الأحد، 14 أغسطس، 2016

عن علاء الديب ..وعنّا








رؤوف مسعد
تمنحك الظروف الغريبة  أحيانا قدرًا من التمهل وكما من التبصر.. لتتمعن  في "قدرك الممتزج بأقدار الأخرين " فتنفتح بصيرتك العمياء ؛ تنفتح على شهقة المعرفة بأن  بعضا من بشر يشبهونك وتستمع اليهم ينادونك : بأن تعال الينا ولا تخف فسوف نمنحك الامان والبصيرة المتقدة ؛كما سنولد  في روحك قلقا  لا شفاء منه ؛ رغبة حارقة في الاكتمال وحب المعرفة الاصدق.

غرفتك الضيقة بها كتبك ومكتبتك ..  تفسح قلبها للعالم  كله بأجناسه ولغاته وموسيقاه.

بها أقلامك وسجائرك  الكثيرة حينما كنت تدخن وبها – أيضا قبل رحيلك -  سيجارتك اليومية حينما يأتيك ضيف زائر تضّيفه من علبة  بعيدة عن يدك لا تطالها.
ما كتبته انت للآخرين من كتب ليقرؤوها علهم يعقلون ؛ قليلة .
ضنين انت بما تكتبه للناس عنك .
 وما  تكتبه انت عن كتب الآخرين لهو جزء من انفاسك اليومية حتى آخر نفس منها.. بحر زاخر  بالفهم  العميق لعناء انساني لا شفاء له ؛ فيض من التسامح  الذي تضفيه روحك على كتابات لآخرين "اعتيادية " فتضيئها بوهج من مودة صافية ؛  فتزهر كعباد شمس يميل اليك تستضيئ بحرارتك.
لم تطلب ذهبا من المعز ولم  تهب مسرورا سيافه .

حينما طبعتُ انا كتابي عن رحلة الحرب الاسرائيلية اللبنانية 1982 "صباح الخير يا وطن " اخذته وركبت من مكان قاهري لاخر ؛ انا الذي خرجت من القاهرة لاثنتي عشرة عاممتواصلة ؛ اضيع في شوارعها ولغاتها المستحدثة ؛ لكني ممسك ببوصلة تقودني الى مكتبك في صباح الخير ..لألتقي  بك وجلا فأنت علاء  وانا لم اكتب شيئا يستحق ان يوضع في الكفة الأخرى المقابلة لكفتك..

تعزمني على فنجال من القهوة واعزم نفسي على صداقتك.
وحينما كتبتُ بيضة النعامة اتيت هذ المرة الى بيتك بموعد مسبق ..صباح شتوي  في المعادي وفنجالا من القهوة تصنعه السيدة زوجتك " ام أحمد" كما تناديها معابثا .  لاستيقظ بعد ايام قليلة على رنين التليفون الارضي وصوتك العذب  الجاد واللاهي  لتقول لي رأيك في ما قرأته لي.

ساعتها اشعر اني بالفعل اقتربت من معبدك .
رأيك سشيجع الاخرين على قول ارائهم في روايتي  "الصادمة " لما  بها من جنس ودين وسفر  ..وبها أيضا قبس  من روحك المختبئة تحت اقنعة  الحياة الصارمة ومتطلباتها.

لنلتقي بعد ذلك على مائدتك الكريمة مع اصدقاء مشتركين ؛ ابراهيم منصور ومصطفى الحسيني اللذان سبقاك في الرحلة الى البر الغربي ؛ الى وادي الملوك ..

نجلس مع يحي مختار ومع آخرين في غرفتك؛ نستمع الى راجح داوود الذي  قلت له حينما التقيت به اول مرة بعد رحيلك،  وعرفت من هو " سمعتُ موسيقاك للمرة الاولى صافية ملهمة عند علاء الديب الذي علمني كيف اصغى لها "
 ليبتسم وهو ينظر الى افق بعيد  قائلا ؛" انه علاء العصي على التكرار"  او شيئا مشابها !

لماذا تكون انت هكذا عصي على التكرار في بلد يتكرر فيه اشباه الرجال يكتبون ما يشبههم ؟
لماذا تكون ابيا هكذا فتورطنا نحن تلاميذك  في إباء يوردنا موارد الفقر والمسبغة ؛ فنقبل عليهما بابتهاج لانها تقربنا منك انت؛  شيخنا ومريدنا وولينا. 

عشت يا علاء في عصر مخيف لكنك كنت تمسك بالدفة ..حتى لا يسقط محبوك في اليم ..كنت يا علاء رمانةالميزان.
 عاش محبوك ومريدوك في عصرك وزمنك وكان  وجودك  يلقي على وجونا ضوءا  كنور مصباح في مشكاة ؛ يقاوم العواصف؛ نحتمي بوجودك الروحي القوي وجسدك العليل من   غوايات السلاطين، كما حمانا وجودك المتواصل  من انكسار الظهر وانهيار النفس الابية.

اردد لك ولروحك الحائمة فوقنا وحولنا؛  ما قاله اسلافنا الاقدمون  عند الرحيل " انهض انك لم تمت ..انهض فأنت عائش لم تمت "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  أمستردام 12/8/2016

هناك 3 تعليقات:

  1. سعيد انا ومبتهج بصفحة " شيخنا وولينا " علاء الديب وان الادمن الاستاذة وفاء القزاز التي تفضلت مشكورة بالرد على تساؤلاتي ونشرت ما قمت بكتابته عن علاء وعنا نحن الذين في الصورة التي ليست عندي . اهذه الصورة التقطتها السيدة زوجة علاء حيناما كانا في زيارتهما الشتوية القصيرة لاسوان بمناسبة السمبوزيوم.
    في فندق بسمة الشتاء الماضي ساعتها قررنا نحن التلاميذ الخصوصين لعلاء؛ القيام بتقديم فروض الصداقة والمودة على الطريقة الاسوانلية فامتطينا سيارة ابو خنيجر "الخطرة " وبها الشاعر الرقيق المهذب المتربي اسامة البناالمقيم في اسوان ؛ وانا الضيف الذي افرض نفسي على احبائي الاسوانلية لنلتقي جميعا على مائدة يوسف فاخوري النبيل المتعفف ..

    ردحذف
  2. في انتظار كتاباتك يا اسامة وكذا ابو خنيجر عن علاء ..

    ردحذف
  3. في انتظار كتاباتك يا اسامة وكذا ابو خنيجر عن علاء ..

    ردحذف