الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

في صحبة علاء الديب







بلال فضل

تشرفت بمعرفة العم علاء الديب في لحظة فارقة من حياتي التي لم تكن وقتها تسر الصديق ولا تغيظ العدا، فتغيرت بفضله حياتي وانقلبت رأسا على عقب، ومع ذلك ظل ذاك التغيير الجذري «أقل حاجة» عند علاء الديب، فما أهمية تغيير حياة شاب عابث مثلي لو قارنتها بروايات علاء الديب البديعة التي تتفجر بالشجن النبيل، أو بكتابه المعجز «وقفة قبل المنحدر» الذي جعله يستحق عن جدارة لقب «المكترث الأكبر» بحال البلاد وهم العباد، أو ببابه الصحافي الخالد «عصير الكتب» والذي بادرت دار الشروق مشكورة لنشر أهم مختاراته في كتاب، والغريب أن إصدار دار الشروق لكتاب (عصير الكتب) جاء بعد تردد طويل من علاء الديب نفسه الذي كان يظن - ويا للعجب - أن أحدا لن يهتم بهذا الكتاب، برغم رجاء مريديه له أن يحقق لهم هذا الحلم الذي سيساعد الأجيال الجديدة على أن تتعرف على أجمل الكتب التي قدمها علاء الديب للقارئ العربي في العصر الذهبي لمجلة «صباح الخير» قبل أن تفقد طيشها الجميل مع سيادة عصر «صباح الخير يا مصر».


ربما كان من المهم ـ نسبة إلى الأهمية والهم أيضا ـ أن تعرف أن ما تم نشره في الكتاب الصادر عن (دار الشروق) يشكل أقل من واحد في المئة من مجموع الكتب التي عصرها العم علاء في بابه منذ ورثه عن سلفه فتحي غانم، وحتى توقف عنه عام 2000 ليواصل منذ ذلك الوقت عصره للكتاب في صحيفة (القاهرة) الصادرة عن وزارة الثقافة على مدى سنوات في باب اختار له عنوان (كتاب في كلمة.. كلمة في كتاب)، حتى توقف عن كتابته بعد حملة تطهير قامت بها وزارة الثقافة للصحيفة من كل ما يمكن أن يدعو القراء إلى شرائها لتصبح لائقة بالمظهر العام الفاشل للوزارة، وللأسف فقد استمر غياب قلم علاء الديب عن قرائه لفترة طويلة حتى عاود منذ أشهر بابه المفضل (عصير الكتب) في صحيفة (المصري اليوم)، وما زالت مئات المقالات التي كتبها ويكتبها العم علاء متعه الله بالصحة والعافية تنتظر ناشرا ذكيا يبادر إلى جمعها في سلسلة كتب على غرار سلسلة (فيض الخاطر) الشهيرة للكاتب العظيم أحمد أمين، لتكون توثيقا رائعا، ليس فقط لكتابة علاء الديب الرائعة، ولمجهوده المدهش في خدمة الثقافة، بل لتكون أيضا توثيقا لأجمل الكتب وأهمها وأجدرها بالقراءة.


مع سبق الإصرار والترصد أضعت كل فرصة سنحت لكي أتعلم من علاء الديب أشياء مثل الوقار والحكمة أو الهدوء أو التأمل أو معرفة أسماء الأشجار، فالنباتات عندي كلها تحمل اسما واحدا هو «شجر»، لذلك اكتفيت بأن أغبط على الدوام صحوبية عم علاء الحميمة لكل أنواع الأشجار والثمار والزهور، وفضلت أن أظل كما أنا مكتفيا بصحبة علاء الديب ومستسلما ليقين أنني لن أصل أبدا إلى هذا القدر من الصفاء والعطاء ونكران الذات والانشغال بالعمل والمعرفة في تصوف وزهد حقيقين لم أر لهما مثيلا.


أحلى الأوقات عندي كانت ولا تزال أيام السبت المتفرقة التي أقضيها داخل مكتبة العم علاء فوق كنبات بيته الحميمة الحمولة وعلى ضفاف حديقته الصغيرة الغنَاء مستمتعا بصحبة العم علاء وزوجته السيدة عصمت صانعة البهجة والتي كانت تشاركنا فيها على مدى سنوات طويلة رفيقة عمرهما المرحومة الحاجة سعاد رضا إحدى بناة أمجاد روز اليوسف، وبرغم المباهج التي تحفل بها المائدة مما لذ طعمه وخف دسمه ـ وهو أمر لم يعد سهلا توفره في هذا الزمان ـ وبرغم التزامي الدائم بمهمة الإجهاز على كل ذلك مع ترك القليل لعم علاء والحاجة سعاد حرصا على صحتيهما، وبرغم المشروبات التي تتفنن السيدة عصمت في ابتكارها كل مرة من عصير خير حديقتها، وبرغم سبيل المعرفة الذي نذره عم علاء تكرما لسقاية العطاش من أمثالي، إلا أنني كل مرة أجد أن أعظم درس يمكن أن تتعلمه من علاء الديب هو أن المثقف يمكنه أن يعيش بسعادة وهناء، ويأكل بشهية مفتوحة، ويتحدى المرض، ويقرأ كأنه لن يكتب أبدا، ويتجرع عناء وبهجة البحث عن الكتابة كأنه لن ينشر أبدا، ويضحك من قلبه ويستمتع بصحبة الأصدقاء وإن رحلوا عن الدنيا، ويربي ولدا وبنتا يُفرحان القلب العليل، كل هذا دون أن يضطر لبيع شرفه وقلمه ومواقفه واستقلاليته، ودون أن يفقد قدرته على الاندهاش أو رغبته في مقاومة العفن المحيط به، دون أن يتخذ من سياسة «خالف تُعرف» سبيلا الى الشهرة، واخيرا دون أن يحفل ولو للحظة بأن يعرفه كل الناس ما دام قادرا على الاستمرار في محاولة التعرف على نفسه.


عاش علاء الديب عمره كله لا ينتظر شيئا من أحد، لم يتكئ على حكومة أو تنظيم أو جمهور، اكتفى بالقلم سندا، وبالسؤال طريقا، وبعدم الرضا الكامل عما يكتب ونيسا في رحلته السيزيفية نحو البحث عن كتابة أفضل. لم أر أحدا يحب بلاده حبا راقيا عاصفا أفلاطونيا ومن طرف واحد كما رأيت علاء الديب وهو يحب مصر، وعندما تعرض لمحنة مرض عاصفة قبل سنوات، وخذلته مصر الرسمية التي تستمتع بأكل أخلص أبنائها، لم أشاهده للحظة ساخطا أو شاكيا أو متباكيا على أحواله، تحمل الأزمة برجولة وعبرها في صمت جليل، ولم يتخذ مما حدث ذريعة لصب جام غضبه على البلد والعيشة والناس، وحتى عندما كنت أتطوع أنا وغيري للتعبير عن غضبنا كان يُخرج الحديث فورا من إطاره الشخصي إلى الحديث عن مصر وأحوالها ومستقبلها، قبل أن يجرجرنا بصنعة لطافة إلى الحديث عن أكثر ما يبهجه في الحياة، الكتب الجديدة والروايات الحلوة والمزيكة والسينما والأشجار وسيرة الولد أحمد والبنت سارة وقبل كل هذا وبعده الست عصمت ومشروباتها المدهشة.


أسعدني زماني بصحبة علاء الديب، فبالله يا دهر لا تنقضِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريد السفير بتاريخ 10 يناير 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق