الأربعاء، 20 يناير، 2016

فى محبة ما يرمز إليه «علاء الديب»









ما بين عامى 1972 و1973... كنت ارقبه من على بعد ولا أملك جرأة اقتحام «هداته» الصامتة، فى المرات القليلة التى يتصادف فيها حضوره فى مجلة «صباح الخير» وبين ترددى الخجول على المكان...


أول مرة اقترن فيها الاسم الذى كنت أتابع ما يكتبه وبين الشخص نفسه، كانت ذات ضحي، لما تابعه عم حسين، أقدم معاونى الخدمة وأحد أهم من عاصروا الاستاذ احسان، مناديا «يا أستاذ علاء.. الحاجات واحد سابها لك».. ولم تكن الحاجات إلا «كتب» بالطبع.


عصير الكتب «على واحدة من الصفحات الاخيرة لمجلة صباح الخير.. تلك التى كنا نطلق عليها «الافيش»، «بألوانها التى تتغير اسبوعيا، وحيث نافذته وشباكنا على المعارف: «عصير الكتب» وتوقيعه، وبورتريه صغير... كم مرة حاولت أن استقرئ أو استشف رد فعل الأستاذ.. ماذا، لو امتلكت شجاعة فض الصمت، ودخلت عليه وهو جالس على المكتب الرمادى ماركة «ايديال» منكب على الورق، ورحت ومددت له يدى مصافحة، واعلنتها انا اقرأ كل ما تكتبه عن الكتب... واحب الكتب.. وونسة الكتب؟.


كنت أدير الحوار بينى وبين نفسي، ولا أتحرك ولا أسعي، المحه مارقا قرب الظهيرة.. متوقفا على باب الأستاذ رءوف توفيق، متعهالله بالصحة والعافية: «سلام» يا رءوف... ربما فى موعد شبه ثابت، حتى كان ذلك اليوم المشهود... يوم مشهود فعلا، اليوم الذى يتوقف فيه، واطل برأسه من على باب الحجرة التى اتشاركها وزملاء، وأنا فى زاويتى المختارة، قرب النافذة المطلة على شارع قصر العيني... ودون مقدمات، وبألفة وود بالغين وكأننا «عز المعرفة» وجه إلى الكلام «على فكرة موضوعك حلو... مكتوب كويس».. ومضي.. لم ينتظر منى أن أرد، أو ليرى ما أحدثته كلماته.. أو لربما قبلته انفعالا.. نعم، لم يكن ليوازى كلماته الاربع غير ذلك..


يكتب الأستاذ علاء الديب، بعزلة «وعدل القاضي».. تماما كما يقرأ بحرية، واستقلال.. ويطوف فى الأرض باحثا عما يستحق ان يصل إلى الناس، ويقلب فى التربة، غير قانع بالطافى فوق السطح، له عين «جواهرجي» قادرة على النفاذ والتمييز ما بين لمعة «الزائف» والاصيل الذى ربما مدفوس أو مدفونة، فتكون «عين» علاء الديب، وقلمه، هما جناحا كل عمل أصيل، لينفض الغبار ويحلق إلى حيث يليق به أن يكون...


كان «حضور» شخصية الأستاذ علاء الديب دوما فى المكان، أقرب إلى حفيف أوراق الشجر، لما تهزه نسمة عصارى رائقة... لا تسمع له مطلبا خاصا، فهو الزاهد، المترفع، ولا تعلو نبرات صوته، أن خاطبته أو كلمك، عن مستوى لا يتجاوز الهمس بأكثر من درجة أو درجتين... قادر على اضغام المعانى فى وضوح وبساطة، وتلك عبقريته، التى تلخصها معالجة أى عمل، مهما تشابكت افكاره، بانسياب وسلاسة، كانما هو أشبه بمحول، ينتقل بأصعب الافكار من فولت لآخر، بضمان وصول التيار...


كانت السبعينيات والثمانينيات، متخمة بالتحولات الاقرب إلى «الانقلابات القيمية».. التى فى اطارها كنا شهودا على أنواع «صادمة»... من المواقف التى ربما عصفت بما تربينا على أنه من البديهيات... كان الأستاذ علاء «رمانة ميزان».. لنا نحن المتوسمين خيرا فيما شببنا عليه، من انحيازات للناس، وانتماءات لوطن.


فتش عن وضوح المواقف.. وصفاء الرؤية. عن الزهد فى أن تكون فى القلب من الصور المروجة... فتش عن معنى أن تكد لاكثر من نصف قرن، كى تكسب عيشك، بشرف ونزاهة القديسين، قرشا قرشا، بينما «يغرف» العرابون والسماسرة وتجار الثقافة، من ماعون فاسد ما لا يحصى من ثروات وامتيازات حرام، وستبقى حراما... وأنت الأكثر موهبة وعطاء.. فتش عن صرامة الأخذ بالمعايير، عن تواضع العارف الذى كلما عرف ادرك الحدود لمحيط المعرفة... فتش عن المؤمن باحقية البشر فى عدالة على الأرض، فتش عن الذى لم يقايض، ولم يبع، ولم يساوم، وارتضى القبض على جمرين، جمر شرف العيش، وجمر ثبات المبدأ.


فتش... وأن اعياك البحث تعال إلى حفنة معدودة، على رأسها الأستاذ علاء الديب..

ما بين الحين والحين كان يأتينى صوته، بالذات فى تلك الاوقات التى كنت احس فيها بصقيع الدنيا ووحدتها، ومؤخرا أتانى صوته رقراقا مواسيا، ولم أجد ما أرد به غير عبارة واحدة: ربنا يخليك يا أستاذ علاء ربنا يعلم محبتك فى قلوبنا... ومحبتنا لكل ما ترمز إليه من جمال.. وصفوهما الزاد المعين علي، ما نمر به..



أستاذ علاء الديب: قطرت لنا انبل المعانى فى عصير كتبك، ومواقفك، وجل مشوارك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجدة الجندى
نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 19 يناير 2016

الثلاثاء، 19 يناير، 2016

علاء الديب على سرير المرض



  


علاء الديب في مستشفى المعادي. هكذا، فإنّ واحداً من رموز الثقافة في مصر يعاني. وإذا كنا ندعو له بالشفاء، فقد تكون هذه مناسبة لتقديم علاء الديب إلى جمهور القراء. علاء الديب، المولود في العام 1939، هو من قلائل جيل الستينيات الذي عاش مستقلاً في حين انخرط آخرون في آلة السلطة، وصاروا في عدادها.

 لم يسأل يوماً عن مصلحة ولا نفوذ ولا موقع. بقي في بيته في المعادي يكتب ويبشر بالمواهب الجديدة.

علاء الديب الذي كان في الوقت ذاته روائياً قديراً وناقداً أدبياً، وأهم من ذلك قارئاً يتابع النتاج الجديد، ويعرِّف به كل أسبوع، ويختار منه لقراءة الآخرين. هكذا نجح علاء الديب في التبشير بكتّاب شبان وجدوا لديه الرعاية والاهتمام، إذ كانت زاويته «باب الكتب» و «عصير الكتب» منتظرة وفاعلة.


علاء الديب أحد ضمائر الثقافة المصرية. لم يساوم على موقف، ولم يساير، ولم يداهن. كان من جيل الثورة الذي عانى سقوط أحلامه بعد نكسة 1967. لكنه لم يحد مع ذلك عن مواقفه، وظلّ شامخاً ضد التطبيع، وواجه الإرهاب الديني، وشارك في «ثورة 25 يناير» (2011)، وإن لم تفسح له صحته النزول إلى الميدان.

ظلّ «المسافر الأبدي»، الذي اعترض على حكم الإخوان المسلمين وما استتبعه هذا الحكم من أحلام الخلافة والعنف الأصولي. ظل يعيش طوال عمره من جهده وقلمه، وهو يرقد الآن في مستشفى المعادي كأحد الشرفاء الكبار المبدعين المميزين في الثقافة المصرية، وقد يكون شفاؤه من حظّ هذه الثقافة، ومن حسن مصائرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عباس بيضون
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 19 يناير 2016

مالك مصطفى يكتب: إلى الأستاذ







إلى رب الرواية وسيدها.. أكتب
إلى أستاذي, وأستاذ الرواية العربية: علاء الديب
طالت رقدتك يا سيدي, طال فراقك, وطال وجع القلب, ووحشة البعاد.. طال علينا سيدي بعدك.

(1)
لن أحكي حكايتي معك, ولا مع أيامك الوردية, لن أحكي افتناني بالقمر الراقد على المستنقع, ولا بالدكتورة سناء فرج, التي أوجعتني كلماتها, والتي تخيلتك معها أنثى محطمة, لا “تود مقابلة الحياة, بإحساس امرأة مغتصبة”.


لن أحكي سيدي, حبي لكل شخصياتك, وتوحدي معها/معك.
سأحكي عن الاكتئاب “الراضي” عن كل مرة أنهي قراءة رواية لك, ويداهمني فيها ذلك الحزن, ذلك الفراغ, تلك الوحدة المقطعة لأوصالي, والتي أحببتها بسببك.
التي أشعرتني بكوني حقيقيا.
والتي أحببت الغربة بسببها.

(2)
الهجر يا سيدي قاتل, وما أنا عليه بقادر, وما أستطعت أن أتحكم في جيشان ذلك الفراغ داخلي, في كل مرة أراك فيها مستلقيا في العناية المركزة.

توحشت ضحكتك سيدي
توحشت نظراتك الماكرة من تحت زجاج نظارتك الطبية, وأنت تحاول التعرف في ملامحي, عن من أنا…
“ماحدش يعرفني”
احتديت للمرة الأولى والأخيرة معك, حكيت لك عن جيلي, وعن إفتنانا بك, وعن كونك أحد ملهمي هذا الجيل, الذي قرر أنه سيبحث عن المتوحدين, سيبحث عن التاركين والزاهدين, سيبتغي الحكمة, من منبعها الأهم, وكنت أنت منبع الحكمة لذلك الجيل.


وكنت أنت وما زلت منبع الحكمة لدي, والذي أسعى له بكل ما أوتيت من قوة.

(3)
سند كلماتك لروحي, في كل مرة كانت تميد بي الدنيا, وأنكر من كل الأرواح, كانت كلماتك هي السند, الذي يعيد لي الاتزان.


مضطرب أنا كما تعرفني, ومضطربة كلماتي, فأغفر لي حينما تقرأ تلك الكلمات المبعثرة بلا نظام, والتي لا تحمل غير الخوف, والاشتياق.


(4)
ألن تنهي روايتك سيدي؟
ألن تعود لمطروح كي تبدأ الكتابة؟
كي تحكي لنا عن الهزيمة, وعدم الخضوع لها, والمحاولة من جديد, وخلع وصم الهزيمة؟
ألن تحكي لنا عن المستسلمين لها؟ وكيف رضوا, ومسخوا, ولم يعودوا؟
ألن تحكي عن وحدة الهزيمة؟ وكيف يمكن محاربتها بالاعتزال؟
عن الصمود في وجه كل التغيرات المشوهة, التي لحقت بالأرواح؟
ألن تحكي عن الأرواح الضالة, والتي أفقدتها الهزيمة الطريق, فمضت تهيم بلا دليل؟


(5)
قم يا سيدي, كي تحكي لنا, ترشدنا, تعيد المنطق إلى عقولنا, وتذكرنا بالرحمة.
تذكرنا بالمغفرة
تذكرنا بقبول غضبنا
تذكرنا بـ”المودة التي هي أساس الحب”, وأن الهجر هو أبشع الجرائم التي ترتكب بأريحية, وبضمير راض.

(6)
قم سيدي فالموت استولى على المدينة, والخوف أصبح الراية المرفوعة على الجباه.

قم سيدي فكل كلمة منك, تطمئننا نحن التائهون, وترشدنا نحن الضالون.

قم سيدي ولا تحرمنا منك.
نحبك, ونحترمك, ونجلك, وننحني أمامك في توسل, أن تعود لنا, ولا تستسلم سيدي.


مالك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مالك مصطفى
نشر في موقع زائد 18 بتاريخ 19 يناير 2016

الاثنين، 18 يناير، 2016

المبدع «علاء الديب».. صاحب «المسافر الأبدى».. ألف سلامة








الروائي علاء الديب
المنزلة الرفيعة التى نالها الأستاذ علاء الديب فى الثقافة المصرية لم تأت من فراغ، أنت أمام رجل حمل طموحات ومعاناة شعبه،ورصد من خلال أدبه ما أصاب الطبقة المتوسطة بكل شرائحها بعد أن أحبطت آمالها وأحلامها وتكسرت بعد نكسة عام 1967، وأيضا انهيار حلم الاشتراكية، حمل نفسه مسئولية هذه الهزيمة.



علاء الديب المولود فى 4 فبراير 1939، من القلائل فى جيل الستينيات الذين عاشوا مستقلين، ولم تشغله السلطة ولا النفوذ يعيش فى بيته فى المعادى يكتب ويبشر بالمواهب الجديدة، لم يفقد الأمل يوما فى قدرة المصريين على الذهاب إلى المستقبل الذى يستحقونه، المستقبل الخالى من الفاشية المتمسحة فى الدين الحنيف، هو ضد التطبيع مع إسرائيل، اعتبر ثورة 25 يناير امتدادا لروح ثورة 1919، شارك صاحب «أطفال بلا دموع» فيها دون أن ينزل الميدان بسبب مرضه، وحذر مبكرا من سرقتها على أيدى المتأسلمين، اعتبر عام مرسى فى الحكم عام النكسة، »لم أعرف فى حياتى أثقل منه أو أشد ظلاما ومهانة«، انتظر 30 يونيو ورحب بها لأنها «كشفت المؤامرة التى ساقت المنطقة إليها سياسة «الفوضى الخلاقة» التى خلقت مصائب الإرهاب والإسلام السياسى وأحلام الخلافة والانقسامات، وتفتيت الشعوب والأوطان، صاحب «وقفة قبل المنحدر»، و«المسافر الأبدي» يعيش طوال عمره على جهده وقلمه، انضم لكتاب الأهرام قبل عامين، يرقد الآن فى مستشفى المعادى العسكري، ونتمنى له مع محبيه ومع أهله ومع قراء «الأهرام» الشفاء العاجل..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 إبراهيم داود
نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 18 يناير 2016

الأربعاء، 13 يناير، 2016

علاء الديب.. الانتصار على الزمن بسلاح «الذاكرة»






محمد الحسن


كثيرةٌ هي المعارك التي خاضها علاء الديب مع الزمن وتحولاته، أو قُل إنها معركة واحدة متواصلة، لكنه يؤمن أنه لو استسلم في جميعها، فإن الحرب الأخيرة ستكون على ذاكرته، وفيها لن يقبل الهزيمة.
عندما نزل علاء الديب إلى الشارع بمفرده لأول مرة في حياته، كانت مصر تسلك طريقًا جديدًا سيفتح نِفس الطفل صاحب الثلاثة عشر عامًا على التمادي في حلمه بتغيير العالم.

لا يمكن لعلاء الديب أن ينسى عام 1952، ليس لأنه فقط العام الذي استطاع فيه النزول من بيته في ضاحية المعادي إلى شوارع القاهرة بنفسه، لكنه كان عام الثورة أيضًا، الذي فيه ستنبت بذور مُثل عليا كان يحملها الصبي الحالم، لكنها ستموت قبل أن تنبُت.

بعد 15 سنة من ذلك، ستنهزم الأحلام تمامًا بنكسة 1967، ورغم أنه يقول إن الهزيمة تركته ميتًا، ثم جمع أشلاء جسده ليعيش بها حتى الآن،’ إلا أن علاء الديب انتصر تمامًا، في صراعه مع الزمن، متسلحًا بالذاكرة، التي أقسم أن يحارب بها في معركته الأخيرة دون أن يقبل بالهزيمة.

انتصارات علاء الديب عديدة، ونابعة من مأساته مع تراجع الأحلام الكبرى وانهيار المعاني "المستقرة"، كان "الحب يعني الحب، الوطن يعني الوطن، الشرف هو الشرف"، وتلك كانت "كائناته الوردية" التي تحطمت في صمت، في وقت قصير.

هذه المأساة صورها الديب بصدق في كتابه "وقفة قبل المنحدر"، وفيه قدم مراجعة شجاعة وصادقة لنفسه ولأفكاره تحت اسم "من أوراق مثقف مصري"، شملت ثلاثين عامًا، في الفترة من 1952 إلى 1982.

- محاكمة الذات.. الانتصار للضمير
هذا المثقف، الذي هو علاء الديب، وصم نفسه بـ"التخلف"، وحاكم الطبقة الوسطى التي انحدر منها: "كان يتردد حولي أن الطبقة المتوسطة هي الحاكمة، هي المسيطرة على البلد، لكن رؤية الفلاحين الكادحين من الفجر إلى الغروب. وورديات العمال تخرج من المصانع، يؤكد لي في إلحاح لا يتوقف، وإصرار يحطم كل غفلة أو تغافل: أن العمل هو القيمة الوحيدة، وأنه هو نعمة الوجود الكبرى، وأن الطبقة المتوسطة بكل قيمها، وتقاليدها، وأساليبها في السلوك تحاول أن تفنيني بعيدًا عن العمل، وأن تعلمني سبل التحايل ورذيلة الوصول".


هكذا حمّل علاء الديب طبقته مسؤولية خيانة الثورة والأحلام الكبرى، ثم حمّل نفسه المسؤولية: "لم أعد بريئًا. مذنب، ومشارك، وضالع في الإثم".

ورغم مرور سنوات على نكسة 67، لا يزال الأثر مستوطنًا في نفس علاء الديب، وربما يكون هو المثقف الوحيد الذي لازمته توابع "الانكسار" حتى الآن، ببساطة، لأن بقدر اتساع دائرة الحلم يضيق خناق الواقع.

الشيء المضيء وسط هذه العتمة التي أحاطت علاء الديب، أن شعوره بـ"التخلف" لم يتحول إلى اشمئزاز من نفسه أو من الواقع، وبحسب تفسيره لذلك الشعور فإنه كان بمثابة دافع للانتماء والحلم "البسيط المستحيل" بأن يعيش ويعيش الناس من حوله واقعًا جديدًا.

هكذا واصل علاء الديب الكتابة وحمل على عاتقه مهمة "الكشاف الأدبي"، منذ الستينيات وحتى أيام قليلة، قبل أن يطوله المرض.

قدم الديب العديد من الكتاب عبر بابه الأدبي الشهير "عصير الكتب"، كما كتب لنفسه عددًا من الروايات والقصص القليلة، التي ضمنها أفكاره وفي الأغلب كان هو بطلها جميعًا.
لكن الخروج من المعركة سليما – بل ومنتصرًا على المستوى الذاتي، ظاهريًا- كان القيمة الحقيقة للكاتب، الذي لم يجرفه الطوفان الذي وضع كل شي وأي شيء في ميزان البيع والشراء.

- ضد العدوان باسم الدين.. الانتصار بالعقل على التشدد

شكّل علاء الديب حصنًا منيعًا لنفسه بإعمال العقل: "تعلمت أن أحب الكلمات، أن لا إرددها دون فهم أو إدراك، فهم الكلمات ومحبتها كان هو المفتاح السحري، الذي يقودني إلى بهجة العقل ونعيم الفهم والتفكير".

في صغره انضم إلى "الإخوان المسلمون"، كان منتميًا لإحدى شُعب الجماعة في منطقته، يتجمعون بعد صلاة العشاء ويتناقشون، لكن "الدرس" كان يملؤه بالكثير من الأسئلة لا الإجابات.

لاحظ علاء الديب الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين "الإخوان"، فكر في ذلك لكن أحدًا لم يقدم له إجابات، وفي إحدى الجلسات انتقد أحد أعضاء الشعبة شقية زميل له قال إنها تذهب إلى مدارس أجنبية وتعود إلى منزلها بعد الغروب معترضًا على ملابسها التي "لا تليق بشقيقة أخ مسلم".

كان هذا "الأخ" صديق وجار علاء الديب، وشقيقته صديقه لأخواته: "كانت زيارتها لنا في البيت تبعث كثيرًا من الحبور والبهجة، وكان أبي وأمي يعتبرانها نموذجًا للفتاة ذات المستقبل، فهي تجمع بين التعليم الأجنبي حيث تتقن اللغات – سلاح العصر- وبين خفة الدم والشطارة".

 يحكي: "في السهرة وقد اجتمعت أسرتنا حول الراديو تسمع حفلا لأم كلثوم، فاجأنا صوت صراخ وبكاء قادم من بيت الجيران، وكأن هناك شخصًا يُذبح، هرولت والدتي بمملابس البيت.. وعادت باكية، وقالت إن صديقي أخذ يضرب أخته ضربًا مبرحًا، وأنه أصاب فمها، وشج رأسها، وأنه يصر على أن تبقى في البيت، وأنه سيقتلها لو عادت إلى المدرسة"، وكانت هذه الواقعة هي "أول عدوان شرس" يُرتكب أمام علاء الديب باسم الدين، سيترك الجماعة، وفيما بعد سيصف حكم الإخوان بعد الألفية الثالثة بـ"الكابوس"، وسيقول إنه كان سطرًا مقلوبًا في تاريخ الوطن.

- ذهاب وعودة سريعة من بلاد النفط.. الانتصار للوطن 
عام 1974 ذهب علاء الديب إلى السعودية "هناك.. حيث النفط، كل ما في قلوب المصريين من حضارة ومرونة يتحول إلى غلظة قاسية. الرغبة الحارقة المتعجلة في المال تحول الإنسان إلى كائن آخر".

كان الديب أحد المغضوب عليهم من أنور السادات، الذي يراه الكاتب سببًا في في ما آل إليه الوضع المتدهور حاليًا في التعليم والصحة والسلوك، بعد الانفتاح الذي أقره النظام في نفس العام.

حمل علاء الديب توصية طبية مكتوب عليها "صالح للعمل في جميع الأجواء" وسافر، وهناك في الميناء الخليجي ستصفعه رائحة الحر والرطوبة والبترول، وسيعيش هناك بلا شيء يملكه،أو تاريخ.

من المصريين، سيقابل علاء الديب عجوزًا كان يعمل إداريًا كبيرًا بوزارة الثقافة في مصر، لكنه سافر وقبل العمل في وظيفة صغيرة لتغطية "جواز البنات". وسيتعرف على الصحفي المعروف في القاهرة الذي سيخشى أن يكون للوافد الجديد مطامع أو طموح للترقي في الصحيفة الخليجية. وسيعود لأنه سيتيه في ذلك العالم الذي يزن البشر بالريالات.

- الكتابة ليست للربح.. الانتصار على منطق السوق

رغم دوره المؤثر في الحياة الثقافية المصرية منذ الستينيات، لم يُعرف عن علاء الديب أنه ينتمي إلى "شلة" في الوسط الثقافي، لكن ما صنع مكانته أنه لا يكتب بحسابات المصالح، بل عن الشيء الذي يحبه، فلا يتأخر عن تقديمه للقارئ.


أعمال علاء الديب تُعد على أصابع اليدين، لكنها تقول الكثير، "أُنضجت على مهل"، بحسب وصف الناقد الدكتور فاروق عبد القادر.

لا يهتم الديب بتحولات الأذواق أو متطلبات السوق، هو نفسه من ألد أعداء "التسليع"، حتى في الأدب، ويرى أن "الأجر الوحيد الذي يحصل عليه الكاتب هو أن يفرح وهو يرى كلماته وقد تحولت إلى مخلوقات على الورق".

يقول في حواره له، منشور في 2010: "قارئ واحد حقيقي يوازي عندي كل ما يحققه الآخرون من نجاحات وسفر وجوائز"، ويحمد الله الذي "أنقذه" من التربح بالكتابة، فظلت لديه "وسليلة للمحبة" وليست لأكل العيش.

انتصر علاء الديب على منطق السوق، "الوحش" الحاضر طوال الوقت، بحسب وصفه، وإن كان لا يخفي أن أحد أسباب ذلك أنه كان لديه باستمرار "وظيفة وعشاء وغطاء وسقف أنام تحته".

منذ نحو 20 عامًا اعتزل الحياة العامة، بعد أن عرض شهادته كمثقف عن ثلاثين عامًا من تاريخ مصر، ثم عاد لدوره المفضل في تقديم الكتابة التي يحبها عبر مجلة "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة، ثم في صحف أخرى.


يؤمن علاء الديب بأن التغير سُنة الكون، لكنه يعتقد أنه لم يحدث من قبل بهذه "القسوة والسرعة والفظاعة"، وصراحة يقول إنه لا ينتمي إلى هذا العصر، وكل ما يريده أن "يتماسك، أن يحتفظ بالحس والبصر والبصيرة، أن لا يقترب كثيرًا من حافة المنحدر".

السلاح الوحيد لعلاء الديب في ذلك هو الذاكرة الحية: "العاصم، والملاذ الوحيد، للفرد، وللشعوب". يتساءل كيف نحافظ على أنفسنا دون أن ننغمس في الحاضر وننسى الماضي، للدرجة التي لا نمتلك فيها وقتًا – حتى للتفكير- إلى أين نسير.
تحول الزمن، وجرف بتياره المجنون أسماءً كثيرة خضعت له، لكن علاء الديب انتصر بذاكرته، وبقي كما يريد مع زمنه البسيط، المستحيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في موقع اليوم الجديد بتاريخ 13 يناير 2016



علاء الديب.. الانتصار على الزمن بسلاح «الذاكرة»







محمد الحسن

كثيرةٌ هي المعارك التي خاضها علاء الديب مع الزمن وتحولاته، أو قُل إنها معركة واحدة متواصلة، لكنه يؤمن أنه لو استسلم في جميعها، فإن الحرب الأخيرة ستكون على ذاكرته، وفيها لن يقبل الهزيمة.

عندما نزل علاء الديب إلى الشارع بمفرده لأول مرة في حياته، كانت مصر تسلك طريقًا جديدًا سيفتح نِفس الطفل صاحب الثلاثة عشر عامًا على التمادي في حلمه بتغيير العالم.

لا يمكن لعلاء الديب أن ينسى عام 1952، ليس لأنه فقط العام الذي استطاع فيه النزول من بيته في ضاحية المعادي إلى شوارع القاهرة بنفسه، لكنه كان عام الثورة أيضًا، الذي فيه ستنبت بذور مُثل عليا كان يحملها الصبي الحالم، لكنها ستموت قبل أن تنبُت.

بعد 15 سنة من ذلك، ستنهزم الأحلام تمامًا بنكسة 1967، ورغم أنه يقول إن الهزيمة تركته ميتًا، ثم جمع أشلاء جسده ليعيش بها حتى الآن،’ إلا أن علاء الديب انتصر تمامًا، في صراعه مع الزمن، متسلحًا بالذاكرة، التي أقسم أن يحارب بها في معركته الأخيرة دون أن يقبل بالهزيمة.

انتصارات علاء الديب عديدة، ونابعة من مأساته مع تراجع الأحلام الكبرى وانهيار المعاني "المستقرة"، كان "الحب يعني الحب، الوطن يعني الوطن، الشرف هو الشرف"، وتلك كانت "كائناته الوردية" التي تحطمت في صمت، في وقت قصير.

هذه المأساة صورها الديب بصدق في كتابه "وقفة قبل المنحدر"، وفيه قدم مراجعة شجاعة وصادقة لنفسه ولأفكاره تحت اسم "من أوراق مثقف مصري"، شملت ثلاثين عامًا، في الفترة من 1952 إلى 1982.
- محاكمة الذات.. الانتصار للضمير

هذا المثقف، الذي هو علاء الديب، وصم نفسه بـ"التخلف"، وحاكم الطبقة الوسطى التي انحدر منها: "كان يتردد حولي أن الطبقة المتوسطة هي الحاكمة، هي المسيطرة على البلد، لكن رؤية الفلاحين الكادحين من الفجر إلى الغروب. وورديات العمال تخرج من المصانع، يؤكد لي في إلحاح لا يتوقف، وإصرار يحطم كل غفلة أو تغافل: أن العمل هو القيمة الوحيدة، وأنه هو نعمة الوجود الكبرى، وأن الطبقة المتوسطة بكل قيمها، وتقاليدها، وأساليبها في السلوك تحاول أن تفنيني بعيدًا عن العمل، وأن تعلمني سبل التحايل ورذيلة الوصول".

هكذا حمّل علاء الديب طبقته مسؤولية خيانة الثورة والأحلام الكبرى، ثم حمّل نفسه المسؤولية: "لم أعد بريئًا. مذنب، ومشارك، وضالع في الإثم".

ورغم مرور سنوات على نكسة 67، لا يزال الأثر مستوطنًا في نفس علاء الديب، وربما يكون هو المثقف الوحيد الذي لازمته توابع "الانكسار" حتى الآن، ببساطة، لأن بقدر اتساع دائرة الحلم يضيق خناق الواقع.

الشيء المضيء وسط هذه العتمة التي أحاطت علاء الديب، أن شعوره بـ"التخلف" لم يتحول إلى اشمئزاز من نفسه أو من الواقع، وبحسب تفسيره لذلك الشعور فإنه كان بمثابة دافع للانتماء والحلم "البسيط المستحيل" بأن يعيش ويعيش الناس من حوله واقعًا جديدًا.

هكذا واصل علاء الديب الكتابة وحمل على عاتقه مهمة "الكشاف الأدبي"، منذ الستينيات وحتى أيام قليلة، قبل أن يطوله المرض.

قدم الديب العديد من الكتاب عبر بابه الأدبي الشهير "عصير الكتب"، كما كتب لنفسه عددًا من الروايات والقصص القليلة، التي ضمنها أفكاره وفي الأغلب كان هو بطلها جميعًا.
لكن الخروج من المعركة سليما – بل ومنتصرًا على المستوى الذاتي، ظاهريًا- كان القيمة الحقيقة للكاتب، الذي لم يجرفه الطوفان الذي وضع كل شي وأي شيء في ميزان البيع والشراء.

- ضد العدوان باسم الدين.. الانتصار بالعقل على التشدد

شكّل علاء الديب حصنًا منيعًا لنفسه بإعمال العقل: "تعلمت أن أحب الكلمات، أن لا إرددها دون فهم أو إدراك، فهم الكلمات ومحبتها كان هو المفتاح السحري، الذي يقودني إلى بهجة العقل ونعيم الفهم والتفكير".

في صغره انضم إلى "الإخوان المسلمون"، كان منتميًا لإحدى شُعب الجماعة في منطقته، يتجمعون بعد صلاة العشاء ويتناقشون، لكن "الدرس" كان يملؤه بالكثير من الأسئلة لا الإجابات.

لاحظ علاء الديب الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين "الإخوان"، فكر في ذلك لكن أحدًا لم يقدم له إجابات، وفي إحدى الجلسات انتقد أحد أعضاء الشعبة شقية زميل له قال إنها تذهب إلى مدارس أجنبية وتعود إلى منزلها بعد الغروب معترضًا على ملابسها التي "لا تليق بشقيقة أخ مسلم".

كان هذا "الأخ" صديق وجار علاء الديب، وشقيقته صديقه لأخواته: "كانت زيارتها لنا في البيت تبعث كثيرًا من الحبور والبهجة، وكان أبي وأمي يعتبرانها نموذجًا للفتاة ذات المستقبل، فهي تجمع بين التعليم الأجنبي حيث تتقن اللغات – سلاح العصر- وبين خفة الدم والشطارة".

 يحكي: "في السهرة وقد اجتمعت أسرتنا حول الراديو تسمع حفلا لأم كلثوم، فاجأنا صوت صراخ وبكاء قادم من بيت الجيران، وكأن هناك شخصًا يُذبح، هرولت والدتي بمملابس البيت.. وعادت باكية، وقالت إن صديقي أخذ يضرب أخته ضربًا مبرحًا، وأنه أصاب فمها، وشج رأسها، وأنه يصر على أن تبقى في البيت، وأنه سيقتلها لو عادت إلى المدرسة"، وكانت هذه الواقعة هي "أول عدوان شرس" يُرتكب أمام علاء الديب باسم الدين، سيترك الجماعة، وفيما بعد سيصف حكم الإخوان بعد الألفية الثالثة بـ"الكابوس"، وسيقول إنه كان سطرًا مقلوبًا في تاريخ الوطن.

- ذهاب وعودة سريعة من بلاد النفط.. الانتصار للوطن

عام 1974 ذهب علاء الديب إلى السعودية "هناك.. حيث النفط، كل ما في قلوب المصريين من حضارة ومرونة يتحول إلى غلظة قاسية. الرغبة الحارقة المتعجلة في المال تحول الإنسان إلى كائن آخر".

كان الديب أحد المغضوب عليهم من أنور السادات، الذي يراه الكاتب سببًا في في ما آل إليه الوضع المتدهور حاليًا في التعليم والصحة والسلوك، بعد الانفتاح الذي أقره النظام في نفس العام.

حمل علاء الديب توصية طبية مكتوب عليها "صالح للعمل في جميع الأجواء" وسافر، وهناك في الميناء الخليجي ستصفعه رائحة الحر والرطوبة والبترول، وسيعيش هناك بلا شيء يملكه،أو تاريخ.

من المصريين، سيقابل علاء الديب عجوزًا كان يعمل إداريًا كبيرًا بوزارة الثقافة في مصر، لكنه سافر وقبل العمل في وظيفة صغيرة لتغطية "جواز البنات". وسيتعرف على الصحفي المعروف في القاهرة الذي سيخشى أن يكون للوافد الجديد مطامع أو طموح للترقي في الصحيفة الخليجية. وسيعود لأنه سيتيه في ذلك العالم الذي يزن البشر بالريالات.

- الكتابة ليست للربح.. الانتصار على منطق السوق

رغم دوره المؤثر في الحياة الثقافية المصرية منذ الستينيات، لم يُعرف عن علاء الديب أنه ينتمي إلى "شلة" في الوسط الثقافي، لكن ما صنع مكانته أنه لا يكتب بحسابات المصالح، بل عن الشيء الذي يحبه، فلا يتأخر عن تقديمه للقارئ.
أعمال علاء الديب تُعد على أصابع اليدين، لكنها تقول الكثير، "أُنضجت على مهل"، بحسب وصف الناقد الدكتور فاروق عبد القادر.

لا يهتم الديب بتحولات الأذواق أو متطلبات السوق، هو نفسه من ألد أعداء "التسليع"، حتى في الأدب، ويرى أن "الأجر الوحيد الذي يحصل عليه الكاتب هو أن يفرح وهو يرى كلماته وقد تحولت إلى مخلوقات على الورق".

يقول في حواره له، منشور في 2010: "قارئ واحد حقيقي يوازي عندي كل ما يحققه الآخرون من نجاحات وسفر وجوائز"، ويحمد الله الذي "أنقذه" من التربح بالكتابة، فظلت لديه "وسليلة للمحبة" وليست لأكل العيش.

انتصر علاء الديب على منطق السوق، "الوحش" الحاضر طوال الوقت، بحسب وصفه، وإن كان لا يخفي أن أحد أسباب ذلك أنه كان لديه باستمرار "وظيفة وعشاء وغطاء وسقف أنام تحته".

منذ نحو 20 عامًا اعتزل الحياة العامة، بعد أن عرض شهادته كمثقف عن ثلاثين عامًا من تاريخ مصر، ثم عاد لدوره المفضل في تقديم الكتابة التي يحبها عبر مجلة "القاهرة" التي تصدر عن وزارة الثقافة، ثم في صحف أخرى.

يؤمن علاء الديب بأن التغير سُنة الكون، لكنه يعتقد أنه لم يحدث من قبل بهذه "القسوة والسرعة والفظاعة"، وصراحة يقول إنه لا ينتمي إلى هذا العصر، وكل ما يريده أن "يتماسك، أن يحتفظ بالحس والبصر والبصيرة، أن لا يقترب كثيرًا من حافة المنحدر".

السلاح الوحيد لعلاء الديب في ذلك هو الذاكرة الحية: "العاصم، والملاذ الوحيد، للفرد، وللشعوب". يتساءل كيف نحافظ على أنفسنا دون أن ننغمس في الحاضر وننسى الماضي، للدرجة التي لا نمتلك فيها وقتًا – حتى للتفكير- إلى أين نسير.
تحول الزمن، وجرف بتياره المجنون أسماءً كثيرة خضعت له، لكن علاء الديب انتصر بذاكرته، وبقي كما يريد مع زمنه البسيط، المستحيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في موقع اليوم الجديد بتاريخ 13 يناير 2016


في محبة المكترث الأكبر








أحدثكم، اليوم، عن الشرف والنزاهة والإخلاص والتعفف عن المكاسب الرخيصة. أحدثكم عن الاكتراث بهموم البلاد والناس، إلى حد المرارة والأسى.

 أحدثكم عن المثقف الحقيقي الزاهد في ما عند السلطان، الراضي بالقليل، القافل على نفسه وأهله وكتبه وكتابته. أحدثكم عن الكاتب الذي لا يحنجر الشعارات، ليخفي سوأة أفكاره ومواقفه، ولا تشغله الأضواء، ولا يضيع وقته في الهذر، ولا يكتب إلا الكتابة المشغولة بعناية وعناء، الكتابة التي تنفع الناس، ولا تخدعهم بآمال زائفة، الكتابة التي لا تخطف الأبصار، بل تُعمّر العقول وتؤنس القلوب وتعصف بالوجدان.



أحدثكم عن المكترث الأكبر، الأستاذ علاء الديب. لا تحتاج الكتابة عن علاء الديب إلى مناسبة، وعلى الرغم من ذلك، قلما يكتب أحد عن علاء الديب، ربما لأنه، حتى ونحن نحبه، يذكرنا دائما بأسوأ ما فينا، يذكّرنا بأننا لن نستطيع أبداً أن نمتلك قدرته الجبارة على التعالي عن الصغائر والترفع عن النقائص.

 أعترف أنني حاولت أن أكتب كثيراً عن علاء الديب وفشلت، وأظنني سأفشل هنا أيضا في تقديم كتابةٍ تليق به، وبمحبتي له. كنت قد وقعت في غرام العم علاء، بفضل بابه التاريخي “عصير الكتب” الذي ظل يحرره سنين طويلة في مجلة “صباح الخير” التي ظلت متوهجة حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي، ثم تعرفت حين دخلت الجامعة على رواياته القصيرة، وبعدها تشرّفت بمعرفته شخصياً، عن طريق أخي حمدي عبد الرحيم،  ليكون لي، منذ ذاك، أباً وصديقاً وشريك كتب وأنيس سهرات و”ضليلة” من صهد الحياة وسنداً وأستاذاً.

 ربما لم يغيرني حبه إلى الأفضل الذي تمناه لي، لكنني دائماً، وأنا أحاسب نفسي على ما جنت يداي، أتذكّر أنني كنت محظوظاً بحمد الله، لأنني حظيت بمحبة وصحبة أستاذ وأب ومثلٍ، لم يتلوث كما تلوث كثيرون غيره. رجل مبهج دافئ حكيم حنون، يستمع أكثر مما يتكلم، يقرأ أكثر مما يكتب، يفضل صحبة الأشجار على قعدات نافخي الكير، لا يدّعي العلم عمّال على بطال، بل يبحث بشغف عن كل كتاب جميل فاته، ليس لديه أي ادعاء بامتلاك عبقرية تميّزه عن غيره.

متواضع وعازف عن المديح والثناء و”الدوشة”، وأظنه سيقاطعني فترة بعد أن يقرأ ما أكتبه، ليس لأنه لا يعلم صدق محبتي، بل لأنني ربما سأذكّر به أناساً ثقلاء الظل والروح، لم يكن يريد أن يسمع أصواتهم، لكنه أيضاً لن يكسر قلوبهم، فيصدّهم عنه تماماً، لأنه لم يعتد أن يمنع خير نفسه عن أحد.

للأسف الشديد، لم يحتفِ زماننا الرديء كما يجب بقيمة كبيرةٍ مثل علاء الديب. سنوات طويلة،

“علاء الديب رجل مبهج دافئ حكيم حنون، يستمع أكثر مما يتكلم، يقرأ أكثر مما يكتب، يفضل صحبة الأشجار على قعدات نافخي الكير”

لم يهتم مسؤولو أجهزة الثقافة بطبع كتبه ورواياته ونشرها وتقديمها للناس كما يليق، ولا بجمع المجهود المذهل الذي بذله أربعة عقود في كتابة باب “عصير الكتب”، والذي لو تم جمع كل ما جاء فيه، لقدّم بانوراما مذهلة لأهم ما أنتجه العقل البشري، وصدر مترجما إلى العربية طوال الأربعين عاماً الماضية، (صدر عن دار الشروق كتاب وحيد في عام 2010 ضم بعض هذه المقالات المهمة، وقد تشرفت بدعوة أستاذي لأن أشارك في تقديم الكتاب مع الكاتب الكبير الراحل إبراهيم أصلان).

للأسف، لا أذكر أنني رأيت عن عم علاء برنامجاً في التلفزيون المصري بقنواته كافة، يقدّم أفكاره للناس الذين عاش حياته مكترثاً بهم، وحتى عندما أصابته أزمة مرضية قاسية أول مرة نحو عام 2000، كان بحاجة إلى أن تتم كتابة نداءات ملحة في صحف ومجلات عديدة، لكي يتم علاجه على نفقة الدولة، وقد تعست والله الدولة التي يحتاج علاء الديب فيها إلى أكثر من ساعات، لكي تتخذ قراراً بعلاجه وحل أزماته، وشيله في حبابي عينيها، وتعست وخابت الدولة التي قام أحد مسؤوليها الثقافيين البلداء، بعد ذلك، بالاستغناء عن خدمات عم علاء مستشاراً أدبياً لجريدة القاهرة، الصادرة عن وزارة الثقافة، ما اضطره، في سنه المتقدمة، وفي ظروفه الصحية المضطربة، لأن يبذل مجهودا كبيراً كل أسبوع، ليكتب ويكسب رزقه، من دون أن يشكو لأحد، مواصلاً، باجتهاد، عمله النبيل الدؤوب في تعريف القراء بأهم ما يصدر من كتب وأجملها، وفي إبداء ملاحظاته الثاقبة للأجيال المختلفة من الكتّاب الذين ظلوا يعتبرون كتابته عن أعمالهم جائزة كبيرة تبهجهم، لأنهم يعلمون أن علاء الديب لا يكتب إلا عن الكتاب الذي يستحق تعريف القراء به.


يحسن إلى نفسه كثيراً من يقرأ أو يعيد قراءة قصص علاء الديب ورواياته (زهر الليمون ـ قمر على المستنقع ـ أطفال بلا دموع ـ عيون البنفسج ـ زهر الليمون ـ الشيخة ـ الحصان الأجوف ـ القاهرة ـ أيام وردية ـ المسافر الأبدي)، ولن أتحدث هنا عن أدب علاء الديب، فهو أكثر جمالاً وتركيباً من أن يكتب عنه فقط بمحبة وحماس، فقط سأخصص هذه السطور لاستعادة ذكر كتاب جميل، قرأته له فور صدوره عام 1995، كان من الكتب التي شكلت وعيي، ولم أستطع أبداً أن أنساها، لأنها كانت حافزاً دائماً لي، ولكثيرين ممن عرفت، على التمرد والحرص على الاستقلال والحرية، أتحدث عن كتاب (وقفة قبل المنحدر: من أوراق مثقف مصري)، والذي أراد له عمنا علاء الديب أن يكون “شهادة مثقفٍ كان يحمل على أكتافه مسؤولية تغيير العالم، ويعتبر أن ذاكرته حياته، ومن أجلها يحارب آخر معاركه، ولا يقبل فيها الهزيمة”. (ألسنا بحاجة إلى أن ندرك هذا المعنى المهم، ونحن نعيش في أزهى عصور التزييف والتزوير ومسخ الذاكرة).


من أبرز ما يحكيه العم علاء، في شهادته المهمة على أحوال بلادنا المحمية بالحرامية، ما قاله له صديق ذات يوم ممتدحاً: “أنت واحد من القلائل الذين يشعرون بنبض الحياة الثقافية في أوروبا”، يعلق العم علاء على ذلك بأنه ابتسم، لأن صديقه لم يدر أنه لمس جرحه العميق، فقد كان دائماً يشعر بأنه لم يحصل على أجر عمّا يكتبه لأن “الأجر الوحيد الذي يحصل عليه الكاتب هو أن يفرح، وهو يرى كلماته وقد تحولت مخلوقاتٍ على الورق، وكثيراً ما رأيت كلماتي تتحول إلى مخلوقات مشوهة، تسقط كأجنة ناقصة النمو”. وبشجاعةٍ، يعترف عمنا علاء الديب بأنه لم يعد يعتبر العمل عطاء حقيقيا بسبب ذلك، ومنذ تلك اللحظة “كف الوجود عن أن يكون بالنسبة له فرحا ونعمة”.


كان يمكن للأستاذ علاء الديب أن يقنع بلعب دوره الثقافي، ويشعر بالرضا الكامل عما قام بتقديمه، كما فعل كثيرون من أبناء جيله، قدموا للثقافة أقل بكثير مما قدمه، لكنه كان صادقاً مع نفسه ومع قارئه، بحيث اعترف أنه منذ هزيمة 67 وهو ميت لم يعش يوماً حقيقياً كاملاً، محاسباً نفسه عياناً بياناً على تجربة السفر إلى الخليج، وناقداً دور المثقف منذ ما بعد ثورة يوليو، ليقدم في كتابه تقييم جرّاح أمين لديه ضمير يقظ، لكنه أيضاً لا يستعين بطبيب تخدير، ليصل إلى عصب المرض الذي أصاب البلاد منذ قيام ثورة يوليو، والذي يصفه في قوله: “عندما تحول البطل الكبير إلى مؤسسة، وتحولت الثورة إلى نظام مشغولٍ بحماية نفسه، وتركت قضاياها الكبرى في أيدي وجوه صغيرة، لا أدري من أين تخرج، كأنها الأفاعي تلتف حول ساق شجرة الثورة الكبيرة… سنة بعد سنة، أراقب كيف يخلو المجتمع من حولي، من القنوات الطبيعية التي تشبه الشرايين التي تبقي المجتمع كائناً حياً، تصل بين البشر فيه، قيماً وممارسات وسلوكاً، تنتزع وتوضع بدلاً منها شرايين صناعية تصنعها أجهزة غامضة، يصنعها العجز عن التطبيق والانتهازية، وكل صور الفساد فيستحيل أن تصل المعاني الجديدة إلى قلوب الناس، ويستحيل أن يتحوّلوا إلى بشر متحرر حقاً من الجهل والفقر والمرض”، أو حين يقول، في موضع آخر، ملخصاً مأساة المثقف المصري في ظل دولة يوليو: “.. الازدواج قضيتي الشخصية. إنها ليست مسؤولية الدولة أو النظام، إنها قدري ومصيري، لقد كُبتت الحريات أوقاتاً طويلة، كذلك يفعل أي نظام وأي ثورة وأي دولة، ولكن التشوه الذي حدث كان مسؤولية المثقف، إنه يكمن في نكوصه وعجزه عن أداء دوره، لقد أمسكوا المثقف من يده التي تؤلمه، من انتهازيته وطموحه المريض”.


 انظر أيضا إلى ما يقوله في تذييله روايته البديعة “أيام وردية”، كاشفاً عن روحه الشفافة التي تكترث بآلام بسطاء الناس: “يحصل الواحد منا، نحن أبناء الطبقة المتوسطة، على أكثر من حقه، أنظر إلى الكادحين العارقين حولك، هل تعرف كم يقبضون في آخر النهار، وكيف ينامون، وكيف تنام أنت، فكّر في المزايا المجانية الجسيمة التي تحصل عليها بجهد قليل، أو بلا جهد على الإطلاق، شعور ساذج بالذنب مستمر، لكنه يكفي لكي يثير دائماً نقاشاً نظرياً، لم يحسم عن دور الطبقة المتوسطة في بلادنا، وماذا أخذت، وماذا أعطت، وعن مصيرها الذي انتهت إليه… وكيف تكون هي الوحيدة التي تملك القدرة على التواصل والتعبير، لكنها هي نفسها مضطربة متناقضة، تعطي إشارات متباينة، لا تزيد حياة الناس إلا ارتباكاً.

 على من يبحث عن هوية لمصر أو عن فن لمصر أن يبحث عنه خارج نطاق الطبقة المتوسطة، بكل الأشكال التي أخذتها سابقا وحتى الآن”. ولا أعتقد أن أي قراءة لأحوال مصر الآن، بعد ثورة يناير، يمكن أن تتغافل عن خطورة دور الطبقة الوسطى، وعن أهمية تجاوز هيمنتها على المجتمع، إذا أراد هذا المجتمع أن يعيش، وهو ما شخّصه عم علاء، في روايته الصادرة عام 2002.


مرّة قلت ممازحاً لعم علاء: لو كنت ناشراً لأقلقت منامك كل ليلة، حتى تكتب جزءاً ثانياً من كتابك البديع، بشرط أن تسميه “وقفة تحت المنحدر”، صمت مكتفياً بابتسامة مريرة، ولمت نفسي بقوة، لأنني هزلت في موضع الجرح، ولم أكن أعلم يومها أن كتابه سيكتسب أهمية استثنائية، في هذه الأيام التي أصبحنا فيها في قاع منحدر، لم تكن وعورته وعبثيته وحقارته، تخطر لأحد على بال، جعله الله آخر المنحدرات، أو دعنا على الأقل نتمنى ذلك، قبل أن نصل إلى منحدر جديد.


(كتبت هذه السطور على فترات متفرقة، ضمن محاولاتٍ متعثرةٍ لتسجيل محبتي وامتناني وتقديري، للأستاذ الكبير علاء الديب، الذي يعاني الآن من أزمة صحية حرجة، أسألكم الدعاء له بالشفاء العاجل، ليعود سالماً معافى إلى أسرته ومحبيه وكتبه وقرائه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلال فضل
نشر في موقع العربي الجديد بتاريخ 13 يناير 2016