الأحد، 27 مارس، 2016

40 يومًا على صمت علاء الديب


   








أحمد صوان

40 يومًا مرت على رحيل الكاتب الكبير علاء الديب، الرجل الذي عاش صامتًا، بينما يتحدث قلمه. حكى لنا طيلة عقود عن الفن وهو منخرط حتى النخاع بين الأوراق والحكايات، ينتقي منها ما يقوم بعصره وتقديمه للقارئ. هكذا كانت حياة الديب، صانع الضوء لا الواقف أمامه، كان يكتب ليصنع حالة تجمع بين الكتاب والقارئ، فيُغرق قارئه معه في بحر التأملات.


استهل الديب حياته المهنية مع بداية الستينيات، عندما التحق بالعمل في مجلة "صباح الخير"، لم يبدِ حينها صحفياً تقليدياً يلهث وراء الخبر، بل خرجت منه على الفور روح الأديب ليُمارس بها صحافة التحقيقات، وكانت مقدمة أولى أعماله "مخدرات الطلبة"، دليلاً على أن من سطر هذا التحقيق أديب يرسم الحالة قبل أن يخوض حكايته، فبدأ موضوعه بـ"كثير من النوافذ هذه الأيام تظل مضاءة حتى الفجر وكثير من الوجوه الشابة المرهقة، يبدو عليها الإجهاد والإعياء، ذقونهم نابتة وعيونهم حمراء وأعصابهم متوترة، إنهم الطلبة الذين تعصرهم الامتحانات هذه الأيام، الشوارع في الليل فارغة، والكورنيش يمشي عليه السجائر والسواح، والطلبة في البيوت يحاولون تعويض الوقت الذي راح".


كانت "صباح الخير" منبراً انطلق منه الديب ليطل على قُرائه، فبدأ مقالاته التي كانت تُنشر أسبوعيًا لعقود بعنوان "عصير الكتب" -والتي جمعها فيما بعد في كتاب يحمل الاسم ذاته- وجاء تقديم الكتاب من اثنين، أحدهما صديق عمره الأديب الراحل إبراهيم أصلان، والثاني تلميذه الكاتب بلال فضل، فكتب أصلان "هذه كلمات لا تنفع، طبعًا، إلا أن تكون في محبة علاء الديب، الصديق والأستاذ، وأحد الأخيار القدامى في هذا الواقع الثقافي الذي صار مسخرة، ومفخرة، أو أي شيء من هذا القبيل"، بينما كتب فضل "مع سبق الإصرار والترصد أضعت كل فرصة سنحت لي لكي أتعلم من علاء الديب أشياء مثل الحكمة أو الهدوء أو التأمل أو معرفة الأشجار، فالنباتات عندي كلها تحمل اسمًا واحدًا هو شجر، ولذلك اكتفيت بأن أغبط على الدوام صحوبية عم علاء الحميمة لجميع أنواع الأشجار والثمار والزهور"، بينما كتب هو "ماذا قدمت لي الكتب سوى الحيرة وتلك الحزمة من الأشجان الرومانتيكية اليابسة؟ هل تقف الكتب ضد الحياة أو بديلًا عنها؟ كلا، هم أصدقاء، من حسن الحظ أن مهنتي هي هوايتي، هي حياتي تلك الخطوط السحرية التي تنقل معاني وتهز النفوس والجبال وتغير العالم".

على مدى أربع عقود كتب الديب الكثير، وأطل برؤيته عن الجميع وعليهم، تنوعت اختياراته فقدّم عصيرًا استمتعت به عقول مُتابعيه، ورغم أن الكتابة عن كاتب كبير ومتحقق بالفعل أشبه بالمأزق، فإن الديب قد نجا من هذا عندما كتب عن الأديب الراحل نجيب محفوظ، فاستعاض عن القوالب بإحساسه وانطباعه الشخصي، وفي الوقت نفسه لم يخش مكانة أديب فتدفقت كلماته في لغة مبهرة "فُتحت النوافذ لنسمات الحكمة، وخرج علينا الكاتب بأصداء السيرة الذاتية، أصداء، لأنها أوسع وأرحب من سيرة ذاتية، لأنها ترن في الماضي القديم، وفى الأفق المأمول البعيد، لم يشهد الأدب الحديث مثل هذه البلاغة، ولا القدرة على الإفصاح والوصول".


تنبأ الديب بصعود العديد ممن كان يصفهم فيها بـ"الكاتب الشاب"، وصاروا فيما بعد نجومًا، منهم كتاب بعنوان "الذي اقترب ورأى"، ألفه طبيب شاب -آنذاك- يُدعى علاء الأسواني، وصفه الديب قائلًا "علاء طبيب جديد يقتحم بجرأة ميدان الأدب، يدفعه غضب جامح، وتراث من الفن والبلاغة، والقدرة على الإفصاح"، فيما بعد صار الشاب صاحب سُمعة عالمية كبيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من لغة، ونشر مقالاته في الصحف الفرنسية، وتحول أشهر أعماله، "عمارة يعقوبيان"، إلى فيلم سينمائي.



كان علاء الديب موسوعيًا، جمع الكثير من مجالات الثقافة المختلفة مع الأدب، منها الموسيقى، الفن التشكيلي، والسينما، وهذا ما استخدمه عندما كتب عن رواية "بحيرة المساء" لصديقه الراحل إبراهيم أصلان، عندما كتب يقول إنها ذكرته بأعمال الموسيقار العظيم "يوهان باخ"، وأسهب في الربيط بقوله "تعلمت من الموسيقى الكلاسيك وخاصة من باخ.. إن أروع ما في العمل الموسيقى هي الثواني التي تنتهي فيها الجملة الموسيقية أو اللحن، وتبدأ فيها جملة جديدة، أو لحن جديد، في هذه الثواني يتركز كل تركيب العمل، يضع فيها المؤلف أسرار الكمال الفني القائم في ذهنه دون إفصاح أو مباشرة"، رابطًا هذه النظرية بتجربة جيل الستينيات كله، موضحًا بهذه الرؤية أنه جيل استطاع صياغة هذه الحالة في كلمات، عبر تمكُنهم من مقاليد الجملة القصيرة التي تخرج وكأنها طلقة صائبة، وتساءل عن انبهار أصلان بهذه اللعبة، وعن حبه للبريق الذي يصدر من تلميع الجملة وصياغتها بدقة، كذلك وصف يحيى الطاهر عبدالله بأنه "واحد من الذين رافقوا حركة القصة الجديدة، بل وصاغوا كثيرا من معالمها"، وعاد حول أعماله وطبيعتها ليقول "من الذين يتردد البعض في تقويم أعمالهم، ويقفون من كتابته الدقيقة الصعبة موقفًا متحفظًا، ويرون في رؤيته الخاصة وتناوله المميز للأحداث والشخصيات استمرارًا لموجة الغموض والعبث".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في البوابة نيوز بتاريخ 27 مارس 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق