السبت، 20 فبراير 2016

لابد من علاء الديب وإن طال السفر

               

 ‏

حمدي عبد الرحيم 


ليلة الخميس الثامن عشر من فبراير 2016 جاءتني رسالة على هاتفي المحمول من الأستاذة عصمت قنديل زوج  شيخي الكريم علاء الديب لا تحمل سوى كلمتين :” البقاء لله “.


بعدها تلقيت اتصالًا من الكاتب الأستاذ حمدي رزق يعزيني ويطمئنني على إجراءات الجنازة ، ثم طال ليل أسيوط التي أكتب هذه السطور وأنا بها وأُُغلقتْ الدائرة لتنتهي رحلة حب بدأت منذ أربعين عامًا وتواصلت حتى الرحيل .

لقد ماتت أمي وأنا بعيد لم أشهد لحظتها الأخيرة وها هو علاء الديب يموت وأنا بعيد لم أشهد لحظته الأخيرة ولا مراسم العزاء .

كان أول مقال أقرؤه لعلاء الديب عن حياة الملاكم الأعظم محمد على كلاي ، اذكر بهجة كلماته واذكر حلاوة تلخيصه واذكر دقة ملاحظاته وأذكر فن اشتباكه مع حياة ملاكم وهو الذي لا ينبذ شيئًا مقدار نبذه للعنف ، كانت سطور مقاله تقرأ الخفي والعميق في حياة الملاكم الزنجي في بلد عنصري ، وكيف فرض الزنجي كلمته ليس بعنفه ولكن بفن رياضته .

سأدمن مقالاته وأتعامل مع اسمه بوصفه واحدًا من عائلتي يقيم في القاهرة ويوم أن أقابله سيسقط كلُ منا في حضن الآخر ، وسأقبل يده كما أفعل مع كبار عائلتي وسيربت على كتفي ويقبل رأسي كما يفعلون .

ثم جاء صباح من أيام الثمانينيات وطرحت فيه دار الهلال روايته العلامة ” زهر الليمون “.

كم مرة طالعتها ؟ كم مرة جالست حروفها ؟
كم أحببت ” منى المصري ؟
” كم أشفقت على ” عبد الخالق المسيري ” ؟.

أيامها قلت لقد حان ميعاد اللقاء ولابد من علاء الديب ولو طال
السفر ولابد من أن يعود الفرع إلى جذره والجذر إلى أرضه .
لماذا لم اهجم عليه بحبي وقد أصبحت أقيم في القاهرة بل وأعمل بالصحافة وأتردد كثيرًا على دار مؤسسة روز اليوسف حيث مكتبه بنفس المبني ؟
للرجل مهابة ترفعه فوق التطفل والاقتحام ، وبي خجل وضيع يمنعني من أن أصرخ بوجه الذين أحبهم :” كم أحبكم “.

له وقاره ولي غروري وفتنتي بالزمن ، إذ أؤمن أن أحبابي من الخالدين وهم على بعد ذارع مني ، أجالسهم متى أردت أنا !!
وهو لم يكف لحظة عن مهابته ووقاره وأنا لم أكف عن خجلي وغروري .

كنت قد أصبحت رئيسًا للقسم الثقافي بجريدة الدستور، و كانت ندوة بأتيليه القاهرة في صيف تسعيني ،كانت ندوة تاريخية ، كان متحدثها الرئيسي علاء الديب وبجواره يجلس الدكتور سيد البحراوي ، تحدثا ما شاء الله لهما أن يتحدثا ، ثم تكلمت وغيري  وقبيل انتهاء الندوة وجّه لي الدكتور البحراوى الكلام :
” تعال يا ولد سلّم على عمك علاء “.
سأذكر ما حييت تلك اللفتة الكريمة من الدكتور البحراوي  صعدت إلى المنصة مرتجفًا فأنا أمام شيخي وكبير عائلتي  احتضنني كما تخيلت ، وربت على كتفي كما أحببت وقبّل رأسي كما اشتهيت ولكنه منعني من تقبيل يده ، وهمس لي بجملة واحدة :” أنت ولد جدع وأنا أقرأ ما تكتبه في الدستور”.

لم انم ليلتي فرحًا ، ولم أر علاء الديب في ندوة بعدها ولم أغفر له أنه منعني من تقبيل يده .

كان قد كتب كتابه ” وقفة قبل المنحدر ، تشجعت وكتب عنه مقالًا ، ثم غامرت واتصلت به لأول مرة فقال :” سمعت بالمقال ولكن لم أجد نسخة من الجريدة “.

ذهبت إلي بيته في المعادي حاملًا نسخة من الجريدة .
دعاني بساطة إلى المائدة ، جلست أشاهد الأديب يأكل ، قبل أن يضع لقمة في فمه قال :
” اللهم بارك لنا في البيت والغيط والزيت “.
هو لم يعرف أن قلبي لحظتها قد أنشق نصفين ، أنا الآن أمام جدي وتلك كلماته وهذا دعاؤه .

من اللحظة علاء الديب قريبي قرابة دم وهو من الآن شيخي المتوج ، لقد كتب عن شيوخي لأنه واحد منهم
مات شيخي وأنا بعيد فصب اللهم عليه رحمتك صبًا وأجرني في مصيبتي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 19 فبراير 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق