الجمعة، 29 أبريل، 2016

علاء الديب.. ليس مجرد كاتب والسلام





   د. رضا البهات    


عشرون عاماً من الصلة الشخصية والأسرية جمعتنى به.. عنوانها الموضوعية، وإلا ما معنى أن يتصل بك كاتب كبير قائلاً إنه ينوى زيارتك، وفى الموعد تجده وزوجته فى بيتك، ثم تسعيان معاً تحت مطر يناير من شارع إلى حارة إلى منزل الفنان التشكيلى مجدى سرحان.. ولم يكن أقام معرضه الأول بدار الأوبرا بعد. بعدها يعاود المجىء إلى المنصورة.

ما إن أذكر هذا للقاصّ والروائى جار النبى الحلو حتى يقول بدوره إنه ذهب إليه مرتين فى مجلة «صباح الخير» ولم يجده فترك له كتاباً. تناوله علاء الديب فى صفحته «عصير الكتب» دون ذلك البعد الشخصى الذى يربط دائماً الكاتب بالناقد. ثم مرتين أخريين بجريدة القاهرة، لم يوفق فيهما أيضاً فى مقابلته. ليرى ما تركه منشوراً فى المرتين، من غير أن يلتقيا أبداً. حكيت لجار النبى حكاية كاتب قدم لى روايته، ولكى يحسم انشغالى عن الكتابة عنها سألنى: قريت اللى كتبه عنها علاء الديب؟ وكأنما يستمد المصداقية مما كتبه الراحل. فهل كان مجرد كاتب مجامل أم أسطى خبير يقلب القرط أو الدلاية ويقول: دى دهب عيار كذا، أو دى دهب قشرة بغريزة لا تخطئ. ضمن ما كتب فى جريدة «المصرى اليوم» عن روايتى «ساعة رملية» أنها منتج مصرى خالص، وكأى منتج مصرى تتسم بسوء التشطيب. ولم أكن حكيت له ولا لأى إنسان سر سوء التشطيب هذا، والذى له عنوان هو العجلة بطول انقطاعى عن الكتابة.


غير أنه يكون جاء إلى المنصورة هذه المرة ومعه هدايا مما يخص فناناً تشكيلياً وكاتباً. وعلى المقهى بجوار الفندق الذى نزل به يقول: بنات المنصورة حلوين فعلاً.. فأجيبه بأن هذا كان مثار تعليق زملائنا بالجيش وهم جميعاً يقولون إن ذلك بسبب اختلاط الفرنسيين بنا فى زمن الحملة الفرنسية.. لكن الأجيال الجديدة فى مصر كلها بقوا حلوين اليومين دول. يقول علاء الديب ضاحكاً: إيه العقل اللى جالك فجأة ده؟


ويتنقل الكلام بين السياسة وتلك العزلة التى ضربها حول نفسه.. فيقول: اسمع تلك الحكاية. ويحكى أنه ذهب لتسلّم المكافأة كرئيس للجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة. سألته الصرّافة عن اسمه.. وراحت تتابع كشف الرواتب وهى تردد.. أستاذ علاء الدين.. علاء الدين، لسه مجاش- يضيف- صححت لها الاسم وقبضت الراتب قلت له مخففاً عنه: جيرانى يعرفوننى على أننى الطبيب الذى يداوى أطفالهم.. الناس مشغولون بالحياة لا بالثقافة، فيحكى من جديد عن واقعة دالة تخص المثقفين أنفسهم. يقول: تلوت على أعضاء اللجنة برقية من اتحاد كُتاب سوريا تفيد برغبته فى استضافة عدد من الكُتاب. وإذا بالخلافات تندلع فى القاعة.. ليه.. كل واحد عاوز يسافر.. ورأيت كاتباً شهيراً- شفاه الله- ينزوى باكياً بحرقة ولما سألته قال: والله أنا أحق واحد بالسفرية دى.. يضيف علاء الديب: لم نكمل مناقشة جدول الأعمال.. ووقفت كدهه- وضع قدمه على الكرسى مرتكزاً بذقنه على يده- زى مدرس الفصل. أتابع الخناقات. ثم استأذنتهم لدقائق، ولم أعد حتى اللحظة.. يضيف ضاحكاً: زمانهم لسه مجتمعين لحد دلوقت.


وفى منزلى يلاعب ابنتى وابنى الصغيرين وقتذاك. وتناكفه ابنتى بالقول: أصحاب بابا كلهم أسماؤهم وحشة.. اللى الديب، واللى القرش- تقصد سعد القرش- واللى ضبيع- طبيب الأمراض النفسية أحمد ضبيع- حتى اللى فيهم اسمه حلو زى محمد مستجاب شكله بيخوف- وكان يزورنى بجلبابه الشهير وصوته وضحكاته العالية- فيقول لها الرجل: اسمى أصلاً علاء حب الله.. فتجيب ذات الثمانى سنوات: بس فى الآخر الديب.

أما بعد أن فاز بجائزة الدولة التقديرية فى الآداب يسألنى الولد الأصغر عن معنى جائزة الدولة.. وأشرح له.. فيقول للضيف (وش): مادام حضرتك مثقف كده، ما تروح برنامج من سيربح المليون وهتكسب على طول.. ولّا أنت زى بابا.

وأُبدى له حسرتى على هذه الأجيال التى ستكبر فى عهد مبارك ولم تتعلم شيئاً، يقول من هو أخبر بالحياة والبشر: هو ده الجيل اللى محدش هيقدر عليه، ده جيل يعبر عن نفسه بجرأة ووضوح.. وهو اللى هيغير الدنيا.

أعيد له ملاحظته تلك عقب ثورة يناير ٢٠١١ التى تتجاوز كونها صحوة للمصريين، وأذكّره بقولة أ. صلاح عيسى لى: «الثورة حزب ثورى ونظرية ثورية».. وبأن الشباب يقولون لى: ده كلام قديم. يقول علاء الديب باقتضاب: عموماً الوقت مبكر جداً لتقييم أى أحداث- كنا فى مارس ٢٠١١.

عامة ما اجتمع رجلان إلا وانتقل حديثهما بين السياسة والنساء.. ومن غير سعاد حسنى- وكانت لاتزال بيننا- تفتح الشهية للكلام عن النساء. فثمة قرابة أسرية بعيدة أتمحك فيها، وتربطنى إليها. وأنها قالت لى: بحب أطلبك فى التليفون عشان مامتك تقولى يا بنتى.. هى سنها أد إيه؟ غير أن أمى تخاطب أى صوت رجالى (يا بنى) وأى صوت نسائى (يا بنتى)- يقول علاء الديب مبتسماً: تعرف أنها قعدت على رجلى- يقصد سعاد حسنى- بس ما تكتبش الكلام ده.. خلال عملى بـ«صباح الخير» كنا سنقضى الليل عند فتحى غانم. والوحيد الذى لديه سيارة كحيانة كان محمود السعدنى، تسع أربعة وكنا خمسة. ركبنا وبقيت سعاد حسنى على الأرض تسأل: وأنا هركب كده إزاى!. فقال لها عم محمود: اقعدى على رجلين أى حد.. لأ.. على رجلين الواد ده، ده مؤدب- يضيف علاء الديب- وحدث نفس الشىء فى المرواح.. عموماً مراتى عارفة الحكاية دى.. ويزداد يقينى فى أنهما كانا علامة على زمن عنوانه حب الحياة.

إحنا بقينا فى زمن صعب.. قالها حين ألمّت به أزمة صحية، جىء له فى المستشفى الشهير بخبير فرنسى استأصل له ضلعين وصار قلبه تحت الجلد مباشرة. حتى أننى حين احتضنته قال: حاسب، أنا بقيت زى الحيوانات الرخوة، باحس القلب بإيدى. وحكى لى حكاية أنسولين منتهى الصلاحية منذ سنتين يعالج به فى المستشفى الكبير. وكيف انتهى به إلى سوس فى العظام.. «بنتى سارة هى اللى اكتشفت الموضوع ده».

إحنا بقينا فى زمن صعب. قالها ثانية، حين أيقظنى من النوم- لم تكن هناك موبايلات- سائلاً: تفتكر إمتى الإنسان سُمى إنسان؟.. طبعاً قلت كل الإجابات الشهيرة. لكنه قال: أصل أنا بترجم كتاب والمؤلف قايل سمى إنسان لما ابتدا يشعر بمعاناة إنسان غيره. بدا فرحاً بالاكتشاف.. وأسمعنى موسيقى تشبه موسيقى يثودراكس فى فيلم زوربا- وكان المخرج عماد البهات أعطانى شرائطها ليحرضنى على الكتابة- وسألنى: تفتكر إمتى هنعمل موسيقى زيها.. لتنتهى مكالمة طويلة من كاتب مشغول بأمر أمته، وليس مجرد كاتب قصص وروايات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت فى جريدة المصري اليوم بتاريخ 29 ابريل 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق