السياسة، من أول «الست» روزا إلى إبراهيم خليل «وزير المالية الخالد للدار حتى عهد قريب» إلى الإخوة أمين- مصطفى وعلى- إلى محمد حماد، وسعيد عبده.

متابعة هذه الأعداد تشعرك بأن الكتابة والرسم موقف واحد، صوت واحد يقف معترضاً على المظلة الداكنة التى كان يرزح تحتها البلد: الاستعمار، والنخبة المتعالية المنفصلة عن الناس، ثم الاستبداد الصريح الذى يريد أن يصب البلد فى قالب غريب: أجنبى، عسكرى متفرنج وفاسد. وروزاليوسف- الموقف- كانت تحاول فضح هذا وكشفه دون أن تقع مباشرة فى المد الكاسح لحزب الوفد الذى كان- خاصة بعد غياب زعامة سعد- يصنع كل حين توازنات وحسابات جديدة.

يقول محمد التابعى:
وسمعنا، وما أكثر ما سمعنا، فإذا هى إشاعات وذر للرماد فى العيون فلازيد ولا عبيد من الوزراء تحرك فى صدره أى عامل غضب لدستور الأمة ولا هم يحزنون أما رئيس محكمة الاستئناف فلا يمكن أن يستقيل احتجاجاً ومش عارف إيه، لأن رئيس الوزارة صرح أنه أخذ رأيه فى التعديلات التى أدخلها على الدستور وقانون الانتخاب.

يدور التاريخ فى بلدنا فى دوائر لا تتغير. الناس لا تخترق الواقع، ولكنها تطل خارجه ثم تعود.. بنتقدم أعداد الصرخة نوعاً من التاريخ اليومى لم أجده فى الكتب الأكاديمية أو الدراسات المرتبة. بعد أن رتب صاحب الدولة جداول الانتخابات قال محمد على حماد فى مقال بعنوان «الرئيس لايهمه حزب ولا حزبان»: إن الجداول مكونة من: غفير.. وسجين ومرحوم رحل منذ سنين!

ويقول فى مقال آخر بعنوان «برنامج سينما الشعب الجديد»! فى البلد دار للسينما معروفة باسم سينما الشعب، تعلن عن نفسها بعبارات فى منتهى الإغراق فى الدجل والتهويش مثل: الشبح الذى أكل مدينة فى فم واحد، والبطل الذى يحمل عمارة من عشرة أدوار.. وهكذا، وبرنامج حزب الشعب الجديد الذى يتولى رئاسته صاحب الدولة صدقى باشا يسير على هذا القياس ويجرى وفق هذا المنطق.

الباب الذى كان يحرره أسبوعياً الأستاذ التابعى بعنوان
«الجو السياسى» كان نموذجاً لذلك الفكر الساخر الفاضح المثير، وكان عادة ما يضع فى وسطه موالاً حارقاً غير ممهور لعله من تأليفه هو أو من تأليف سعيد عبده.
 وفى نشيد صارخ أطلق عليه «النشيد القومى الجديد» يقول:
هيا بنا! هيا بنا
نبكى ونشكى غلبنا
فى الوقت ده أحسن لنا
نزرع وناكل قطننا
يا دهوتى، يا حسرتى
يا محنتى يا نكبتى
يا وحستى يا وكستى
الجوع مقطع معدتى
خيبة رجا أد الجمل
يا اهل النظر فين الأمل
الأزمة نار! القطن بار
العقل طار! الدم فار
النحس دار! عيشة مرار
يا اهل الديار قولوا الفرار
من الأفكار الأساسية التى جعلتنى هذه الأعداد (42 عدداً) أفكر فيها هى كيف يتحول فرد من أفراد النخبة المميزة إلى مستبد غاشم.

 محمد محمود باشا، رئيس الوزراء ووزير الداخلية، صاحب القبضة الحديدية، الذى أصبح اسمه الآن يذكرنا بواحدة من أبشع حوادث الثورة- كان هو أول من فكر فى فكرة «الوفد» الذى صنع التوكيلات لسعد لكى يتفاوض مع الإنجليز وكان واحدا من 3 تم نفيهم إلى مالطة:
 سعد زغلول، إسماعيل صدقى، ومحمد محمود، كما كان هو أول من فكر فى التفاوض المباشر مع أمريكا بعد إعلانها مبادئ نلسون. كما أنه خلال الوزارات الأربعة التى شكلها كان من عين عزيز المصرى باشا فى الجيش المصرى، وكان- هو وعزيز باشا- المسؤول عن تحديث تركيب الجيش ودعم ميزانيته، وعلى الرغم من أنه ألغى رخصة أكثر من 100 صحيفة وقمع الحريات إلا أنه أدخل قوانين جديدة لتنظيم عمل العمال.

 وهو تنطبق عليه فكرة النخبة حيث إنه ينتمى إلى عائلة من كبار أهل الصعيد ويقال إن الإنجليز عرضوا على والده عرش مصر.
ما أقصد قوله أنه هو وإسماعيل صدقى باشا الذى يحمله التاريخ لقب عدو الشعب وهادم الدستور- كانا من «النخب» التى أرادت أن تقدم للبلد وللشعب أحسن ما فكرت فيه ولكنها وقعت فيما يقع فيه الإنسان عندما ينفصل عن نبض الناس، إنه يقع فى تصورات خاطئة أو أنانية، أو فساد مباشر، أو فى كل هذه المصائب مجتمعة!
لا يتقدم الوطن إلا بحركة الناس معاً، حركة تحت قيادة تضع يدها على نبض الناس، ولا ترى إلا حاجاتهم ومستقبلهم.

المتعة التى تقدمها هذه الأعداد من تراث رزواليوسف المصادرة هى متعة الإحساس بمطالب الناس ونبضهم فى الكلمات المكتوبة والخطوط المرسومة.

الصرخة: مجلة ضد الاستبداد. من تراث روزاليوسف.
 إعداد وتقديم رشاد كامل- 2014.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 22 مارس 2014

السبت، 15 مارس، 2014

مازال النهر حياً

        
                   

أسعدنى زمانى بأن عرفت الشاعر الفنان الكبير الأستاذ السكندرى: أحمد مرسى.
 وأمضيت جل الأسبوع الماضى سابحاً فى بحار شعره التى صدرت فى كتاب ضخم تحت اسم «الأعمال الشعرية الكاملة».. وهو عنوان خادع، فالشاعر الفنان مازال يبدع فناً تشكيلياً وشعراً.

 هو من مواليد «كوبرى التاريخ» بالإسكندرية، يعيش فى نيويورك حيث تعمل السيدة زوجته أمانى فهمى مترجمة قديرة فى الأمم المتحدة «أصدرت لنا ترجمة أصلية لأغلب دساتير العالم- فى حوالى عشرة أجزاء صدر عن مركز الترجمة- مصر».

 العائلة تزور مصر والإسكندرية كل ربيع، حيث تعيش للأستاذ ابنة هنا وابنة هناك. أقصد من هذا الاستطراد أن الشيخ الفنان «مواليد 1930» يعيش فى غربة ولكنه- أبداً- لم يفارق!
 لا تلمح فيه أو فى عمله أو فى عائلته ملمحاً واحداً من ملامح المهاجرين أو المغتربين، رغم أنه يعيش فى قلب نيويورك منذ عام 1974.

 سكندرى أصيل، ينتمى إلى«مدرسة الإسكندرية فى الأربعينيات» مدرسة قدمت فناً خالصاً، لم يعرف الاحتراف أو الارتزاق بالفخامة، مدرسة تضم أعلاما فى أغلب فروع الفن والمعرفة أمثال:
 إدوار الخراط، مصطفى صفوان، سامى على، أحمد زغلول الرسام، محمود مرسى الممثل، توفيق صالح المخرج. ويقول الأستاذ الخراط فى مقال طويل عن أحمد مرسى، موضوع قرب نهاية المجلد الضخم: «أنقل عنه بتصرف»:
أحمد مرسى شاعر الإسكندرية، تغنى بها بمعنى ما كما يفعل كل أبنائها، ليس فى التغنى تطريب، أو نوستالجيا رومانسية متسايلة الحنين!
فى تغنى أحمد مرسى بالإسكندرية «سيادة للغة لا ينالها الوهن وأناقة تقنية لا تسقط تحت غائلة التكلف أو التصنع فى شعره الحب مضمر ومعلن، فى الشعر المأساة والموت.

 الشعر حر ولكن فيه استعانة مكرسة بالوزن والقافية بطرق أصيلة جديدة ومفاجئة.
يقول الأستاذ الخراط فى مقال طويل:
 هذا الشاعر المصور التشكيلى الناقد المترجم من أوائل رواد الشعر الحر.
عندما كتب الشاعر صلاح عبدالصبور قصيدة الحزن التى صدرت فى «ديوان الناس فى بلادى» كان أحمد مرسى قد كسر إلى حد ما قوقعة السريالية المصرية السكندرية. لم يكن الشعر الأوروبى المترجم يستهويه، ولكنه تعلم الإنجليزية والفرنسية فى كتب الشعر القديمة ومن ريح قسطنطين كفافى مع دراسات مكثفة فى الشعر العربى القديم، وفى بحور الفراهيدى الذى كتب عنه فيما بعد قصيدة بعنوان«جراحة للخليل بن أحمد الفراهيدى» يقول فى آخرها: (الإسكندرية حوالى 1945)

عفواً أيها الشيخ العبقرى
قرننا العشرون يمضى إلى نهايته
لكن موسيقاك الصقيلة لا تحمل
أصوات النزعات البوليفونية الثملى
أو حوار العناكب
ولهذا آثرت توسيع شريان
ولم أعمل مشرطى لاغتيالك. «يناير 1999»
قبل قصيدة الحزن لصلاح كان أحمد مرسى يقول
«ونسير فى الطرق الكبيرة فوق أرصفة تئن من الزحام/ ونرى المدينة والفنادق والحوانيت المليئة باللعب/ والتكسيات الصفر تجرى فى الشوارع لاهثة/ ونرى ترام الرمل ذو الطابقين وندخل السينما/...

يقول أحد النقاد إن أحمد مرسى هو فى كثير من أطوار حياته كان الجندى المجهول الذى شارك مباشرة فى حسم كثير من المعارك الفكرية التى قطف أوسمتها سواه. توقف عن كتابة الشعر سنوات طوالا فى أعقاب مواقف يذكرها على استحياء خجلاً واستنكاراً لمواقف الآخرين، فقد قيل إنه متشائم، وإنه يأخذ مواقف ضد الحرية، وهو الذى أسهم إسهاماً أساسياً فى إصدار أيقونة المجلات الثقافية «جاليرى 68» وسافر فى وقت مبكر إلى العراق حيث أسهم فى الحركة الثقافية والتشكيلية: وله أغلى الصداقات مع البياتى، وأرداش.

 أهدى واحداً من أجمل دواوينه للفنان العراقى «أرداش» ديوان جاليرى يعرض صوراً مسروقة وإهداء لذكرى الصديق الفنان أرداش «1941/2000».
أما الشاعر العراقى الكبير عبدالوهاب البياتى فاسمحوا لى أن أتابع كيف نعى الشاعر أحمد مرسى صديقه البياتى: عندما باغتنى البياتى/ بعنوان مثواه الذى اختاره ملاذاً من المنفى/ فأضحى الملاذ منفى الأبد. فيما محوت عنوانه ثم اسمه.. ثم رقم هاتفه/ فى فزع من ذاكرة/ لم تعد تخزن اسماً ليس له عنوان/ لك جنات الصمت بين فراديس القوافى الضالة/ يا بياتى.
لاحظ وأنت تسبح مثلى فى صفحات السفر الضخم
«عراقة اللغة وحداثة السياق» ولاحظ «كيف تراجعت كثيراً تلك النبرة الفلسفية الثقيلة التى كانت تخيم على قصائد الماضى دون أن تتراجع المسحة التأملية فى معضلات الوجود».
أنا إذن أعب من السماء
سأم الوجود
بحر بلا موج
بلا قاع بلا أفق
بلا سفن وأسماك
وماء
طال انتظارى
فى موان لا تبارحها البواخر.
عن بغداد يقول: «حروب بغداد- العراق»
كتبت هذه القصائد/ تسجيلاً ليوميات ضرير/ رأى من ثقب جدران الليل/ مرضعة النهرين مكتوفة/ يضاجعها قسرا وعدوانا/ طائر معدنى/ همجى/ مبرمج.
وفى المستشفيات الجرحى/ يئنون يأساً تحت أكوام الجثث المهملة../ تحت رؤوس مشجوجة/ وعيون تتدلى منها شهادات الموت.
هل يطال الجحيم دجلة/ هل ينوون تغييره/ ليأتوا بنهر آخر/ يروى ماؤه أرض إسرائيل.
لم يعد لى فى بغداد صاحب حى/ فهل أنت أيها النهر/ حى.
أما عن 11 سبتمبر فهو يقول:
يتساءلون عن مغزى حلول الليل/ فى وضح النهار
سحابة سوداء غطت سطح مرآتى/ فلم أعد أرى سوى سحابة/ تجثم فى غرفة نومى/ فى خزانة الملابس الخريفية/ فى المرسم، فى فضاء لوحاتى/ تمددت على الفراش ثم أصبحت/ سجادة من الغيوم والدخان أصبحت/ ستارة مسدلة على نوافذ العيون.. سبتمبر القاسى مضى/ مخلفاً وراءه سحابة/ تمطر أجساداً ودم.
لا تكتمل التجربة الشعرية دون أن تعايش تشكيل الفنان أحمد مرسى الخاص، مهماً قيل عن إعجابه ببيكاسو، وتقديره لبراك، وتعمقه فى دراسة الألوان الفرعونية وخاصة اللون الأزرق فإن التشكيل عنده- كما الشعر- تجربة إنسانية وحضارية خاصة تحمل مسؤولية جمالية هى فى الحقيقة رسالة سكندرية:مدينة البحر والتاريخ مدينة الشعر الأساطير.
 أعمال أحمد مرسى الشعرية والتشكيلية تقاوم دون ضوضاء الردة الحضارية التى نعيشها متنكرة بأردية دينية أو غيرها، لتسلبنا إنسانيتنا وحريتنا.
نقطة نظام:
يوم الأحد 9 مارس، على سلم دار القضاء العالى ارتكب بعض الغوغاء عملاً بذيئاً فى حق الحرية ومستقبل العمل السياسى فى مصر.

 لم تكن البذاءة أو الشتائم موجهة إلى السياسى علاء عبدالفتاح أو الكاتبة الكبيرة أهداف سويف التى وقفت مع زملائه احتجاجاً على احتجاز علاء لأكثر من مائة يوم.
 كانت الإساءة موجهة إلى ثورة 25 يناير العظيمة وإلى الحرية التى دافعت عنها 30 يونيو.
هل المسؤول قانون التظاهر؟
 أم وزارة الداخلية؟
 أم أننا جميعاً مسؤولون لمجرد الصمت!

أحمد مرسى- الأعمال الشعرية الكاملة
- المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة 2012

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 15 مارس 2014

الأحد، 9 مارس، 2014

اللباد.. حضور دائم

                                              





  ولد محمد محيى الدين اللباد 25 مارس 1940، ورحل عنا
4 سبتمبر 2010، شهور أربعة قبل ثورة يناير، كان عاصفة وحده، غير أشياء كثيرة حوله، أحب وأغضب ترك علامات واضحة فى الرسم والكتابة وفى صناعة الكتاب وترك فى حياة الأصدقاء والرفاق مكاناً فارغاً لا يملؤه أحد.

حاضر معنا فى «رجاله»، أولاده، وأصدقائه، وعشرات التلاميذ الذين تعلموا على يده فن الرسم وصناعة الكتاب، وفكر الفن وصناعة الحياة.

ونوع فريد من الوطنية والانتماء للشعب بالروح والعمل وليس بالتجارة والكلام.
عليه رحمة الله قامة كبيرة وحده، وحلم جميل بعالم مختلف تحكمه قيم أخرى غير القيم التى تفرضها اعتبارات السوق. أحسبه سيكون موجوداً فى المساء لكى نعدل ونبدل فى هذا الكلام وغيره لكى نصل إلى قدر أكبر من الاتساق والمصداقية والجمال.

ترك اللباد الكبير تراثاً ضخماً متنوعاً من الإنجازات والأفكار والأحلام والعلامات التى وضعها على الورق أو فى نفوس التلاميذ والقراء والمتابعين عمله الذى تنوع وامتد فى مصر والعالم العربى خاصة فى لبنان التى شهدت تجارب مهمة له فى الصحافة وصناعة الكتاب.

منذ أسابيع، صدر له كتاب كان قد أعده قبل الرحيل.
كتاب «حواديت الخطاطين» كتاب للفتيان والفتيات نضجت فى هذا الكتاب بشكل لافت قدرات اللباد فى تقديم كتاب فاتن ومهم ومفيد فى موضعه.

يحكى فى الكتاب الذى لا تتجاوز صفحاته السبعين صفحة حكاية للغة العربية وتطورات الكتابة ويلمس خصوصية الحضارة العربية والإسلامية، ويأتى على ذكر السلطنة العثمانية وزوالها على يد أتاتورك، ويبرز خصوصية شخصية مصر وحضورها مع المغرب والشام والعراق والأندلس فى صناعة نور حضارى خاص لن تستطيع أن تطفئه كل محاولات الظلام والجهل والغباء الذى استحضر رداء قميئاً قبيحاً للفكر الدينى الإسلامى محاولاً أن يطفئ أنوار الجمال والبهجة والسماحة التى أطلقتها فنون العرب وفارس والإسلام لتضىء جنبات العالم لقرون.

كتاب حواديت الخطاطين ليس كتاباً للفتية والفتيات، وليس كتاباً فى تاريخ الخط والكتابة العربية ولكنه دفاع فنان فاهم واعٍ ومقتدر عن الحضارة العربية، ومحاولة لدفع التهم الغبية التى يحاول الغرب الآن إلصاقها بنا فى أفكار وتنكر لنوع نادر من الفكر والجمال.
 الآن أوان أن يحاول كل قادر أن يجعله يشرق من جديد. قبل أن تفرقنا جميعاً بحار القبح والغباء والدم.


يحكى اللباد حكاية اللغة والخط العربى فى صفحات ملونة جميلة متقابلة يتخذ لكل صفحتين عنواناً أوله «أنا»: «أنا الخط الأول» «أنا النقطة» «أنا الفقير المذنب»«أنا السلطان الخطاط»
«أنا الحاكم بأمرى» ثم «أنا النهضة» أكسبت هذه الصيغة الفنية الكتاب كله نوعاً خاصاً من الحميمية والقرب من القارئ، مع تنظيم حشد المعلومات والحقائق والأفكار المطروحة فى بساطة ودون تعقيد أو إخلال بالدقة والموضوعية.

الكتاب تحفة فنية تضاف إلى الهدايا الكثيرة التى أضافها اللباد إلى فنون الرسم والصحافة وصناعة الكتاب.

ولكننى - وقد عشت قريباً من اللباد أغلب سنوات عمله
- أعتقد أنه إلى جانب مئات الإنجازات التى حققها فى شكل كتب أو مجلات أو جرائد، فإن القيم الفنية التى تركها فيما يمكن أن تطلق عليها «مدرسة» هى الأهم والأبقى، وهى التى أطالب بها المختصين فى مجالات عمله، الذين عملوا معه أو تتلمذوا عليه «وأولهم الفنان أحمد اللباد» الذى شرب من والده الصناعة والفن، وأهم من ذلك قيم الفكر والفن والدور الذى يمكن أن يوديه للوطن الآن.

أقول هذا وأنا واثق بأن اتصال التجربة واستمرار الطريق هما من أهم وصاياه، والطريق الوحيد لكى يكتسب ما أنجزه معنى كاملاً متجدداً حياً.

 إن التحول الذى أحدثه «اللباد» «ليس وحده، ولكن مع جيل نادر من الفنانين» الذين أدركوا المهمة والمسؤولية - هو فى مخاطبة الأطفال والفتيات، وفى تحويل شكل الكتاب والمجلة والجريدة منذ منتصف القرن الماضى وحتى الآن: على الجيل الذى تربى مع اللباد أن يكمل خصوصية التجربة: بأن يكتمل لنا فى هذه الميادين، صوت خاص، وصورة حقيقية لها علاقة بذوقنا وفكرنا وحضارتنا التى نفجع فى كل لحظة، ونحن نرى أكوام القبح والقمامة تلقى فوق أيامنا وساعاتنا وليالينا.


فى ألبوم «نظر» وهو كتاب اللباد الضخم الذى يترك فيه وصية وبصره وبصيرته فى الفن والحياة والسياسة، والذى أخذ عنوانه من بيت بشارة الخورى إن عشقنا فعذرنا أن فى وجهنا نظراً، يقول فى مقال خصصه لأستاذه حسين بيكار «1913/2002» وهو الذى وضع اللبنات الأولى فى صناعة الكتاب الحديث، وفى مخاطبة الطفل والفتى العربى بلغة غير اللغة المستمدة من المجلات والأفكار العربية.

أسمح لنفسى بأن أقتطف من هذا المقال البديع مقاطع أدلل بها على ما أريد أن أقول.

 المقال بعنوان «ذات أربعاء شتوى» وهو أيضاً نموذج لأسلوب الفنان فى الكتابة: «فى الأسبوع الأخير من عام 1951، ظهر إعلان متقشف على الصفحة الأولى من جريدة الأهرام ينبئ بقرب ظهور مجلة «سندباد مجلة الأولاد فى كل البلاد» كان الإعلان- فى الأساس- رسماً جميلاً لبيكار أحالنا بيسر إلى رسوم جميلة مبهجة مشابهة رأيناها من قبل فى كتب قليلة. انتظرت قلقاً متوتراً متهيجاً حتى صباح الأربعاء 2 يناير 1952، الذى تحدد موعداً لصدور العدد الأول، يخامرنى حدس قوى بوقوع حدث استثنائى فى ذلك اليوم وقد كان.

فى ذلك الصباح الشتوى، وحوالى سكنان «حى النعام» كان طين الحدائق والأرض الرملية والشجر المتنوع والزهور والطيور والسحالى والفراشات والضفادع والخيول وقطار المرج«قبل كهربته» - كان كل هذا يبعث رائحة نفاذة، وموجات من الحيوية الصاخبة، والمشاعر الفياضة تزحم الفضاء.

 وسط هذا المجال المدهش انفتحت أمامى- للمرة الأولى- صفحات مجلة «سندباد» التى كان حسين بيكار يرسم نصف عدد صفحاتها، لكنه كان نجمها وفارسها وشاعرها، وعبر تلك الصفحات أرسل النجم الفارس الشاعر إلى رأسى خبطة قوية رائعة.

منذ تلقيت رسالة بيكار فى ذلك الصباح لم أعد نفس الشخص الذى كنته، ولم تعد الحياة كما كانت من قبل.
بكل هذا الجمال يعبر اللباد عن أهمية المجلة بالنسبة للطفل، وعن تأثيرها فى تكوين شخصيته وصناعة حياته ثم تحمله الحياة لكى يحمل هو الآخر نفس مجال أستاذه، وتراه بعد صفحات يعاود التعبير الأدبى قائلاً:
 «عندما حاولت مثلك أن أجلس إلى نفس الطاولة التى رسمت عليها يا شيخى الرائق، ورسمت كتباً ومجلات للأطفال لم أرسم مثل رسومك النقية المثالية الجميلة التى دوختنا، بل رسمت رسوماً تحمل قلقاً وهماً وحيرة، لم تحملها رسومك: قطط غاضبة تدخن السجائر بشراهة، وثعابين وسط زهور لا تخلو من فجاجة، وشخوص حزينة تنتظر بريداً لا يأتى أبداً، وأخرى تعانى من فشل متكرر وشوق للقبول لا يتحقق».

تختلف الصورة، ولكن الصدق واحد وأمانة التعبير عن الزمن رسالة.
لا يجوز أن تأتى على ذكر محيى اللباد أن تحاول رصد الإنجاز الفنى الهائل والمتنوع الذى حققه هذا الرجل وكأنه أمضى كل ساعات عمره يعمل رسم الكاريكاتير فى المجلات المصرية، خاصة روزاليوسف، وصباح الخير، تأسيس وأصدار أغلب مطبوعات دار الفتى العربى، أول دار متخصصة فى كتب الأطفال، والإشراف على إصدار كتب دار شرقيات التى حققت تحولاً نوعياً فى شكل الكتاب العربى تجربة كتاب فى جريدة كتاب «البيت»، واحد من أهم وأجمل كتب القضية الفلسطينية، كتب التراث العربى، «إصدار نادر تم فى الثمانينيات فى باريس» كتاب كشكول الرسام، وألبوم نظر، و100 سؤال عن القضية الفلسطينية.

فى السنوات الأخيرة جمع اللباد عدداً من الرسامين والفنانين فى «محاورة» فنية «ورشة للعمل والنقاش» كان من نتائجها أن صار له تلاميذ وحواريون على امتداد العالم العربى.
فنان حق دعوته للإتقان والصدق دعوته للعمل والأمانة.

حواديت الخطاطين. محيى الدين اللباد.
 دار الشروق القاهرة 2013

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 9 مارس 2014

السبت، 1 مارس، 2014

أيام الفجر الأخضر

      

عاد الشاعر والكاتب «ياسر عبداللطيف» إلى المعادى موطنه الثانى بعد «عابدين» لكى يحضر صدور كتابة السادس«فى الإقامة والترحال»، عاد من سيبيريا الغرب فى كندا، حيث يقيم مع عائلته الصغيرة منذ سنوات.

وياسر كاتب وإنسان قريب إلى القلب «مواليد 1969» يخوض تجربة صعبة فى الكتابة وفى الحياة محافظاً على مجموعة من القيم الإنسانية والفنية تجعله صوتاً مميزاً، فى كتابة «حركة التسعينيات» فى قصيدة النثر والرواية والقصة الجديدة.

كتابه هذا الذى يضج بالحضور والشوق للمكان والزمان والمعنى، متحرراً من الشكل المقيد، ملتزماً باتباع الصوت الداخلى«الذى يتوازى مع طنين نبض القلب» الكاشف عن صفاء استثنائى فى مراقبة الأماكن، والناس وتحولات الضوء والصوت، فى ماضيه الشخصى وفى تحولات «البلد» والشوارع، والأحياء فى الواقع الراهن أو فى الذاكرة الحية.. هو بحث عن اعتدال ذهنى فى العالم الذى يتحرك فى فوضى قاسية تفقده المذاق والمعنى هنا وهناك.

«هو المتوحد الجالس على دكة أمام بحيرة عادية، بلا أى جمال خاص، تتوسط حياً سكنياً للطبقة المتوسطة فى مدينة بغرب كندا الأوسط، الحى ملىء بالمهاجرين الطموحين، من الهند والفلبين وفيتنام، مهنيين تركوا بلادهم النامية والنائمة بحثاً عن حياة الرفاه والتأمين الاجتماعى الممتد».
يتكون الكتاب من ثلاثين قطعة ملونة بين قصة ومقال وخط شعرى ملون يربط الحاضر بالماضى.
 يعيد الرجل طفلاً، يشترى العيش الفينو السخن من فرن بجوار بيت جده فى عابدين، ويستعيد صوت أم كلثوم، مسافراً عبر الزمان والمكان «بفكر فيك وأنا ناسى».

 البيت الذى أمضى فيه سنوات طفولته الأولى احترق فى الانفلات الأمنى الأخير.
«أقول لنفسى متعزياً:
 مات فى هذه الأحداث شباب فى عمر الزهور، وأنت تتحسر وتكتئب من أجل بيت قديم لم يكن مسكوناً حتى!
 أعرف ولكن الشعور المتخلف عن هذا الفقد له أيضاً طعم ورائحة الحريق، إضافة للملف الذى لم يعد يفتح لأن نسخته الأصلية قد ضاعت إلى الأبد».

وفى قطعة جميلة أخرى بعنوان «رأيت الكتابات على الحائط» يستعيد ياسر عبداللطيف صور ملاعب الصبا المبكر فى صحراء مجاورة للمعادى حيث تنضج شخصيات الصبية بالصداقة والتمرد والبحث عن خصوصية الذات:
«فرع للنيل مندثر ربما مر من هنا.. وحائط فى قلب تلك الصحراء المتقطعة يحمل شكاوى جيل ضائع.. والآن وبعد خمسة وعشرين عاماً وثورة محبطة.

 وانفلات أمنى وعمرانى اجتاح القطر بأكمله، تقلصت تلك الصحراء إلى بضعة أمتار تحوى تفتيش الآثار وكشك الشرطة العسكرية. وتكاثرت التجمعات السكنية.. التى التهمت غابة الزيتون تماماً.
 كما تم نهب مخزن الآثار الموجود بالمحمية من قبل لصوص مجهولين وتفرق فعلياً أبناء الجيل الضائع على أصقاع الأرض المختلفة ولايزال النداء يتردد (لقد رأيت الكتابات على الحائط)»!

«كأن خرير ماء يتسرب فى فسقية قديمة. فى زمن لم يعشه» يرسم الكاتب الشاعر أصداء أحداث موجعة مثل حرب إبادة الخنازير، وأحداث تمرد الأمن المركزى، وفى ثلاث قصص بديعة بعنوان «من قصص الحمقى» 1، 2، 3 يسجل التحلل البطىء للطبقة المتوسطة فى مقدرة فنية ساخرة نابضة بالحياة والرصد للتحول الإنسانى والمكانى الذى تطحن عجلاته كل معنى وكل قيمة.
الزيارة المسجلة لكولومبيا فى أمريكا اللاتينية لحضور مؤتمر شعرى تضيف مع قطع أخرى من أدب الرحلة «صورة لقلق وبحث لا يهدآن عن معنى مفتقد للوجود، وقبض مستتر على الريح.
فى رصد الشاعر لجذوره الشعرية مع والده الذى كان شاعراً لم يعلن عن نفسه، ولكنه وضع ابنه فى قلب التذوق الشعرى والاختلاف الفكرى والجمالى الذى أحاط بفترة الستينيات التى صاحبت ميلاد ياسر، وتصاعدت علاقته الحميمة الدائمة مع كل تجارب الشعر فى «قطعة أبى والشعر الحديث» يرصد انعكاس تجارب صلاح عبدالصبور وأمل دنقل فى تداخل مع شوقى ونزار، ونجيب سرور، وصلاح جاهين، ويضع كل ذلك الفوران الفنى فى إطار الفترة الناصرية، واقتصاد القطاع العام، يتركه والده ويرحل عام 1999، يتركه يتيماً ينحت فى الصخر ويغالب الشعر فى زمن مر، ولكن بعد أن تتكون لدى الشاعر الصغير حساسية صائبة لا تخلط الشعر بالسياسة وتدرك المعنى الحقيقى للتجديد فى الفن، الأمر الذى جعله يكتشف مع مجموعة الأصدقاء القريبة التى اجتمعت على درجات سلم مكتبة الجامعة مؤسسى حركة التسعينيات وهى الحركة الوحيدة التى لها معنى بعد حركة الستينيات، ويكتشفون الثورة المنتحلة لشعراء السبعينيات فى مصر «بنزعتها الفردية المنقوصة وحداثتها الريفية» يتعرفون على أصولها فى مجلة شعر البيروثيه «أنسى الحاج. وأدونيس».

فى الوقت الذى كان فيه صلاح جاهين يكتب أغانى تماثيل رخام على الترعة، كان يكتب لنفسه «الخضر فات بحصانه من جنبى لابس صديرى بالقصب دايب.. طب الحصان فطسان وطلع الفجر.. الفجر كان أخضر.. والأرض كانت ريش نعام بمبى.. والقلعة سودا والبيوت بيضا.. وفى كل بيت خزنة.. والخزنة مليانة شفف نساوين» تلك هى السنوات التى رسم فيها عبدالهادى الجزار «المجنون الأخضر» وكتب فيها الطيب صالح: عرس الزين «صدفة دالة» تجعله يتعرف فى هذا الوقت على نوع من «الجحود الجمالى» عند جماعات الإخوان المسلمين حيث ينقل له صديق رأى والده المرتبط بالجماعة حيث يقول:
 ما هذا إلا حشاش.. ملحد!
يقدم لنا ياسر عبداللطيف فى كتابه هذا
«مزيجاً فاتناً بين الكلاسيكية والحداثة» دون أدنى درجة من زيف أو افتعال.

متى يعود المرتحل وينتظم «شريط الصوت المصاحب للحياة»، أحسبه لن يفعل.
نقطة نظام:
رحل منذ أيام الشاعر اللبنانى العلم «أنسى الحاج» تاركاً العالم العربى كله مشتعلا بالعنف والإرهاب والحماقة، ظل فى كتبه الأخيرة «خواتيم» يصرخ منادياً على سلام غاب عن بيته لبنان، كما غاب عن كل بلاد العرب.. حتى مصر التى أحبها الشاعر من كل قلبه وهذه قصيدة نثر مهداة إلى نجمة نجوم مصر فاتن حمامة:
«عينا فاتن حمامة أجمل من عينى الجوكوندا».

ليس فى وجه الممثل المصرية غموض ابتسامة الإيطالية، لكن فيها إشراق الطفولة الخالدة، الغموض فى شفافية براءتها.
تظن أن ليس فى وجهها غير العذوبة والأنوثة، ولكن لا تلبث أن تكتشف السخرية، سخرية لطيفة أخوية، وسخرية متمردة كهبة نسمة حرير، وسخرية إذا غضبت كشجرة ورد تزايد على الريح التى تراقصها.

كن إلى جوار السيد المسيح ذلك أفضل جداً: أيها الشاعر الكبير.

فى الإقامة والترحال- قصص وحكايات- ياسر عبداللطيف
- الكتب خان للنشر والتوزيع 2014

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 1 مارس 2014