السبت، 25 أكتوبر، 2014

المسيحية والحضارة العربية

    
               

كأن مصر تنتظر الوقت المناسب لكى تحتفل بهذا الرجل، تضعه فى مكانه اللائق به كرجل ثقافة ودين ووطنية: الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى.

 علم رائد من رواد التنوير والسماحة الدينية الراقية، وقبل كل شىء واحد من أهم الباحثين هنا وفى الشرق والغرب فى شأن الحضارة الإسلامية والثقافة العربية.

 أول الغيث قطرة:
 فقد أصدرت مكتبة الأسرة طبعة جديدة- أصبحت فى متناول الناس- من واحد من أهم كتبه:«المسيحية والحضارة العربية»
تعود مكتبة الأسرة فى الفترة الأخيرة للقيام بالدور الذى كان يحلم به صاحب فكرتها الأصلية: الفنان الأديب: «توفيق الحكيم»، الذى قصد من وراء هذا المشروع إدخال أمثال هذه الكتب فى الثقافة اليومية لعامة الشعب، ودفع حلمه إلى نهايته بأن تعود هذه الكتب التى تشكل أعمدة الثقافة المصرية الحديثة إلى أداء دورها، كما يجب أن تعمل وزارة التربية والتعليم لإعادة تدريس أمثال هذه الكتب:(عودة الروح: للحكيم، مستقبل الثقافة فى مصر: لطه حسين، تحت شمس الفكر للحكيم، المسيحية والحضارة العربية لقنواتى، وكتب طبائع الاستبداد، وكتب أحمد أمين وأمين الخولى:
 لا شىء يحرك العقول الراكدة سوى «الكلمة»: هى الحركة، وهى المقاومة.. وفيها الخلاص من الأفق الأسود الذى تفرغت جيوش تجار الدين فى دفعنا إليه).

الأب قنواتى من مواليد الإسكندرية «1905- 28 يناير 1993» درس فى مدارس الفرير بالإسكندرية.

 ثم تخصص فى الصيدلة والتحليل الكيمائى إلى أن سافر ليكمل دراسته فى بلجيكا وفرنسا، وهناك تخصص فى اللاهوت والدراسات الشرقية، وارتبط بـ«الدومينيكان»:
حركة دينية تنويرية، لا تعمل بالتبشير أو التنصير، ولكن بنشر العلم والبحث التاريخى وفى علاقة الأديان بالفكر والثقافة.

 تعاليمها الأساسية واسمها: نسبة إلى القديس دومينك الذى يعتبر من أتباع القديس توما الأكوينى وفكر أرسطو، عاد من البعثة 1944 لكى يساهم فى معهد الدومنيكان: معهد الدراسات الشرقية «الذى يعمل من 1928» والذى ترجم تحت إشراف الأب أنطونين جوسان «1871-1962» أهم كتاب فى تاريخ كنيسة الإسكندرية: للمؤلف الألمانى فان سلب، وأسس الأب قنواتى معهد الدراسات الشرقية، والمكتبة «100 ألف كتاب» فى شارع مصنع الطرابيش بالعباسية، وأخرج مجلة«منوعات معهد الدراسات 1954» كما أسس فى المعهد«بيت الباحثين لدارسى الفكر والباحثين فى التاريخ والفكر والفلسفة الإسلامية والعربية.
 قرأ ودرس هناك كلاً من سلامة موسى، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والأهوانى، ومدكور وطبعاً أنيس منصور ولويس عوض، وأسس الأب قنواتى جماعة تجتمع كل شهر باسم إخوان الصفا نسبة إلى إخوان الصفا البغدادية «933م»، كما يقوم المعهد بمراجعة الترجمات التى تصدر عن وزارة الثقافة ووزارة التربية من وإلى الفرنسية أو الإنجليزية، كذلك يجب أن نذكر أن الأب جومييه هو صاحب أول دراسة بالفرنسية عن أدب نجيب محفوظ، وكتابه عن الثلاثية واحد من أعمدة قرار جائزة نوبل، وبذلك صرح الأستاذ نجيب نفسه. بعدنا عن جورج شحاتة قنواتى وتكلمنا عن المكان الذى وهبه حياته عاش وعمل ومات فيه، وكان يقول لتلاميذه الذين يسمح لهم بالبقاء معه فى المكان للدرس، والتفكير والإنتاج كلمة منقوشة فى ذهن كل منهم:
«أحرص على التزود بالمعرفة صباح مساء كل يوم.

 لأنه لا دين بدون ثقافة ولا ثقافة بدون دين».
لم يرفع الأستاذ الأب شعاراً ولم يناد بوحدة عنصرى الأمة
«ليس هناك عنصران» ولم يتاجر فى الإعلام أو الدعاية كان يؤمن ويعمل ويكتب. الكتاب الذى يخرج من تحت يده «وثيقة»، مرجع المراجع فى موضوعه.

 كتاب الشفاء لابن سينا «15 جزءاً». جمع الترجمات اللاتينية، والعبرية، أخرجه مع لجنة شكلها طه حسين، من الدكتور الأهوانى والدكتور مدكور. كان يقول:
 إن جهد الفلاسفة المسلمين محاولة نبيلة لكى يتجاوز الإنسان حدود نفسه، ويحقق رغبته فى الاتحاد بالله، وما الحب الأفلاطونى إلا انعكاس لما تحدث عنه الشعراء والفلاسفة العرب عن الحب العذرى، وقد حقق فى سبيل ذلك كتاب«رسالة العشق» للرئيس ابن سيناء لست مؤهلاً لا فكرياً ولا دينياً لمتابعة إنجازات وأفكار هذه القامة الشامخة المتواضعة الفريدة فى التاريخ المصرى المعاصر.

 إن جهد الأب قنواتى يفوق جهد أكبر الأسماء فى الثقافة العربية المعاصرة، ولا أبالغ إن قلت إن الخدمات التى قدمها للدين الإسلامى تفوق جهد كبار العلماء، الذين يتشدقون بالفقه والكلام الذى أوصل حال الدين إلى ما هو عليه.

كتاب «المسيحية والحضارة العربية» يقول بعد أن يفتتح بآيات من إنجيل لوقا تقول:
 «أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل قدرتك وكل ذهنك».

يشرع الأب قنواتى فى كشف أن الإيمان واحد والدين واحد كما أن الرب واحد يقول:
عندنا أجمعين «الرب هو الله ليس إله سواه»
«تثنية الاشتراع 53:4» لأننا نحن لا نعرف إلهاً غيره«يهوديت 19:8» إنه الواحد «هو الله الواحد الأحد» كما ورد فى القرآن «1:112/2» وفى كتاب المزامير «22:17» من مثل «الرب إلهنا ساكن الأعالى؟ «5:112» وفى القرآن..«ولم يكن له كفواً أحد» «4:112» فهو الأول والآخر.. أشعيا «4:41» إنى أنا الرب لا أتغير» «ملاخى 6:3»«لأن الله هو القيوم المتين لا يتعب ولا ينسى» أشعيا «82:4»، فهو السرمدى «أشعيا 28:40» الذى يبقى وجهه إلى الأبد لأنه هو الحق والغنى «والحى بالحق» «أرميا 2:4» قرآن «255:2» إلى دهر الدهور رؤيا «18:1» إنه هو «الحى الذى لا يموت» قرآن «58:25» من قبل أن ولدت الجبال وأنشأت الأرض والمسكونة من الأزل إلى الأبد، أنت الله.

الكتاب قسمان: الأول عن نشأة المسيحية، وفيه يدرس تطور الدين ومذاهبه وخلافته فى المسيحية الشرقية، والبلاد العربية مكة، المدينة، الشام، دمشق، فارس وطبعاً الأقباط فى مصر وكنيسة الإسكندرية ثم دراسة موسعة عن الأديرة المسيحية التى تعتبر إضافة مصرية خالصة للدين المسيحى.

القسم الثانى بحث علمى تاريخى فنى عن الشعراء والفلاسفة والأطباء والصيادلة المسيحيين على امتداد أرض العرب والإسلام من الصين حتى أوروبا.. بحث يجمع الرجال والكتب والمراجع والأحداث.. جهد مذهل جبار يقع فى 400 صفحة.

فى ختام الفصل الأول «ص 53» عن أقباط مصر يقول الأب الأستاذ المصرى حتى النخاع:
 «يجدر بنا فى ختام هذا الفصل أن نشير إلى صفحة جميلة، عميقة أبان فيها الدكتور وليم سليمان كيف كان للأرض المصرية وصلتها بالشعب المصرى دور أساسى فى توحيد حياة المصريين، مسلمين كانوا أو مسيحيين يقول الدكتور سليمان:
ثم جاءت المسيحية، وعبر الأقباط المسيحيون عن ارتباطهم بالأرض فى صلواتهم، وخصصوا لكل فصل من فصول السنة الزراعية- الفيضان والزرع والحصاد- صلاة خاصة تتلى فى مواقيتها وتملأ الكنيسة المصرية هذه الصلوات بالأوصاف الخلابة. فالأرض عروس تشتاق إلى عريسها- النيل السعيد.
تستعد له كى يأتى ويلبسها تاجاً جميلاً أخضر تسعد به أول السنة حتى يتحول وليداً مباركاً.

والنيل فى صلوات الكنيسة هو أحد الأنهار الأربعة التى جاء فى سفر التكوين أنها موجودة فى الجنة، وتصلى الكنيسة على مياهه عدة مرات فى السنة.

 لولا أنه يصب فى البحر المالح لما استطاع أحد أن يشربه لشدة حلاوته!
الأب الأستاذ قنواتى: لك فى عنق مصر دين كبير.
وهى تقف الآن على ساقين.
 ستحاول أن ترده: أنت زينة لها، وتاج فوق رؤوسنا جميعاً.


المسيحية والحضارة العربية. الأب جورج قنواتى.
 مكتبة الأسرة. القاهرة 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 25 اكتوبر 2014

الأربعاء، 22 أكتوبر، 2014

«نـــور».. وحـــلم الورد الأبيــــض



       

  
«باق من الزمن 90 يوما» .. هي الرواية الأولي للكاتبة الشابة «مني محب» ..

 وهي عمل قصير محكم مشحون بالشاعرية يعلن عن حساسية جديدة وأشواق أصيلة لحرية الفتاة في مجتمع لا يقدم لها إلا المنع والقيود الناعمة والثقيلة.


«نور» بطلة الرواية تقول بعد أن أحست أنها تكاد أن تختنق من تقاليد خطيبها وعائلتها وضغوط المجتمع.


«سوف أزرع حديقتي .. أطوف مصر قبل أن أطوف العالم .. أغني في أفراح أصدقائي.. .. أغير من حجرتي .. أحلق شعري علي الزيرو .. أو أقوم بتضفيره ضفائر صغيرة جدا كالزنجيات ..


 قمت بذلك بالفعل وكنت في قمة السعادة .. ورسمتي في ذلك اليوم فتاة. صغيرة مرصعة بالضفائر .. سوف أصادق الهدهد الملون السارح في حديقتنا .. الذي يتجاهلني منذ سنوات .. أقبل حبيبي علي البحر حتي تعلو أنفاسنا علي صوت الأمواج .. أغني له قبل أن ينام .. أهدي ملابسي الجديدة لفتاة فقيرة وارتدي ملابس مهملة لمدة سنة».



كانت نور فتاة مصر الجديدة «الكوربة» حساسة تكتب وترسم في كراس الذكريات مع أخت لها ..

 ولكن ما أن تعدت العشرين ومات الخال الصديق الذي كان أخا حبيبا ..

 ودخلت في دوامة الحياة والعمل والبحث عن خطيب حتي علقت كراسة الرسم ونوتة الذكريات في دولاب المتعلقات القديمة!!

في تلك الكراسة كانت هناك إجابة علي سؤال ما هو أهم يوم في حياتي ؟

 .. وكانت الإجابة يوم الزفاف:

«قرأت هذين السطرين .. وأخذت أتذكر احساسي بالزواج وما يعنيه لي وحماسي لهذا اليوم بكل تفاصيله.. في الصفحة المقابلة كانت هناك صورة لأجمل فستان فرح تخيلته لنفسي .. مرسوم بالكلمات ومرصع بالحروف المتلالئة .. ومزين بورود بيضاء .. كم كنت ساذجة!



استطاعت الكاتبة الحساسة أن تنسج روايتها القصيرة حول حلم وصورة ومشاكل وتفصيل فستان الزفاف الحلم ذى الورد الأبيض بعد أن اتفقت هي وخطيبها وحماتها وأمها علي موعد الفرح بعد 09 يوما .. في كل يوم يقترب الحلم ويبعد ..


 تعايش الفرق بين الحلم والواقع بين تفاصيل الحياة والمواعيد والخطيب المشغول بالكورة والأصدقاء والذي يهديها الورد الأحمر .. دون أن يسأل أو يشعر بأنها تحب فقط الورد الأبيض.

ونور التي تعيش فوق سحاب الحلم الطبيعي المشروع تعاني منذ سنوات من «مرض السكر» الذي يحاصر حياتها بالمواعيد والأرقام والنواهي والمحاذير ..


 بذلك تكتمل الدائرة الدرامية التي تصنع من نور بطلة تحرك القلب .. وتشدالقارئ الذي يقع في حبها والتعاطف معها ويظل طوال الرواية القصيرة (501 صفحات) .. راغبا في تقديم العون والمساعدة لها خاصة عندما يموت كلب صديقتها الذي تركته في رعايتها .. بقطع صغيرة من الأحداث والمشاعر.. صنعت مني محب بطلة رقيقة قوية خاصة قرب النهاية عندما ظهرت علامات تمرد غير معلن ..


 ولكنه يقيم العمود الفقري لبطل روائي .. إنها تشتري كلبا بديلا من أغلي الكلاب .. وحجز مائدة عشائها ولخطيبها في أغلي مطاعم المدينة وتحلم بالانطلاق مع الفنان الذي سيتولي تصميم الشقة ..
 والمهم أنها تحاول التمرد علي مرض السكر الذي يقولون لها عنه
«إنه مرض مشجع علي الأكل الصحي مفيد من يحبه ويقبل صداقته:
 تقول نور في محاولة للتمرد عليه:

يحملك أنت كافة المسئوليات .. فكون أنت من تؤذي نفسك وليس هو .. أنت المهمل غير المكتري..
 أنت «الطفس» «الدلوع» .. اللي بستهبل.. «اللي بيعك» ويخرج صور «زي الشعرة من الجين».



رواية أغنية درامية رقيقة تطالب بالحرية بلا صراخ ولا شعارات ..
 ولكن بنسيج رقيق بحاجة طبعا إلي تمكين وتقوية .. في عذوبة البنات ورقتهم.


تقول نور:
«حاسة إني لسة صغيرة .. مانضجتش .. عمالة أوضب ليوم واحد..وبقية حياتي اسيبها لمين يوضبها؟
حايسة أني فوضي .. قلبي فرحته.. دماغي في حتة .. واختياراتي امكانياتى في حتة ثالثة .. وعايزة حد يرتبني .. يحط يحط لي حتة في مكانها».


تعد نور الأيام يوما يوما وتسجله حتى تصل إلي النهاية .. فتقول:

ـ باق من الزمن صفر .. بل باق من الزمن عمري كله.

كل يوم تبحث الفتاة المصرية عن درجة أكثر نقاء من الحرية البيضاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة الأهرام بتاريخ 22 أكتوبر 2014

السبت، 18 أكتوبر، 2014

«مليم» من ذهب

    
                  

يقول الأستاذ نجيب محفوظ تعليقاً على رواية «مليم الأكبر» لعادل كامل، وعلى توقفه عن الكتابة بعدها:
«تعرفنا فى عام 1942، كان عادل كامل على المستوى الأدبى قد سبقنا فى نشر أعماله، مثل (ويك عنتر) التى أصدرها على حسابه الشخصى وأصدر معنا فى (لجنة النشر للجامعيين) روايته (ملك من شعاع) ثم (مليم الأكبر) وبعد ذلك وابتداء من عام 1945، بدأ يتشكك فى دور الأدب وجدوى الإبداع، وأخذ كلامه كله يدور فى هذا المعنى، بحيث إنه لو أن كلامه أثر فينا تأثيراً حاسماً لكنا جميعاً هجرنا الأدب مثله».

ثم يقول الأستاذ:
ليست هناك تغيرات محددة لأن يتوقف الكاتب فجأة وللأبد عن الإبداع، وأذكر أن مثل هذه الحالة قد أصابتنى عام 1952، حين أخبرت زملائى أننى قد انتهيت ككاتب لأننى سأتجه إلى العمل ككاتب سيناريو للأفلام. ومرت سنوات، وعندما عدت إلى الكتابة الأدبية أخبرت زملائى
«أن الحركة قد رجعت مرة أخرى».

 هناك إذن أسباب غير معروفة لدى الكاتب نفسه تدفعه لهجر الأدب أو العودة إليه مرة أخرى.
«وعادل كامل كزميل أديب فإننى أكن له كل الاحترام. أما كصديق فهو من أعز أصدقائى، ومن يوم تعارفنا عام 1943، والود متصل والصفاء متبادل».
رحم الله الجميع.

عادل كامل أديب فنان مثقف، ومحامٍ بارع هاجر إلى الولايات المتحدة، وحقق نجاحاً كبيراً ونشرت له فى آخر أيامه أعمال قديمة بتدخل من صديقه المقرب المخرج الكبير المرحوم توفيق صالح.
يكتب عادل كامل مقدمة طويلة ومهمة لرواية «مليم الأكبر» فيها غضب واحتجاج ويعتبرها كثير من الكتاب أساساً من أسس الحداثة المصرية.

عادل كامل «1916-2005» أصدر الطبعة الأولى من
«مليم الأكبر» 1944، ويقول فى صدر المقدمة الطويلة
«150 صفحة» التى كتب لها عنوان:
 مقدمة فى تأديب مليم فى فنون اللغة والأدب.

 وعلى الرغم مما فى المقدمة من دراسة تفصيلية لحال الأدب العربى- فى ذلك الوقت- وتاريخه القديم والحديث، فإنه يعطى المقدمة شكلاً فنياً ساخراً فى هيئة حوار بين الكاتب وبطله مليم يعطيه دروساً فى تاريخ الأدب العربى والآداب الأجنبية ودور الكاتب فى المجتمع وحالة الأدب فى مصر.

 يبدأ فيقول:
«قدمت رواية (مليم الأكبر) فى مباراة فاروق الأول للقصة المصرية التى تنظرها لجنة الأدب بمجمع فؤاد الأول للغة العربية. ولأمر ما رأت اللجنة أن تبيع سمسماً مقشوراً بغير مقشور، فرفضت أن تعطى مليم بضعة الجنيهات المقررة أو أن تعطيه جائزة بدون جنيهات».

كان نجيب محفوظ قد قدم فى السنة نفسها رواية «السراب» وهى الأخرى خرجت بلا جوائز.

رأى الكاتب أن هذا الموقف يعلن عن رأى المؤسسة الرسمية الكبرى «المجمع اللغوى» فى الأدب، وجاءت المقدمة مرافعة رائعة دفاعاً عن فهم جديد للأدب ودوره، ودفاعا تمهيديا لثورة مكبوتة ستنطلق لتشمل الذائقة الفنية والأدبية الجديدة.

 وجاءت دروس المقدمة مقنعة مرتبة أقنعت حتى قارئاً مثلى يتناولها بعد أكثر من نصف قرن، ولا أدرى شيئاً لتوقف هذا الفيلم العبقرى إلا أسباباً شخصية غير مفهومة شكلت بلا شك خسارة للأدب المصرى.

الرواية والمقدمة معاً عمل بديع كما يقول الأستاذ أحمد عباس صالح، أما الصديق الروائى الراحل خيرى شلبى فإنه يقول عن المقدمة
«أهم بيان حداثى فى تاريخ الأدب العربى»
أما أستاذنا شكرى عياد فيقول عن المقدمة:
 باكورة من بواكير الحداثة.
 لن يغنى تلخيصى للبيان أو للرواية عن تتبع تفاصيلها ومعاودة قراءتها، فهى تمثل فى طبعتها الجديدة التى تقدمها مختارات الكرمة تحفة أدبية بحق تزداد قيمتها مع الزمن.
يقول عادل كامل إن المقاييس التى قيست بها روايته وغيرها مقاييس فاسدة مستمدة من فهم مغلوط لدور الأدب يجب مراجعته وتصحيحه. إنهم مازلوا يقيسون الأدب بمقاييس مستمدة من أدب الجاحظ. أليس هو أمير البيان؟!
هذه رسائل الجاحظ، وهذه أشهرها: رسالة التربيع والتدوير، وهذه فقرة من فقراتها:
«احتملها وقل لى ماذا فهمت؟!»:
 جعلت فداك، قد شاهدت الإنس مذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة، وأغفالاً وموسومة، وسالمة ومدخولة، فما تخفى عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا المستغلق من المستبهم، ولا النادر من البديع، ولا شبه الدليل من الدليل. وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، والحدود محفوظة، والطبقات معلومة والدنيا بحذافيرها مصورة».
من مثل هذه المقاييس كانوا يقيسون الأدب.
 اللفظ فى حجم النيل، والفكر فى حجم النملة.
موسيقى فطرية زنجية موسيقى أدغال.
 الأديب بالتالى تابع وليس متبوعاً.
 لا يقدم جديداً.
 وهم يعتقدون لسبب غير مفهوم أن اللفظ تابع للفكرة، وأن اللغة العربية أعظم لغات العالم وأغناها وأجملها- ولست أدرى لِمَ- فأحبوها لنفسها.
 لقد حرموا أنفسهم من جمال النغم المتصل الذى يعلو ويهبط بغير ضابط.
 جمال اللحن الثائر المجنون الذى يحطم القواعد ويثور على القوانين لأنه هو نفسه القاعدة والقانون.
 جمال الجبال البيض والبطاح الصفر والوديان الخضر، يطوف بها جميعاً طير الفكر فيحط أينما شاء ويغرد فوق أى فنن حيثما يروق له التغريد.
شارك الرجلَ فى فكره هذا (الأساتذة توفيق الحكيم، وأحمد بك أمين، ومحمود بك تيمور، وإبراهيم عبدالقادر المازنى، وناقد أصيل هو أحمد الشايب ونجم جديد فى سماء النقد هو محمد مندور فى «الميزان الجديد»).
أما الدكتور أحمد زكى فقد كان يطالب بترجمة الجاحظ إلى العربية حتى يكون حاضراً فى ميدان الأدب.
يقول عادل كامل مستشهداً على جمال الأسلوب:
اسمع معى يا مليم هذه الفقرة للأستاذ توفيق الحكيم، وقل لى ما رأيك فى هذا اللحن:
طالما جلست فى صباى ساعات طويلة أتأمل قوافل النمل تسير على الحيطان، وكنت أحياناً أدنو منها وأصيح بأصوات مدوية، فما يبدو عليها أنها سمعت شيئاً، فالنظام هو النظام، والخطى هى الخطى، والتجارة الضخمة المحمولة على الأعناق، وهى جناح «صرصار» كبير. مازالت تتهادى مطمئنة إلى عاصمة المملكة العتيدة داخل ذلك الثقب البارز فى أسفل الجدار (توفيق الحكيم «من البرج العاجى»).
رحلة طويلة طويلة قطعها الأدب العربى بعد عادل كامل، ليته ظل معنا، ذلك الذى كان شعاعاً من نور وانطفأ مبكراً.


مليم الأكبر- رواية ومقدمة- عادل كامل
- مختارات الكرمة 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 18 اكتوبر 2014

السبت، 11 أكتوبر، 2014

ساحر القصة القصيرة.. يبلغ التسعين




سيدى الأستاذ الفنان الساحر: يوسف الشارونى: كل عام وأنت فى رضا وصحة. 14 أكتوبر عيد ميلاده التسعون - مد الله فى عمره - حتى يضيف لكتابه الضخم صفحات جديدة مهمة وناصعة من الفن والمعرفة.

قصص الشارونى وحياته سجل لواقعنا المتحول المتغير الباحث عن ضوء الفهم ونور العدل والحقيقة.

يقول الأستاذ فى حديث له:
ولادة الفنان تبدأ عندما يصبح «الهم العام» همه الخاص، وتذوب فى داخله الحدود بين الهمين. كل قصة من قصصه محاولة للإمساك بالمستحيل. كل قصة تخلق شكلها.
بحث دائم متبادل بين الشكل الذى يولد فى كل مرة، من المضمون الذى يبحث عن الحقيقة، المتوارية خلف الواقع المتغير المرتبك القاسى.
 الطفل الباكى إذا نظر إلى نفسه فى المرآة فإنه يتوقف عن البكاء، من معطف يوسف الشارونى خرجت الحداثة فى القصة القصيرة - المصرية - 1954 صدرت مجموعته الخالدة «العشاق الخمسة». يقول فى القصة التى تحمل اسم المجموعة:
«.. فى منتصف القرن العشرين بعد الميلاد، كان يعيش فى مصر جيل من الشباب، شاهدوا الماضى ينطفئ وراءهم، وشاهدوا المستقبل لغيرهم، ولم تستطع أقدامهم أن تثبت فى الحاضر».


القصة تخلق عالم ما بعد الحرب وما قبل الثورة، لا تنطلق من موقف فكرى واضح «يوسف إدريس أصدر أرخص ليالى فى نفس الوقت» الشارونى ينقل لى العالم المحير المثير للقلق، بعد أن يحكى من منظور متحول ويستعمل كل الضمائر فى حكاية الأصدقاء الذين يعشقون فتاة واحدة، ثم يموت الشاعر، بعد أن أعلن حبه بالشعر، يجتمعون بعد الحزن والعزاء: ويقول الكاتب القصاص المفكر قرب النهاية:
«هم يحسون فى هذه الحرية الليلية الساكنة اللامتناهية أنهم يسعون كل شىء، ولا شىء يسعهم، انطلقوا يترنمون ويصخبون، ثم يتناقشون ويتهامسون، ثم يضحكون ويضحكون».

غير أنى كنت أحس أنهم يفعلون ذلك لآخر مرة فى حياتهم، وكنت أدرك أن وفاة صديقهم أرعبتهم، غير أنى كنت أدرك أيضاً أن الألم هنا هو بدء الطريق.. فأنا أعلم أن المأساة ليست سوى جانب من جوانب الحدث، بل أنا أعلم أكثر من هذا، أن كل مأساة تحمل معها عنصر خلاصها، وأن النور يضىء فى الظلمة.

ولا تنتهى القصة إلا عندما يخبرك الشارونى أن فى نفس هذا الوقت اكتشف العالم علاجاً لمرض شلل الأطفال، وأن هناك اكتشافات علمية مذهلة، بل إن بعض الدول قد ألغت عقوبة الإعدام.

بمراجعة كلمات الأستاذ يوسف فى الأحاديث والمقالات وفى مقاصد عمله كله: ترى أنه رافض ومحتج على بقاء مسألة الأمية على ما هى عليه منذ بدأ الكتابة حتى الآن، بل إنه يرصد الأمية الثقافية والفكرية وتدهور حال التعليم: هى بلاشك قضية حياته، فقد بدأ مدرساً واستمرت حياته كلها محاولة لتعليم من حوله بكل الوسائل.

حساسية الفنان الذى حمل الهم العام وكأنه قضيته جعلته يرصد أهم المشاكل التى مرت بالبلد، ويكتب عنها قصصاً ستبقى علامات تحذيرية كأنها «شمندورات البحر تهدى السفن» «الزحام» «نظرية الجلدة الفاسدة» «الأم والوحش» «لمحات من حياة موجود عبدالموجود» «الضحك حتى البكاء» كلها علامات ترسم وتتنبأ وتحذر من مشاكل اجتماعية وسياسية مرت بها الأمة، ووقفت عندها، لكننى أظن أن هم الشارونى كان وسيبقى هو مكافحة الأمية وإنقاذ التعليم: ومن أجل هذا لم يدخل حتى الآن سوق التجارة الفنية، ولا تسليع الفن والأدب فى سوق الانفتاح الاستهلاكى الذى يعيش فوق سطح المجتمع الراكد.

الفن عند «المعلم» إما عبادة أو احتجاج.. الموسيقى الدينية والتراتيل والخط والأيقونات عبادة، باقى الفنون هى احتجاج وإصرار على التغيير، إدراك الواقع ومحاولة تقديم شىء يضىء فيه.

 يقال إن مدرسة الشارونى هى التعبيرية فى مقابل الواقعية، والواقعية الاشتراكية التى سادت: تشيكوف مرجعية، وعند الشارونى كافكا. ولكننى أرى أن الأستاذ المعلم حمل مسؤوليته وفلسفته وفنه فى محاولة أصيلة لرؤية الواقع المصرى المتغير، بعد هجرات الريف إلى المدينة، ونشأة الطبقة المتوسطة الصغيرة بكل تناقضاتها «شكاوى الموظف الفصيح»، رأى الكابوس المصرى الخاص، تحت التفاصيل اليومية العادية، أزمة الديمقراطية مع ثورة يوليو، وقبلها نكبة فلسطين، وبعدها النكسة، كانت كلها كوارث تحاصر الأستاذ الذى لم ينغمس فى السياسة ولكنه كان يحمل هموم الناس والمجتمع كفنان ومفكر وفيلسوف «استقال وهو وكيل وزارة الثقافة عندما سأل وزيراً ما.. من هو يوسف الشارونى». لا أعرف أحداً له هذه العلاقة والاهتمام بعمله. وربما هو نوع آخر من اهتمام وتقديس محفوظ للكتابة.

لسنوات رفض بعض النقاد نشر قصص الساحر، لأنها كانت غامضة ولأنهم لم يفهموها، ولم يدركوا عمق التجربة الساكنة وراء كل كلمة: يقول: «انتابته جرأة وخوف» أو «لم يقع ولكنه سيقع»، إنه يعيد كتابة قصصه مرات ومرات، يحقق صورة وقصداً من كل حرف وكلمة، فى الزحام لم يستعمل الوقفات أو الفواصل، لا يتبع مذهباً وليس له شبيه، كل قصة خلق جديد. الغرائبية والكابوسية تنبعان من الحياة اليومية.

للأستاذ المعلم أكثر من 50 كتاباً فى النقد النظرى والتطبيقى، وتحقيق التراث، وأثناء رحلة عمان التى استمرت 9 سنوات «يعمل فى الترجمة فى إحدى الشركات الكبرى» أخرج 9 كتب عن الأدب والحياة والعائلات هناك، أهمها: أخبار الصين والهند - سليمان النجار.

ولكنه يعود لكى يقول دائماً: القصة القصيرة هى التى اختارتنى، أنا لم أخترها.

للمعلم الساحر: ديوان يسميه «نثر غنائى» كتبه فى أول حياته، وصدر فى الستينيات عن دار المعارف بعنوان «المساء الأخير» كان وقتها متأثراً بترجمات طاغور، والشاعر المصرى المجهول «حسين عفيف» الذى قال فى محاضرة نادرة: الشعر أسبق من الأوزان، الأوزان من صنع البشر والشعر تصنعه الحياة، يقول الشاب يوسف الشارونى فى المساء الأخير: أحبك، أحبك، أحبك أكثر من الحياة والحب، وأنا مستتر فى الزاوية المقدسة ماضياً فى صلاة لا تنقطع: أحبك أبد المرات..
أستاذ يوسف، حفظك الله ومتعك بالصحة والرضا.


المجموعات القصصية الكاملة «مجلدان» - يوسف الشارونى - هيئة الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المصري اليوم بتاريخ 11 أكتوبر 2014

السبت، 4 أكتوبر، 2014

شريف يونس مفكر يساري حر


يقدم «شريف يونس» فى كتابه الجديد«البحث عن خلاص»رواية تاريخية مهمة وشيقة لتاريخ الحداثة فى مصر.

«الشعب» بطل الرواية، وشعار «ارفع راسك فوق.. إنت مصرى» هو النهاية السعيدة التى تفتح أبواب التفكير فى المستقبل وتضع المسؤولية فى مكانها الصحيح.. مرة أخرى

ــ بعد عقود من الاستعمار الخارجى والداخلى، وأنواع من القهر والاستغلال ــ فى 25 يناير يستعيد الشعب مسؤولية التصرف!
فماذا أنتم فاعلون؟
المؤرخ والمفكر اليسارى الحر فى دراسته عن
«أزمة الدولة والإسلام والحداثة فى مصر» يطرح أمام القارئ المسارات والصراعات والأفكار التى صنعت ثورة 25 يناير:
 التاج الثانى الذى وضعه الشعب المصرى بنفسه فوق رأسه، بعد ثورة 1919.

ويقدم من المناهج وطرق التفكير والمعارف التى تهدف إلى ضبط «المصطلحات» السياسية والفكرية ما يساعد من يريد أن يفهم ويتجنب الانزلاق إلى مسارات خاطئة، أو تكرار مآس قديمة لم يعد الزمن ولا الطاقة قادرين على احتمالها.

تبدأ «دراما» «البحث عن خلاص» التى يشكلها
«شريف يونس» بالحداثة المفروضة، من أعلى، على بحر راكد من الفقر والجهل والمرض، سواء بحملات التجنيد أو ببعثات التنوير الغربى، التى صاحبت أحلام الإمبراطورية التى داعبت خيالات محمد على بعد الخلاص من الحملة الفرنسية، فيما يذكرنا بالكتابين الرائعين للمؤرخ خالد فهمى:
 «كل رجال الباشا» و«الجسد والحداثة» اللذين قام بترجمتهما إلى العربية شريف يونس نفسه، مشكلين مع الراحل سامر سليمان ما يشبه المدرسة الجديدة فى كتابة تاريخ يقظة الشعب المصرى، التى طلع فجرها الجديد، وأكدت 30 يونيو أنه لا يمكن أن يكون كاذبا!

كلمة «الهوية» الغامضة الملتبسة التى تستعملها كل سلطة وكل نظام، والتى من معانيها اللغوية «البئر العميق»:
هى محور أساسى من محاور كتاب شريف يونس المحتشد بالمعارف والأفكار.

مصر تعرف هويتها، ولم تعد تحتمل أن يستغلها أو يتاجر بها أحد، لا باسم الدين، أو القومية أو أحلام «المُلك» أو «الخلافة» أو «إمبراطورية السلطة» العالم مفتوح، وتجارب الشرق والغرب، والشمال والجنوب مطروحة أمام العقل الحر اليقظان، الذى عرف أن الخلاص ليس شخصاً، أو حلماً مثالياً، أو هتافاً.. لكن الخلاص فى العمل والعدل وكرامة الفرد المدرك لواجبه وحقه.

أصدر شريف يونس، قبل كتابه هذا كتباً مهمة عن
«سيد قطب» وعن تأثير أفكاره التى مازالت تنتج أزهار الشر فى كل مكان.
 يورد فى كتابه هذا نصاً مخيفاً لسيد قطب يقول:
«إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثاً هامدة حتى إذا متنا فى سبيلها أو غزيناها بالدماء، انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء».

الرجل الذى يقوم فكره: على تكفير العالم كله، ما عدا العصبة المؤمنة التى تحمل فكره وكتابه هو الذى يمد كل هذا الجنون الذى ينتشر كوباء أسود يثير الرعب ويخنق الأحلام.

وجماعة الإخوان الإرهابية التى شكلت ما يطلق عليه الصحوة الإسلامية الجديدة، هى تنويع على نفس اللحن الإجرامى الأسود، وكما يقول شريف يونس إن الجماعة فقدت مبكراً التمييز بين مشروعها وبين الجريمة السياسية وصارت بحكم أيديولوجيتها نصيرا لكل حكم ديكتاتورى مهما كان شكله.

 انظر جيداً خلف تلك الابتسامة الإخوانية الشهيرة لترى خلفها سماً أصفر، من خلف القضبان ــ أو الزجاج ــ مازلنا نراها، ومازالت تثير نفس الاشمئزاز والغضب لأننا لم نعرف بعد كيف نفصل بينهم وبين ادعاء الدين والاختباء وراءه.

يلفت الكتاب النظر إلى الصعود والهبوط المأساوى لحزب الوفد، الذى يشكل خلال كل هذه العقود الحزب السياسى الوحيد الذى تنفس الشعب المصرى من خلاله، ولكنه لم يجد القدرة على مقاومة الضربات التى تلقاها من الملك ومن الخارج، ثم النهاية القاصمة من ثورة يوليو ثم محاولات البعث الكاذب التى تلت ذلك ليخرج كائناً مبتسراً مشوهاً فاقداً للدور والخطة والفاعلية.

من أهم إسهامات شريف يونس التاريخية دراسته لتجربة يوليو فى كتابيه «نداء الشعب» و«الزحف المقدس» التى وجه فيها انتقادات جذرية أساسية لنظام عبدالناصر من وجهة نظر يسارية وضعت يدها على محنة الديمقراطية التى صاحبت الانتصارات التى حققها الزعيم، وبوحى من الشعب، الذى تحول بعد فترة من حرمانه الاشتغال بالسياسة «من تحالف قوى الشعب العامل»، إلى شعب مستهلك يطالب بالمكاسب الاشتراكية. كما تحول النظام ــ كما قال عبدالناصر نفسه ــ إلى إقطاعيات، وأصبحوا يشترون الحاضر ويبيعون المستقبل.

بعد انقلابات القصر التى أدارها السادات: ودخلنا عصر الانفتاح والسلام.
 تغيرت الشعارات بسلاسة غريبة.

 وتكشف الانفتاح عن عملية سطو غير مسلح، كما سقطت قدسية المعركة الأبدية مع إسرائيل، ويلخص شريف يونس الـ30 عاماً الشهيرة التى سبقت يناير 2011 تلخيصاً موحياً فيقول:
«دخلنا فى خلاصة مركزة من الانحطاط الشامل الفكرى والفنى والاستهلاكى والشعورى الذى أنتجه نظام اللامسؤولية الشامل».

الكتاب أهم وأشمل وأخطر من أن تحيط به هذه الكلمات، ولكنه دون شك يبعث يقيناً فى أن هذا الشعب قدّ من صخر صوان وأن هويته شمس لا تغيب.

نقطة نظام
سمعت أن الفنان الشامل ــ زياد رحبانى ــ يفكر فى هجرة نهائية عن لبنان.
 لو صح الخبر لكان خسارة جديدة تصيب كل العرب.


البحث عن خلاص ــ شريف يونس
ــ المكتبة السياسية. هيئة الكتاب بالقاهرة 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المصري اليوم بتاريخ 4 اكتوبر 2014